10 أعوام مرّت على دخول اليونان نادي اليورو، و30 عاماً على انضمامها إلى الوحدة الأوروبيّة. اليوم يتصدّر هذا البلد لائحة الفشل في القارة العجوز والنظام المالي العالمي، ويتصدّر أيضاً لائحة اهتمامات زعماء العالم المجتمعين في كان الفرنسيّة


صاعقة يونانية تسبق قمّة العشرين



فوضى حقيقية عاشتها أوروبا أمس، عشيّة قمة مجموعة العشرين (G20) التي تستضيفها فرنسا. فالمفاجأة التي فجّرتها الحكومة اليونانية بقرارها إجراء استفتاء (تصويت شعبي) على آخر خطط إنقاذ اقتصادها، وربّما منطقة اليورو برمّتها، لم تكن في الحسبان أبداً.
الخطر ينبع تحديداً من إمكان وصول هذا البلد المتوسّطي، الذي يحوي نحو 11 مليون نسمة، إلى حالة من عدم القدرة على السداد. وضعٌ يجرّ معه أوروبا وعملتها إلى مناطق مقلقة فعلاً، وخصوصاً أن لا موعد محدداً بعد لإجراء الاستفتاء. سيحدث التصويت على الأرجح، بحسب المراقبين، في كانون الأوّل المقبل، أو حتّى في كانون الثاني 2012.
سعت أثينا، فيما كان رئيس حكومتها يحضر اجتماعاً أوروبياً «طارئاً» في مدينة كان على الشاطئ اللازوردي، إلى تهدئة الأجواء واحتواء التكهّنات. فقد أكّد المتحدّث باسم الحكومة، أنجيلوس تولكاس، أنّ الاستفتاء «سيكون على خطّة الإنقاذ المالي» وليس على بقاء اليونان عضواً في منطقة اليورو أو إمكان تخليها عن العملة الأوروبية الموحدة، وفقاً لما نقلته وكالة «رويترز».
وإن كان الشعور الشعبي في اليونان يؤيّد البقاء في منطقة اليورو والحصول على دعم أوروبا، فإنّه لا أحد يُمكنه حسم ما ستكون عليه نتيجة الاستفتاء.
هذا القلق أدّى إلى ردّ فعل أوّلي حازم من جانب شركاء اليونان في عملية إنقاذها، بانتظار موقف واضح وصريح من رئيس حكومتها جورج باباندريو. فقد تناقلت تقارير إعلاميّة أنّ الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي لن يُفرجا عن شريحة بقيمة 8 مليارات يورو من برنامج مالي قيمته 110 مليارات يورو، بانتظار الدخان الأبيض، أو الأسود، من الاستفتاء المقرّر إجراؤه. وتلك الشريحة من البرنامج الذي أُقرّ في العام الماضي، ضرورية لكي تتجنّب اليونان عدم القدرة على سداد التزاماتها.
كذلك علت الأصوات الأوروبية المستاءة من سلوك الحكومة اليونانية. فقد شدّد رئيس الوزراء الفرنسي فرانسو فيون، في كلمة ألقاها في برلمان بلاده، على أنّه «لا يمكن أوروبا أن تنتظر أسابيع حتى تظهر نتيجة الاستفتاء. يتعين على اليونانيين أن يقرروا بسرعة وبنحو لا لبس فيه هل سيختارون البقاء في منطقة اليورو أو لا؟».
بغضّ النظر عمّا يدور في بال السياسيّين اليونانيّين بقرارهم/ الصدمة، إن كانوا بالفعل يريدون أن يُفلسوا ويُنهوا المسألة أو يكسبوا شعبياً فقط، فإنّ حكومتهم نجحت في إخماد الحماسة التي كان زعماء مجموعة العشرين يتمتّعون بها غداة التوصّل إلى اتفاق للحؤول دون تدهور الأوضاع في اليونان، رغم المشاكل التي تعتريه.
في الواقع، لم يتمتّع الاقتصاد اليوناني بطعم النموّ الصحي منذ عام 2008. وحتّى في ذلك العام توسّع بنسبة 1% فقط، فيما الاقتصاد اللبناني، على سبيل المقارنة، نما بنسبة 9.3%. فبالتزامن مع الأزمة المالية/ الاقتصادية العالمية وبعدها، دخل اقتصاد الجمهورية الهيلينية في حالة من الفوضى الفعليّة: ترهّل المالية العامة، ضعف الاقتصاد، إجراءات تقشّف، تراكم المديونيّة، معاناة اجتماعية وغضب شعبي.
لم يكن الاقتصاد اليوناني الذي يبلغ حجمه نحو 320 مليار دولار (8 أضعاف الاقتصاد اللبناني) الوحيد في القارّة العجوز الذي أصابته المرارة خلال السنوات الماضية؛ فالبرتغال وإسبانيا وحتّى إيطاليا، الاقتصاد الثالث في أوروبا، عانت ولا تزال. غير أنّ تراكم مشاكل الإدارة السيّئة، اقتصادياً وسياسياً، جعل معاناة مهد الحضارة الغربية أكبر بكثير (قبل وصول الاشتراكيّين إلى الحكم بوقت طويل، وبعد وصولهم). وللدلالة، تقلّص حجم اقتصاد هذا البلد بنسبة 4.4% في عام 2010، ويُتوقّع أن يعاني انكماشاً بنسبة 5% في العام الجاري، ولن يعود إلى النموّ الصحّي سوى في عام 2013، وبالتالي سيصل معدّل الدين العام إلى الناتج المحلّي الإجمالي إلى 186% (المعدّل في لبنان حالياً سيبلغ بنهاية العام الجاري 126%).
هكذا عاشت بلاد الإغريق، منذ منتصف عام 2010، على الإعانات الأوروبية والدولية لكي تتجنّب إفلاساً؛ أو بمعنى آخر لكي تتمكّن من تأمين مستحقّات ديونها. تلك الإعانات نتجت من اتفاقات بين الحكومة اليونانيّة من جهة والمجموعة الأوروبية بقيادة فرنسا وألمانيا وصندوق النقد الدولي من جهة أخرى. وتقضي الاتفاقات بالآتي: تحصل الحكومة اليونانية على الدعم شرط تطبيق برامج إصلاحية، بما فيها الخصخصة و«ترشيق القطاع العام والمالية العامّة».
مضت الأمور على هذا المنوال وإن بتلكّؤ، نظراً إلى الاعتبارات السياسية الداخلية لكلّ بلد أوروبي، وتحديداً ألمانيا، ولكن قرار الحكومة اليونانيّة، أوّل من أمس، إجراء استفتاء على الخطّة الأوروبية التي أُقرّت الأسبوع الماضي في إطار مسلسل الإنقاذ، خلط كلّ الأوراق. فعندما أعلن رئيس الوزراء اليوناني أنّه سيلجأ إلى قرار الشعب لتحديد ما إذا كانت البلاد ستتبنّى التوصيات التي جرى التوصّل إليها، كان لذلك وقع الصاعقة على الجميع. لماذا تقرّر اللجوء إلى استفتاء الآن ولم تُعلن نيّات هذا التوجّه خلال المحادثات الخاصّة باتفاق الإنقاذ؟ هل ترغب اليونان في الخروج من منطقة اليورو وإعادة عدد أعضائها إلى 16؟
تساؤلات كثيرة دفعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى استدعاء جورج باباندريو إلى «قمّة طارئة مصغّرة» عُقدت في وقت متأخّر أمس، واستمرّت المحادثات حتّى فجر اليوم، لتمثّل هذه المحادثات افتتاحاً لقمّة «G20». وهو آخر ما كان المضيف، نيكولا ساركوزي، يرغب فيه. فهو كان مطمئناً إلى أنّ الخطّة الأخيرة ستمضي وفقاً لما هو مقرّر. تقوم الخطّة على ثلاثة محاور: أوّلاً، خفض حجم مديونية اليونان عبر شطب المصارف نصف قيمة الديون المسجّلة على هذا البلد. ثانياً، إعادة رسملة بنوك أوروبا بحدود 146 مليار يورو لتحمّل الخسائر. ثالثاً، إنشاء «جدار حماية» عبارة عن أموال بقيمة تريليون يورو لحماية البلدان الأوروبية الأخرى من العدوى، وتحديداً إيطاليا.

مقامرة رئيس وزراء مضغوط



ليس مفهوماً لماذا قرّر رئيس الوزراء اليوناني الدعوة إلى استفتاء شعبي في شأن خطّة الإنقاذ الأوروبيّة. وليس مفهوماً أيضاً متى سيحصل هذا الاستفتاء! ضبابية هذا المشهد خطيرة جداً
يخشى زعماء العالم المجتمعون في باريس اليوم تأثير الدومينو المالي الذي قد ينشأ من إعلان رئيس حكومة اليونان، جورج باباندريو، إجراء استفتاء على الخطّة الأوروبية التي أُقرّت في 27 تشرين الثاني الماضي لتجنّب وصول البلد المتوسّطي إلى عدم القدرة على سداد مستحقّاته (Default). فعندما ترصد الأسواق المالية عدم يقين أو مخاطر، تعاقب الجميع حفاظاً على هوامش الأرباح.
وحتّى وزير خارجيّة اليونان، ستافروس لامبرينيديس، الذي يُفترض أن يُعطي أجوبة دبلوماسيّة، لكنها واضحة في آن واحد، لا يشفي غليل المراقبين في شأن المسار الذي تُسير عليه الحكومة. «الاستفتاء سيحصل قريباً، ورئيس الوزراء كان يُفكّر بهذا الإجراء منذ فترة بهذا الخيار». بهذه البساطة أجاب أمس عن تساؤلات المحلّلين في حديث تلفزيوني أمس (CNN).
«لماذا لم يقل إنّه يريد اللجوء إلى استفتاء عشية القمة الأوروبية، أو بعدها مباشرة؟»، يُعلّق المستشار المصرفي اليوناني، الخبير الاقتصادي، هاري كزينوجينيس في حديث لـ«الأخبار». «ما فعله لم يفاجئ فقط معارضيه، بل حتّى أناس من حزبه. قد يكون مضغوطاً، غير أنّ تصرّفاً كهذا غير مبرر إلا سياسياً».
أحد خيوط الأدلّة على هذا السلوك قد يكون تزامن إعلان استفتاء عشية انعقاد قمّة مجموعة العشرين (G20). فربّما تريد الحكومة اليونانية، التي دعمت رئيسها في قراره بعد اجتماع ماراتوني دام 7 ساعات، رفع مستوى التحدّي والأحداث الدراماتيكيّة أمام زعماء هذه المجموعة.
تفسير آخر يُرصد في رغبة رئيس الحكومة الاشتراكي في توطيد دعم سياسي داخلي بعدما أدّت تطوّرات السنوات الأخيرة إلى ارتفاع مستوى الاستياء من الحكومة التي طبّقت برامج تقشّف حادّة، من توجّهات الخصخصة إلى موجة طرد عارمة لموظّفي القطاع العام. وقد امتلأت شوارع أثينا بموجات اليونانيّين الغاضبين من توجّهات حكومتهم الاقتصادية، ويسألون لماذا يجب أن يُتّخذ قرار في شأن بلدان في عواصم أخرى. الأكيد أنّ جورج بابندريو الذي يبدو مقامراً أو مغامراً في هذه اللحظة، نجح في خلق بلبلة لزعماء أكبر اقتصادات العالم عموماً، وزعماء أوروبا تحديداً. وفي الوقت نفسه خلق بلبلة داخليّة. فالاستفتاء الذي دعا إليه «لا تُعرف نتيجته، وهذه الخطوة قد تؤدّي إلى مشاكل أكبر للشعب اليوناني» برأي هاري كزينوجينيس.
وتنسحب البلبلة أيضاً على الوضع السياسي الداخلي. فحكومة بباندريو تواجه تصويتاً على الثقة بها غداً نتيجة نقاشات برلمانية بدأت أمس. ووضع رئيس الوزراء لا يبدو جيداً، فحزبه يتمتّع فقط بأفضلية صوتين لتأمين الغالبية في مجلس النواب الذي يضمّ 300 عضو.

لم الخشية من إفلاس اليونان؟



تؤجّج الحلقة الأحدث من المصاعب التي تمرّ بها اليونان نيران الأزمة الأوروبيّة. فمباشرة بعد إعلان حكومة أثينا إجراء استفتاء على خطّة إنقاذها المالية، لذعت الأسواق المالية الاقتصاد الثالث أوروبياً، إيطاليا، برفع كلفة اقتراضها. وهنا تتحوّل المواضيع إلى مستوى أرفع من الخطورة.
فعلى سبيل المثال، الدين العام الإيطالي يفوق ألفي مليار دولار، فيما دين اليونان دون 400 مليار دولار. وهذا يعني أنّ كلفة إنقاذ بلاد الفاتيكان أكثر تعقيداً وكلفة، وتحتاج إلى موارد كثيرة لا يُمكن توفيرها حالياً.
وإذا استمرّت حال عدم اليقين السائدة في القارّة العجوز، فستبقى الأسواق المالية قلقة؛ ينعكس هذا الوضع تحديداً على المصارف، الأوروبية منها تحديداً، وخصوصاً تلك التي تُضطرّ إلى حسم بعض من سندات الدين اليونانية التي تحملها في إطار الخطة التي تبنّتها بروكسل. إجراء كهذا يدفع تلك المؤسسات إلى تمتين صلابة ميزانيّتها عبر قنوات أخرى، وبالتالي رفع معدّلات الفوائد؛ وهنا منبع القلق الاقتصادي عالمياً.
فزيادة الفوائد تعني ارتفاع أكلاف الاقتراض، وبالتالي ضعف النشاط الاقتصادي، وهو آخر ما تحتاج إليه أوروبا حالياً. فمنطقة اليورو تحديداً التي تضمّ 17 بلداً من أصل 27 بلداً في الاتحاد الأوروبي، ستسجّل في العام الجاري نمواً بنسبة 1.6% فقط، وستتراجع النسبة إلى 1.1% في العام المقبل. ومن شأن هذا الوضع أن يزيد معدّلات البطالة التي هي أساساً مرتفعة، وربّما الاضطرابات الاجتماعية. ففي منطقة اليورو يبلغ هذا المعدّل 9.9%، ويصل إلى مستوى قياسي في إسبانيا، 20.7%.
«تعاني أوروبا من تجدّد الهشاشة في السوق ومخاطر مرتفعة على نحو حاد في شأن الاستقرار المالي»، قال صندوق النقد الدولي أخيراً في تقريره عن أفق الاقتصاد العالمي. ومن شأن تلك الهشاشة أن تزداد إذا زادت صعوبات اليونان والبلدان زملائها في الباقة الأوروبية.
غير أنّ المصاعب التي قد تنتج من ترنّح اليورو في جو عدم اليقين هذا تبدو أكثر مدعاةً للقلق. قلق يبدأ من أوساط المستثمرين في الأسواق المالية من طوكيو إلى نيويورك، وصولاً إلى تصوّرات التجّار في البلدان النامية.
وفي الواقع تبدو العملة الأوروبية الموحّدة صامدة على نحو لافت، حتّى الآن بالحدّ الأدنى، فمعدّل سعر صرفها تجاه الدولار ارتفع إلى 1.37 أمس، بعدما هوت على نحو حاد في اليوم السابق. لكن لا أحد يُمكنه توقّع سلوك السوق.
هنا تُطرح أدوار البلدان الناشئة، تحديداً الصين والبرازيل، التي تردّد الكثير عن إمكان مشاركتها في إنقاذ أوروبا من محنتها. ولكن هنا أيضاً، المعطيات غير محسومة.