بدأ رئيس «الموساد» الإسرائيلي السابق، مائير داغان، وفي أعقابه عدد آخر من كبار المعلقين الإسرائيليين، بتغذية الإشارات الدالة على وجود سجال داخلي بشأن توجيه ضربة إسرائيلية إلى إيران، وإن بمعرض الاستنكار والرفض «لما يجري صوغه وإعداده» من الثنائي، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه، إيهود باراك. «كشف» داغان، والمعلقون في أعقابه، أن نتنياهو وباراك، يدفعان باتجاه توجيه إسرائيل إلى القيام بضربة عسكرية لإيران، إلا أنهما يواجهان معارضة صلبة من المؤسسة الأمنية وعدد غير قليل من القادة السياسيين، الأمر «الذي حال حتى الآن دون مغامرة من هذا النوع». نتنياهو نفسه، وباراك، بالأمس، تحدثا بعد صمت طويل، وغذيا السجال القائم، بتأكيدهما أن «كل الخيارات موجودة على الطاولة»، رغم تأكيد باراك أن أي قرار «لا يمكنهما أن يتفردا بصنعه».

وكانت وسائل الإعلام الإسرائيلية قد ازدحمت أخيراً بالتعليقات والتحذيرات من «ضربة» عسكرية لإيران، التي أكدت من جديد ثنائية نتنياهو ـــــ باراك، المؤيدة للضربة، مع التشديد على وجود معارضة لها في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. مع ذلك، لجهة الدلالات، تعد زيارة وزير الدفاع الأميركي، ليون بانيتا، الأخيرة لتل أبيب، أهم الإشارات الدالة، وهي تتقاطع في مضمونها، رغم انفصالها زمنياً، مع مضمون زيارات أميركية حصلت في الماضي، لرئيس أركان الجيوش الأميركية السابق، مايكل مولن، ووزير الدفاع السابق روبرت غيتس، اللذين حذّرا مراراً من تفرد إسرائيل بشنّ هجوم عسكري على المنشآت النووية الإيرانية، «لما له من تداعيات استراتيجية على المصالح الأميركية في المنطقة». في حينه، حذر غيتس من «محدودية النتائج»، إذ إن أقصى ما يمكن تحقيقه، ودائماً بحسب غيتس، هو تأخير المشروع النووي الإيراني لسنتين إلى ثلاث سنوات، لا أكثر، بينما شدد بانيتا، لمضيفيه الإسرائيليين، على أن «الإدارة الأميركية تعارض أي هجوم إسرائيلي على إيران»، مشدداً على أن «العملية العسكرية الإسرائيلية ضد المنشآت النووية الإيرانية، يجب أن تكون بالتنسيق الكامل مع المجتمع الدولي».
إذاً، التوجه الإسرائيلي الحالي، يريد الإيحاء بأن احتمال توجيه إسرائيل ضربة عسكرية إلى إيران، هو احتمال قائم وحي، وتجري دراسته والإعداد له، وتذليل العقبات القائمة أمامه. ويوحي ما ينشر أن الضربة لا تزال «مطروحة على الطاولة»، بل تجري دراستها، والتجاذب قائم بشأنها، بين إسرائيل مع نفسها، وبين الداعين إليها من الإسرائيليين قبالة الأميركيين، الذين يجهدون، للحؤول دونها. أي عملياً، جرت إعادة إحياء الحديث عن ضربة إسرائيلية لإيران، بأدوات إسرائيلية، وبمساهمة أميركية.
وقبل الحديث عن الدوافع، يجب الإشارة إلى أن تقارير «إعادة إحياء الضربة»، تحاول القفز بعيداً، عن عدة عناصر أساسية وهامة جداً، هي مستلزمات أي ضربة إسرائيلية عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، ومن أهمها الإجابة عن الأسئلة الآتية:
ماذا عن توافر استخبارات نوعية بشأن المواقع النووية الإيرانية؟ وماذا عن تشكيلات الدفاع عنها ومنظوماته؟ بل وماذا عن السؤال الإشكالي الذي يشغل الاستخبارات الإسرائيلية والغربية، عن فرضية وجود برنامج نووي إيراني سري، مغاير ومختلف للقائم حالياً؟
ماذا عن قدرة إسرائيل الفعلية على القيام بمهمة شاقة وصعبة، كضرب المنشآت النووية في إيران، البعيدة جداً، والمحصنة جداً، والمخندقة جداً تحت الأرض... مع ما ينطوي عليه ذلك من إمكان عدم تحقيق المهمة والنتائج؟
ماذا عن تقدير حجم الأضرار الفعلية ومستواها، التي يمكن أي هجوم إسرائيلي أن يحدثها في المنشآت النووية الإيرانية؟ وماذا عن الوقت المطلوب والممكن لإيران حتى تعيد من خلاله ترميم ما تفقده، علماً بأن التقدير الأميركي المتفائل يتحدث عن عامين إلى ثلاثة؟ وماذا عن مقارنة النتيجة، بالأثمان التي ستدفعها إسرائيل والولايات المتحدة، جراء الرد الإيراني؟
أيضاً في ميزان القدرة والنتائج والأثمان، ماذا عن تقدير الأضرار السياسية التي ستطال إسرائيل في أعقاب الهجوم؟ في المقابل، ماذا عن توظيف إيران المرتقب لأي ضربة تتلقاها منشآتها النووية، في ما يتعلق بإمكان استمرارها في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأيضاً بناء مشروعية دولية ستكون متاحة في أعقاب الضربة، للذهاب بعيداً في البرنامج النووي؟
التقديرات بشأن الرد الإيراني، لجهة حجمه وأضراره وكيفية مواجهته وتداعياته الإقليمية، هي بالفعل عنصر قائم وحاكم لأي قرار إسرائيلي ـــــ أميركي ضد إيران. تشتد أهمية هذا العامل وحضوره، أخذاً بالاعتبار أن التقدير الاستخباري لدى الغرب ولدى إسرائيل أيضاً، يشير إلى أن إيران لا تريد إنتاج أسلحة نووية وامتلاكها، بل أقصى ما تريده هو الوصول إلى حدود «دولة حافة» على المستوى النووي، الأمر الذي يعني ـــــ من ناحية عملية ـــــ أن لا خطر داهماً يستوجب الاندفاع والمسارعة للضربة، وخاصة في ظل فرضيات عمل بديلة قائمة، غير المقاربة العسكرية المباشرة، التي لا ضمان لتحقيقها النتائج المأمولة، وتستوجب تلقي أثمان غير قليلة في أقل الأحوال. وبحسب تقدير بعض الخبراء الإسرائيليين، قد لا تكون الدولة العبرية قادرة على احتمالها.
مع ذلك، في الأساس، يبقى موقف الإدارة الأميركية حيال الخيار العسكري الإسرائيلي، على فرض وجوده، العامل الأكثر تأثيراً وحسماً، بلا أي مجادلة. وكما هو معلوم، لا يسمح الواقع الأميركي في المنطقة وفي العالم، في هذه المرحلة، بأي مغامرة أو مقامرة من شأنها أن تؤثر سلباً على منظومات التوجهات الأميركية، وتدفع إلى مزيد من التراجع في المكانة الأميركية، أكثر مما هي عليه حالياً.
من الواضح أن لكل عنصر من العناصر المشار إليها، تفصيلاته وتحديداته، وقد يستلزم مزيداً من البحث والنقاش. لكن في ما يرتبط «بإحياء الضربة الإسرائيلية»، يمكن الاكتفاء بالإشارة إلى الحقيقة الآتية: ما توحيه، عن قصد أو غير قصد، التقارير الإسرائيلية، بأن العقدة القائمة الآن أمام شنّ إسرائيل للضربة، هو موقف المؤسسة الأمنية فقط، أو آراء بعض الشخصيات القيادية الإسرائيلية المعارضة لتوجه نتنياهو ـــــ باراك، أو توجه أميركي يدعو إلى التريث والتنسيق المسبق، ليس إلا ابتعاداً عن الواقع وتجاهلاً لمحددات مادية، تحول بالفعل دون الضربة. المسألة، كما جرى إيضاحها، أكثر تعقيداً وارتباطاً بعنصر فقدان القدرة المادية على شن الضربة، إضافة إلى عناصر أخرى غير إسرائيلية، إقليمية ودولية، تخشى تداعيات المغامرة، وتداعيات اليوم الذي يليها.
لكن ماذا عن الأسباب الدافعة في هذه المرحلة لإحياء الحديث عن الضربة؟ بلا كثير من المجادلة، الربط بين الضغوط المقدرة على إسرائيل نتيجة لاستحقاق ما (الدولة الفلسطينية مثلاً)، يمكن ـــــ بل ويتبين ـــــ أنها قادرة على تجاوزه، وبين الاندفاع نحو تنفيذ ضربة عسكرية لإيران، تعقبها تداعيات وأثمان كبيرة جداً على إسرائيل وعلى الأميركيين، هو ربط خاطئ وغير صحيح بالمطلق. لكن أن يجري الربط ما بين الحديث عن الضربة، لا تنفيذها فعلياً، مسألة قد تتوقع صحتها، وخاصة إذا كان للأميركيين مصلحة في تغذية هذا الحديث التهويلي، ربطاً باستحقاقات بينهم وبين الإيرانيين، في أكثر من موقع في المنطقة. أي أن التهويل بالضربة يختلف كثيراً عن تنفيذ الضربة نفسها. لكن في الوقت نفسه، يمكن الإشارة إلى أن هذا النوع من الدوافع، كتوجيه ضربات استراتيجية، من جهة طبيعتها ونتائجها المباشرة وتداعياتها، عادة ما يكون مرتبطاً بتوقيتها، فيما أصل الضربة له شروطه المتصلة بالقدرات والظروف السياسية الإقليمية والدولية.
لا يستبعد، بل ومن المرجح، في هذا المجال، أن يكون التصعيد والتهويل الإسرائيليان، مرتبطين في هذه المرحلة، بتقرير الوكالة الدولة للطاقة الذرية، المنوي إصداره قريباً، عن البرنامج النووي الإيراني، وخاصة أنهم يتوقعون في إسرائيل أن «يكشف التقرير عن الجهود السرية الإيرانية لتطوير السلاح النووي». وقد يكون التهويل رافعة وجزءاً من عمليات الضغط على الدول الكبرى، وتحديداً روسيا والصين، اللتين تقفان في وجه التطرف في فرض العقوبات على إيران. يتوقع الإسرائيليون، كما يبدو، أن يؤثر الحديث عن الضربة العسكرية على موقف الدولتين، ما من شأنه أن يسهل المهمة على الأميركيين، «لإقناع» بكين وموسكو، حيال فرض العقوبات. وهذه هي الفرضية الأكثر معقولية لتفسير ما يجري في إسرائيل في المرحلة الحالية حيال الضربة، قياساً بالقدرات الإسرائيلية نفسها.
في كل الأحوال، رغم التسريبات الإعلامية الإسرائيلية والموقف الأميركي (تصريح بانيتا)، يبقى السؤال الأساسي هو: إن توافرت قيادة عسكرية وأمنية توصي بشن هجوم عسكري على المنشآت النووية الإيرانية، فهل تملك القيادة السياسية الجرأة على اتخاذ قرار مصيري بهذا الحجم؟ التقارير الإسرائيلية تتحدث عن أن الجبهة الداخلية في إسرائيل غير جاهزة حتى الآن لمواجهة وتلقي الصليات الصاروخية التي قد يطلقها حزب الله على إسرائيل، فكيف بمواجهة حرب إقليمية، تشارك فيها إيران وحزب الله، وربما تمتد إلى سوريا؟ السؤال الإضافي الثاني، وهو ليس أقل أهمية من الأول: هل تستطيع إسرائيل اتخاذ قرار تترتب عليه تداعيات استراتيجية على المصالح الأميركية والغربية، بعيداً عن ضوء أخضر من البيت الأبيض؟
إن التهويل بالضربة مختلف تماماً عن تنفيذها.




قرار بيغن

يُلاحظ أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، مناحيم بيغن، اختار توقيتاً زمنياً وسياسياً يخدمه في التنافس السياسي الداخلي، لحظة اتخاذه القرار بتوجيه الضربة الجوية إلى المفاعل النووي في العراق، عام 1981. أمر بيغن بتنفيذ الضربة في مناسبة الذكرى السنوية الرابعة عشرة لحرب عام 1967، وقبل عدة أسابيع على الانتخابات العامة في إسرائيل. وبحسب التقارير الإسرائيلية، كان لهذه الضربة آثارها الإيجابية في الرأي العام الإسرائيلي، وأدت إلى ترجيح كفة حزب الليكود الذي ترأسه في حينه بيغن، وأدى بالفعل إلى فوزه في الانتخابات العامة. لكن القرار بأصل الضربة، يبقى مرتبطاً باعتبارات استراتيجية تتصل بامتلاك العراق للقدرة النووية، والظروف الإقليمية آنذاك، مثل الحرب الإيرانية العراقية ومسائل أخرى، وقبل كل ذلك، قدرة تل أبيب الفعلية على تنفيذ الضربة من ناحية مادية، وهي مسألة محل شك كبير جداً، في السياق الإيراني.