إسطنبول | خطت تركيا الرسمية، قبل أيام، خطوة تاريخية غير مسبوقة لناحية التصالح مع تاريخها الجمهوري الممتلئ بالدم، فاعترفت بإحدى مجازر الأيام الأولى لولادة جمهورية مصطفى كمال، واعتذرت عنها على لسان رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان. الموضوع يتعلق بمجزرة «درسيم» التي اتخذت اسمها من المحافظة ذات الغالبية الكردية الواقعة شرق البلاد، والتي أصبح اسمها بعد المجزرة «تونجلي». وتنبع أهمية الاعتراف الرسمي بحصول المجزرة من عوامل عدّة تُضاف إلى كون هذا الاعتراف في حدّ ذاته هو سابقة في تاريخ الجمهورية؛ أولاً لأنها حصلت بحق الأكراد والعلويين معاً، لكون جزء كبير من أكراد تونجلي، أو درسيم، هم علويين. ثانياً لأنّ تقارير كثيرة تؤكّد أن مصطفى كمال «أتاتورك» متورّط شخصياً في المجزرة المذكورة التي حصلت عام 1937، والتي أودت بحياة أكثر من 13 ألف شخص بحسب الحصيلة الرسمية، بينما تؤكد مصادر الأكراد أن العدد الحقيقي للقتلى يزيد على 70 ألفاً، غالبيتهم أكراد وعلويون. ثالثاً لأنّ الاعتراف بالمجزرة يتعلق على نحو مباشر أو غير مباشر بالأرمن، وبالتالي فإنّ الاعتذار بالمجزرة قد يفتح ثغرة، وإن كانت ضيّقة، على احتمالات تحرُّك العقل التركي باتجاه إيجاد صيغة اعتذار أو اعتراف أو تعويض عن الإبادة الأرمنية لعام 1915.

وكعادته، عرف أردوغان كيف يقطف جهداً قام به غيره، وخصوصاً خصومه؛ فقد انطلق النقاش قبل أسبوعين بشأن مجزرة درسيم على لسان النائب حسين أيغون عن الحزب المعارض، حزب أتاتورك تحديداً، «الشعب الجمهوري»، عندما رأى أنّ «ما يُسمّى أحداث درسيم هو مجزرة حقيقية خطّطت لها سلطات الدولة وعلى رأسها مصطفى كمال». كلام جريء يصدر عن نائب من حزب مؤسِّس الجمهورية، أثار مثلما كان متوقعاً حملة شرسة ضده من زملائه، غير أنه نال دعم وتضامن مفكرين ومثقفين كانوا ينتظرون موقفاً مماثلاً من أيٍّ كان لإعادة فتح موضوع ضرورة اعتراف تركيا بالمجزرة والاعتذار عنها والعمل على إزالة آثارها سياسياً وقانونياً وإنسانياً. وأول المستفيدين من فتح السجال كان أردوغان مباشرةً، وذلك على صعيدين: أولاً اعتذر باسم الدولة عن المجزرة التي سمّاها كذلك. ثانياً، ركب على ظهر الاعتذار ليشنّ حملة على خصومه، أي «الشعب الجمهوري»، بما أنّ «المجزرة حصلت في عهد حكم الحزب الأوحد» (أي الحزب المذكور أعلاه)، وحثّ هذا الحزب على «مواجهة تاريخه».
ومجزرة درسيم حصلت في 1937 غداة إعلان تأسيس الجمهورية، وكان سببها قرار أكراد المنطقة حماية مواطنيهم الأرمن المستهدفين من قوات مصطفى كمال، مثلما فعلوا في عام 1915 في عهد الإبادة الأرمنية التي تصرّ الرواية الرسمية التركية على أن الأرمن تعاونوا مع الروس الذين كانوا يحتلون في ذلك الزمن الشق الشرقي لتركيا. غير أنّ الرواية غير الرسمية تؤكّد أن سكان درسيم لم يحموا المواطنين الأرمن فحسب، بل حاربوا الروس أيضاً لأنهم كانوا موعودين بنيل استقلال ذاتي. بغضّ النظر عن الاختلاف في الروايات، يشدّد كثيرون، كالبروفسور باسكين أوران، على أنّ أحداث الإبادة الأرمنية (1915) ومجزرة درسيم (1937) هدفتا إلى «تتريك» منطقة الأناضول بغية خلق مجتمع متجانس سكانياً وقومياً. ويفيد التاريخ بأنه بدءاً من عام 1935 بدأت السلطات ترغم عائلات كاملة من درسيم على مغادرة المنطقة. كذلك فإن اسم المنطقة تغيّر إلى «تونجلي». ووصل الأمر إلى قصف عنيف للمنطقة، حتى إنّ تقارير كثيرة تجزم بأنّ صبيحة غوكشن، الابنة بالتبنّي لمصطفى كمال، شاركت شخصياً كقائدة طائرة عسكرية في قصف درسيم، وهو ما دفع حكام أنقرة إلى إطلاق اسم صبيحة غوكشن على ثاني مطار في إسطنبول (الأول اسمه مطار أتاتورك). وكان الكاتب التركي ـــ الأرمني الشهير الذي اغتيل عام 2007، هرانت دينك، قد بدأ يتعرض لتهديدات منذ نشر مقالاً قال فيه إنّ صبيحة غوكشن جذورها أرمنية وخسرت عائلتها في إبادة عام 1915 فتبنّاها أتاتورك. وبعد مجزرة درسيم، درجت ظاهرة سلب فتيات المنطقة من ذويهنّ ليجري تبنّيهنّ في مناطق أخرى، وفق ما أثبته فيلم وثائقي بُثّ في الفترة الأخيرة.
وبعد اعتذار الدولة التركية ممثلةً بأردوغان عن المجزرة، كثرت ردود الفعل المتفائلة بالخطوة ـــ السابقة، لعلّها تكون قفزة تمهيدية لمصالحة تركيا مع تاريخها، وللاعتذار عن باقي المجازر المحسوبة على عهد الجمهورية؛ فقد رأت رئيسة نقابة محامي تونجلي (أو درسيم)، فاطمة كلسن، أن الاعتذار التركي «بداية إيجابية»، مشيرة في المقابل إلى ضرورة القيام بخطوات إضافية، كإعلان أسماء ضحايا المجزرة وتحديد عددهم الرسمي والبحث عن الأطفال الذين سُلبوا من ذويهم، إضافة إلى الحاجة لإنشاء لجنة تحقيق برلمانية في حيثيات المجزرة والعثور على المقابر الجماعية التي دُفن فيها ضحايا المجزرة. كذلك طالبت كلسن باعتذار البرلمان نيابة عن الدولة التركية، فضلاً عن إعادة اسم درسيم لمحافظة تونجلي. وأشارت إلى أنه إذا اتُّخذت هذه الخطوات، فإنّ الديموقراطية ستتعزّز في تركيا، و«ستمهَّد الطريق لإيجاد حلول سلمية لمشاكل أخرى تواجهها تركيا». كلام يحيل على عدد من الحقبات التركية السوداء التي لا تزال مطروحة أمام العقل التركي الشعبي والرسمي، كـ«إبادة» الأرمن مثلاً، إضافة إلى ضريبة الثروة التي فرضتها السلطات عام 1942 على الأتراك غير المسلمين وتجريدهم من أملاكهم، وإرغام 30 ألف يهودي على مهاجرة تركيا، أو الأحداث التي استهدفت يونانيّي إسطنبول عام 1955...
المتفائلون كثر، لكنّ المحذرين من الإفراط في التفاؤل أيضاً كثر؛ على سبيل المثال، يشير الباحث في العلوم الاجتماعية من جامعة بلجي، أيهان أكتر، إلى أنّ اعتراف تركيا بباقي حقباتها السوداء لن يحصل في المستقبل القريب، «من ضمنها حملات تهجير الأرمن وقتلهم. لكن ما رأيناه حتى الآن (من اعتذار عن مجزرة درسيم) هو بداية جيدة جداً».




«لن نستغرب الاعتراف بالإبادة»

رغم التعليقات الإيجابية الكثيرة التي أجمعت على أهمية الخطوة التي أقدم عليها رجب طيب أردوغان، بما هو يمثل الدولة التركية، بتقديم اعتذار رسمي عن مجزرة درسيم، ظهرت مفارقة لافتة حين استنكر الاعتذار زعيم حزب الشعب الجمهوري، ابن محافظة درسيم (أو تونجلي اليوم، وهنا تكمن المفارقة)، كمال كليتش دار أوغلو. فقد شنّ زعيم المعارضة التركية حملة شرسة على أردوغان وخطوته، عندما سأله «بماذا تنوي الانتقام بعد هذه الخطوة؟ هل تحاول استهداف أتاتورك؟ أنتَ تسعى إلى تدمير الجمهورية التركية. لا تحوّل (أحداث) درسيم إلى مادة للاستغلال السياسي». كلام وجهه كليتش دار أوغلو إلى أردوغان في كلمته إلى نواب حزبه، وأضاف في متنها أنّه «إذا واصل رئيس الحكومة سلوكه هذا، فيجب ألا نستغرب إذا طلب من الأمة التركية قريباً الموافقة على ادّعاءات الإبادة الأرمنية. فهو (أي أردوغان) يمتلك العقلية نفسها التي تمتلكها الجالية الأرمنية التي تعيش خارج أرمينيا (التي تصرّ على الاعتراف بالإبادة والاعتذار عنها)». كلام استفزّ أردوغان الذي جزم بأنه سيقف بقوة في وجه من يحاول وضع رئيس الحكومة في الموقع الذي يوضَع فيه أرمن الشتات.