رغم أن أحداً في إسرائيل لم يفاجَأ بالمعطيات التي وردت في تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن وجود بُعد عسكري للمشروع النووي الإيراني، وجد كثيرون في التقرير أهمية كبرى، ليس بسبب مضمونه فحسب، بل أيضاً بسبب الجهة التي أصدرته، وعليه تعامل كثير من المعلقين مع التقرير باعتباره انتصاراً لموقف إسرائيل.

من هنا، يشير الميل السائد بين المعلقين الإسرائيليين، إلى أن الكرة انتقلت الان إلى ملعب المجتمع الدولي، بعدما وضع التقرير تحديّاً أمامه للتصدي للمشروع النووي الإيراني، في ظل تشكيك واسع في جدوى الإجراءات العقابية التي يمكن مجلس الأمن اتخاذها ضد إيران، الأمر الذي يترك الباب مفتوحاً أمام الخيار العسكري الإسرائيلي، الذي رُحِّل، على ما يعتقد كثيرون في إسرائيل، إلى ما بعد الربيع المقبل، افساحاً في المجال أمام الخيار الدبلوماسي الرامي إلى تجنيد المجتمع الدولي، بما فيها روسيا والصين، لمصلحة «عقوبات شالة» ضد إيران.
وفي موازاة الترحيب الإسرائيلي بمضمون التقرير، رأى الكثير من المعلقين في إسرائيل أن المعضلة النووية الإيرانية لا تزال مطروحة على طاولة المستوى السياسي الإسرائيلي، ولا سيما إذا فشل المجتمع الدولي في كبح المشروع النووي الإيراني، ذلك أنه سيقف عندها أمام اختبار الصدقية، داخل إسرائيل وخارجها، في كل ما يتعلق بالخيار العسكري ضد إيران.
وبناءً عليه، فإن السؤال الأكثر رواجاً في الصحف العبرية دار حول ما إذا كانت ستُتخذ الآن «عقوبات فتاكة» ضد إيران. ورغم أن الجواب إيجابي، بحسب المعلق السياسي في «معاريف»، عوفر شيلح، إلا أنها لن تكون كافية من وجهة النظر الإسرائيلية، إلا إذا تضمنت حظراً على البنك المركزي الإيراني، بحيث تشل كل معاملاته المالية الخارجية، إضافة إلى فرض عقوبات على صناعة النفط الإيرانية. ومع ذلك، أشار شيلح إلى أن غالبية الجمهور الإسرائيلي لا تعتقد بأن العقوبات ستنجح في وقف الإيرانيين. وتطرق إلى «نافذة الزمن الدبلوماسية»، فرأى أنها تتقرر وفقاً للظروف العملانية، واعتبر أن إمكان الهجوم الإسرائيلي تقلص إلى الحد الأدنى في أشهر الشتاء، على أن يتجدد السجال حول هذا الموضوع في الربيع المقبل.
في السياق ذاته، رأى المعلق العسكري في «هآرتس»، عاموس هرئيل، أن جديد تقرير الوكالة يكمن في الجهة التي صدر عنها أكثر من المضمون، معتبراً إياه انتصاراً للموقف الإسرائيلي، لكنه في الوقت ذاته انتصار مُحبط لإسرائيل ينبع من حقيقة أن «المسدس يُدخن، لكن من المشكوك فيه أن يطلق النار».
بدوره، توقف المحلل السياسي في «معاريف»، بن كسبيت، أمام مخاطر العقوبات الدولية على إيران، على الاقتصاد العالمي، ولا سيما أسعار النفط، وإمكان ارتداع الولايات المتحدة والدول الأوروبية عن هذه العقوبات نتيجة هذه المخاطر. وللخروج من هذه الإشكالية، يرى كسبيت أن الحل موجود عند السعودية، التي تؤيد بحماسة ضرب إيران، وذلك من خلال تعهدها زيادة انتاج النفط لتعويض النقص في النفط الإيراني.
وتطرق المحلل السياسي في «يديعوت أحرونوت»، ناحوم برنيع، إلى دلالات تقرير الوكالة الدولية، فرأى أنه «يضع حداً لعصر الغموض بالنسبة إلى البرنامج النووي الإيراني»، وأن التقرير يضع تحدياً غير بسيط أمام الإدارة الأميركية وحكومات باقي الأعضاء في حلف الأطلسي، ويلزمها بأن تتصدى للمسألة الإيرانية علناً. ويرى أيضاً أن التقرير يضع في موقع غير مريح حكومتي روسيا والصين، اللتين عرقلتا كل محاولة لجعل العقوبات فاعلة.
وبشأن السيناريوهات المتوقعة بعد صدور التقرير، قال المعلق العسكري في «يديعوت أحرونوت»، أليكس فيشمان، إنه يجب على المنطقة والعالم أن يستعدا لواحد من سيناريوهين: إما أن تنتهي القصة بخطوة عسكرية ما يؤدي الى تأخير المشروع النووي الإيراني؛ أو أن الإيرانيين ـــــ بإرادتهم الحرة ولأسباب يحتفظون بها لأنفسهم ـــــ سيوقفون مشروعهم النووي. وأضاف أنه إذا كان تقرير الوكالة يروي لنا ما عرفه العالم منذ قبل سنتين، فمسموح لنا بالافتراض أن الوضع اليوم أكثر خطورة مما سرب أمس. واذا كان أحد ما يسأل نفسه لماذا توجد عصبية كبيرة جداً في اسرائيل في المسألة الإيرانية، فلعله هنا يكمن الجواب.
وبناءً عليه، يرى فيشمان أنه اذا كان «الموساد» الإسرائيلي قد حدد لنفسه كهدف أعلى في الثماني سنوات الأخيرة وقف المشروع النووي الايراني، فإن بوسعه أن يسجل لنفسه إنجازاً جزئياً فقط، فهو أجّله فقط. وقال إن «من يصدق أن نشر التقرير سيغير صباح غد، على نحو جوهري، موقف الدول المركزية في العالم من النووي الإيراني، فإنه يعيش في الأوهام».
وتساءل معلق الشؤون العربية في «هآرتس»، تسفي برئيل، عما يمكن فعله إذا لم تُفرض عقوبات على إيران، محذراً من ان اسرائيل تقف بين نار الهجوم على ايران، الذي يعارضه المجتمع الدولي، ورمضاء عدم الهجوم الذي يعرض الثقة بها للخطر ولا يخرجها من هذه الورطة إلا أن يفرض المجتمع الدولي عقوبات على ايران.
وتطرق برئيل إلى «الصيغة الإسرائيلية للمعضلة» وهي: «اذا أثمر تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية وطوفان التقارير الصحافية عن نية اسرائيل مهاجمة ايران دفعة جديدة من العقوبات على طهران، فستضطر اسرائيل الى أن تبت أمرها: هل تكتفي بها أم عليها أن تهاجم مع كل ذلك؟».
لكن، في المقابل، اذا وجدت الأمم المتحدة صعوبة في أن تتخذ قراراً بفرض عقوبات جوهرية، بسبب معارضة روسيا والصين، فستواجه إسرائيل معضلة فظيعة، بحسب برئيل، لأنها اذا لم تهاجم إيران فستخسر الثقة بها تماماً، «لأنه كم مرة سيستطيع العالم بعد الاقتناع بتهديدات باطلة؟». واذا استقر رأيها على الهجوم بحجة أن المجتمع الدولي لا يفعل ما يكفي، فستجعل «المشكلة الإيرانية» مشكلة اسرائيلية، وهكذا ستمنح المجتمع الدولي إعفاءً من علاج ايران.
في السياق ذاته، شكك المعلق الأمني في «هآرتس»، يوسي ملمان، في صد إيران عن امتلاك القنبلة النووية «رغم أن التقرير الجديد يُجرم ايران تجريماً كاملاً، وهو مكتوب بلغة شديدة لم يوجد مثلها من قبل». ورأى أن طهران صادقة في قولها إن من يقف وراء التقرير هو الغرب، برئاسة الولايات المتحدة. وأضاف إن المعلومات جاءت من عشر دول، وإن الاستخبارات الإسرائيلية أسهمت بنصيبها في الأدلة.