باريس | نام الأوروبيون على حرير قدرتهم، في الحدّ الأدنى، على مواجهة خطر انتشار الافلاس عبر البوابة اليونانية، وأفاقوا على دخول الدول الناشئة كالصين وروسيا وغيرهما إلى قلعتهم الأوروبية على غرار بوابة ديون الدولة الأميركية التي تشتريها بكين. وكأنّ مربط خيول الجزء الأكبر من القارة القديمة أصبح على قاب قوسين أو أدنى في عواصم الدول الناشئة، الأمر الذي يؤذن بكتابة صفحة جديدة في العلاقات الدولية، وإعادة تركيب توازنات مالية واقتصادية وسياسية.


ولئن استحوذ هذا الجانب الاستراتيجي على اهتمام أصحاب القرار، فإن غموض بعض الاتفاقات والإجراءات المالية التي عقدت فجر أمس كانت على الأقل بمثابة «أفضل الممكن» من وجهة نظر الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في ظل مخاطر انهيار عقد الحكومات الـ17 الأعضاء في «نادي اليورو». إلا أن ما نجحت به قمة بروكسل أمس هو اتّقاء مؤقَّت لشرّ البورصات الصباحية في عواصم «نادي اليورو» أولاً، ريثما تستيقظ ثانياً البورصات العالمية هنا وهناك. وفي الواقع، إن «أفضل الممكن» في الوقت الراهن لن يصمد أمام الضغوط الخارجية، فهو في سباق مع الوقت، وهو ما يؤكده ساركوزي وميركل، إذ كان من الأجدى التقدم أكثر في اجتراح الحلول الكفيلة بوقف الأزمة جذرياً، لكن موقفهما الذي كان متمايزاً في الأساس واستدعى تفاهمات الساعات الأخيرة، لا يتوافق مع امكانات الأعضاء الآخرين في هذا النادي، كما أنه لا يرضي طموحهما ولو اختلفا على طبيعة الوسائل. وستظهر طلائع هذا التحدي في الأيام القليلة المقبلة، أي أثناء استحقاق قمة الدول الـ20 في مدينة كان الفرنسية، التي ستعقد في 3 و4 تشرين الثاني، وهي القمة التي ستستضيف الدول الصناعية الكبرى والدول الناشئة للتداول في العديد من القضايا المالية والاقتصادية أساساً. وستجرى في هذه الأثناء مناورات مزدوجة بين الدول الأعضاء في مجموعة الـ20 من جهة، والمصارف من جهة أخرى التي تعهدت بإلغاء نصف ديون اليونان حتى نهاية كانون الثاني، ما يسمح لها بمزيد من المناورات والمضاربات.
إذاً يمكن القول إن الدول الأعضاء في «نادي اليورو» تنفّست الصعداء مؤقتاً، وهذا ما يمكن أن تعكسه تصريحات ساركوزي وميركل ورئيس الوزراء اليوناني جورج باباندريو ورئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلوسكوني؛ فالأوروبيون قرروا إلغاء 50 في المئة من حجم الدين اليوناني الذي تمتلكه المصارف الخاصة، وهو ما سيكلفهم نحو 100 مليار يورو. ومن نتائج هذه العملية الحسابية، أنها ستخفض الديون اليونانية إلى 120 في المئة من الناتج المحلي الخام حتى 2020، أي ضعفي ما حددته معاهدة ماستريخت وميثاق الاستقرار النقدي. ولقد تقرر أن يحوّل الأوروبيون الـ17 الأعضاء في منطقة التعامل باليورو، فضلاً عن صندوق النقد الدولي، 100 مليار يورو لغاية 2014، يُضاف إليها 30 مليار يورو ضمانات للمصارف التي توافق مجدداً على تقديم قروض للدولة اليونانية. لكن هذا «الحل» على ما يبدو يحتمل أيضاً خطرين: الأول اعتبار الأسواق بأن اليونان في حالة إفلاس، وثانياً اعتقادها بأن ثمة دولاً أخرى كإيطاليا وإسبانيا ستلحقان بأثينا والحبل على الجرّار. مع ذلك، كان رد فعل البورصات إيجابياً، إذ قال عدد من الخبراء إنّ «ما كنا نتوقعه حصلنا عليه في قمة بروكسل باستثناء اليوروبوند». وبالفعل، تجاوبت بورصات باريس وفرانكفورت ومدريد وميلانو، وأظهر ذلك أن الثقة تعود مجدداً بعدما تم إنقاذ مصرف «ديكسيا» قبل أيام، وكان دليلاً على عزم السلطات السياسية والمالية المعنية. وعليه، لم تنهر البورصات مثلما توقع عدد من المحللين. في المقابل، يتخوف اقتصاديون من تبخُّر الوعود بسرعة، بالتالي هم ينصحون بتوخّي الحذر والتعاطي خطوة خطوة مع ردود فعل الأسواق والسلطات المالية في عواصم الدول الـ17، لأن منطقة اليورو ستظل تعيش على وقع تفاعلات الأزمة اليونانية، إذ إن البعض لا يعتقد بقدرة أثينا على النجاة ولو وصلت نسبة ديونها إلى مستوى ديون إيطاليا. وما يعقّد الأمر، هو أن الأوروبيين لم يتوصلوا إلى اتفاق نهائي حول القوة الضاربة التي سيمنحونها لـ«الصندوق الأوروبي للاستقرار المالي» المكلف نظرياً بالإسراع في إنقاذ الدول التي تواجه صعوبات مالية، إذ رأى البعض أن مبلغ 440 مليار يورو ليس كافياً لضمان قسم من حجم الاستدانة لدى هذه الدول العرجاء، فالمطلوب بحسب ساركوزي هو مبلغ يوازي ألف مليار يورو.
هنا أتى دور الدول الناشئة، وفي مقدمها الصين، كي تساهم في تمويل «صندوق الإنقاذ» هذا، بحيث أجرى أكثر من مسؤول أوروبي، فضلاً عن رئيسة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد، اتصالات بعدد كبير من عواصم هذه الدول الناشئة، وكان آخرها اتصال ساركوزي بالرئيس الصيني هو جينتاو لهذا الغرض. ويبدو أننا نشهد من خلال هذا الاستنجاد الأوروبي بالدول الناشئة، منعطفاً في تاريخ الأوروبيين، يشير إلى الصعود المتنامي للبلدان الناشئة منذ بداية الأزمة المالية في 2008 من جهة، وإلى الصعوبات التي يواجهها الأوروبيون في تنظيم أوضاعهم وتسوية خلافاتهم تمهيداً لإنقاذ الدول الشقيقة العرجاء، ويطرح أسئلة جوهرية حول توازنها السياسي المقبل من جهة أخرى. ومن الواضح أن بكين فرضت شروطها منذ الآن، فهي تطالب أولاً بفتح الأسواق الأوروبية أكثر أمام سلعها، وهي تشترط ثانياً الحصول على تأشيرة «وضعية اقتصاد السوق» التي رفضها الأوروبيون منذ سنوات، وثالثاً تشترط ربط مساعداتها بوضع الدول الأوروبية المعنية خطط موازنات أقل إسرافاً، والقيام بالمزيد من الاصلاحات للتمكن من الوقوف مجدداً على أرجلها. ورابعاً تريد الانضمام إلى عضوية منظمة التجارة العالمية. هذا كله، يدفع إلى القول إن القارة العجوز ستسلم في العقود المقبلة مصيرها المالي لبكين.




بكين وواشنطن مسرورتان


بدت الصين راضية عن المسار الذي تتخذه الأمور على صعيد العلاقات المالية التي تجمعها وستجمعها مع نادي اليورو مستقبلاً. وقد رحّبت باتفاق قادة الاتحاد الأوروبي على مجموعة إجراءات لمواجهة أزمة الديون في منطقة اليورو. ونقلت وكالة أنباء الصين الجديدة «شينخوا» عن المتحدثة باسم وزارة الخارجية جيانغ يو، قولها «نأمل أن يفضي اتفاق الإنقاذ إلى تعزيز الثقة بالسوق، والتنمية الاقتصادية المستدامة في منطقة اليورو وعملية الاندماج الأوروبي». وأعربت عن استعداد بكين للعمل مع المجتمع الدولي لحماية استقرار سوق المال الدولية والمساهمة في تعافي الاقتصاد العالمي ونموه. كذلك أشارت إلى استعداد الصين لتحفيز التعاون مع الاتحاد الأوروبي وتوسيع التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والمال.
وبالنسبة إلى تأجيل قمة الصين ــ الاتحاد الأوروبي، أوضحت جيانغ أن بلادها تتفهم طلب أوروبا تأجيل الاجتماع، لافتة إلى أن الجانبين سيحافظان على التواصل بينهما ويحددان موعداً آخر للقمة. بدوره، رحب الرئيس الاميركي باراك اوباما أيضاً بالقرارات «الهامة» التي اتخذها الاتحاد الاوروبي في قمته من ناحية إلغاء 100 مليار يورو من ديون اليونان، وتعزيز صندوق لدعم الاستقرار المالي لبلدان اليورو.
(يو بي آي، أ ف ب)