تستعد تركيا للانضمام إلى النادي الأوروبي ــ العربي من ناحية فرض عقوبات اقتصادية على سوريا، على وقع عودة كلام مسؤوليها عن احتمالات عسكرية وإقامة منطقة عازلة. وقد طرأ موضوع جديد ليشكل مادة سجال بين العواصم المؤيدة للنظام السوري وتلك الساعية إلى إسقاطه، وهو تقرير لجنة التحقيق التي ألفها مجلس حقوق الانسان التابع للامم المتحدة حول سوريا، والذي خلص، أول من أمس، إلى أن «قوات الامن السورية ارتكبت مجازر ضد الانسانية». أما عربياً، فكان الأبرز التصعيد السعودي، بحيث حذت الرياض حذو كل من الدوحة والمنامة في تحذير مواطنيها من السفر إلى سوريا.

وقال وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو إن أنقرة مستعدة «لأي سيناريو إذا استمر القمع. أتمنى ألا يكون التدخل العسكري ضرورياً أبداً، وعلى النظام السوري أن يجد وسيلة للتصالح مع شعبه». وأثار داوود أوغلو احتمال إنشاء منطقة عازلة في سوريا في حال تدفُّق أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين، على غرار ما فعلته تركيا في شمال العراق خلال حرب الخليج الاولى عام 1991. وأوضح الوزير التركي أنه «إذا بدأ عشرات... مئات الآلاف من الناس يتقدمون نحو حدود العراق ولبنان وتركيا، فليس على تركيا وحدها بل على المجتمع الدولي أن يتخذ بعض الخطوات مثل اقامة منطقة عازلة. نحن لا نريد أن يحدث ذلك، لكن ينبغي لنا أن ندرس ونعمل على هذا السيناريو».

وفي السياق، أشار الرجل في مقابلة مع قناة «كانال 24» إلى أن الرئيس بشار الأسد «يرتكب نفس أخطاء (العقيد معمر) القذافي و(الرئيس العراقي الراحل) صدام حسين في القمع الذي لا يسفر سوى عن المزيد من المعارضة»، مجدِّداً في الوقت نفسه فسح المجال أمام دمشق لقبول المراقبين الدوليين الذين اقترحت الجامعة العربية إرسالهم إلى سوريا، رغم أنه «ليس هناك أي مجال لبقاء أي نظام يعذب شعبه» على حد تعبيره.
كذلك كشف الوزير التركي أن العقوبات التركية على سوريا «باتت جاهزة وستعلن قريباً» بعد لقائه بالرئيس التركي عبد الله غول ورئيس الوزراء رجب طيب أردوغان. وفيما لم يحدِّد داوود أوغلو نوعية هذه العقوبات، كشفت صحيفة «توداي زمان» المقربة من الحكومة التركية أنها ستأتي «خطوة تلو أخرى». وبحسب مصادر «توداي زمان»، فإنّ العقوبات التركية ستكون مختلفة عن تلك التي اتخذها وزراء الخارجية العرب يوم الأحد الماضي، إذ إن معاييرها ستكون عدم التسبب في أذى للاقتصاد التركي ولا للشعب السوري، بالتالي لن تتضمن عقوبات مائية ولا كهربائية مثلما حصل في تسعينيات القرن الماضي عندما كانت دمشق تستضيف زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان. ووفق الصحيفة نفسها، لن تقطع الرحلات الجوية والبرية بين سوريا وتركيا، بينما سيتم تشديد الحوالات المالية «على ألا يصار إلى تجميد الأموال المسجلة باسم السفارة السورية في تركيا». غير أن العقوبات ستتضمن، بحسب المصادر نفسها، تجميداً للحسابات المالية العائدة لحكوميين سوريين في المصرف التركي المركزي بدون انتظار صدور قرار عن الأمم المتحدة في هذا الصدد. وبالنسبة إلى الرحلات الجوية المدنية، فهي لن تُقطَع، غير أن عددها سيخفض تدريجاً. كما أن أنقرة ستحظر التبادل التجاري مع الحكومة السورية، مع منع الرموز المركزيين للنظام السوري من السفر إلى تركيا، «والحكومة التركية لا تزال تدرس الأسماء التي سيصار إلى منع سفرها إلى تركيا والترجيحات تفيد بأن يتم منع أفراد عائلة الرئيس السوري بشار الأسد حصراً».
وعن الموضوع نفسه، نقلت وكالة أنباء الأناضول الحكومية عن وزير النقل التركي بينالي يلدريم قوله إن الرحلات الجوية المدنية لن تتوقف مع سوريا، «لكن تركيا ستواصل فرض حظر للأسلحة على سوريا». وأكد أنه «لن تفرض قيود على الامداد بالكهرباء لأن هذا احتياج أساسي». ولفت يلدريم إلى أن أنقرة «ستعتمد العراق طريقاً تجارياً بديلاً من سوريا لعبور الشاحنات إذا تدهورت الأوضاع» في هذا البلد.
على صعيد آخر، أعلنت وكالة الانباء السعودية الرسمية أن وزارة الخارجية حضّت المواطنين على «مغادرة سوريا وعدم السفر اليها نظراً للاضطرابات».
أما روسيا، فقد رفض وزير خارجيتها سيرغي لافروف التوصية التي أصدرها تقرير لجنة التحقيق الأممية حول الأوضاع في سوريا، تحديداً لجهة فرض حظر سلاح على سوريا، قائلاً إن تحركاً مماثلاً ضد ليبيا أثبت أنه متحيّز وساعد المعارضين في اطاحة حكم القذافي. ونالت الجامعة العربية حصتها من انتقادات لافروف حين أشار إلى أن الوقت حان «للتوقف عن استخدام الإنذارات» للضغط على دمشق، مكرراً دعوة بلاده إلى الحوار بين الحكومة السورية والمعارضين الذين «يتحملون جزءاً من المسؤولية في إراقة الدماء». كما اقترح رئيس الدبلوماسية الروسية العمل لإيجاد تسوية سلمية للنزاع السوري على غرار ما حصل في اليمن. ولفت إلى أن «جميع الدول بما فيها تلك التي تطالب الآن باتخاذ اجراءات بحق سوريا، كان لها موقف مختلف تماماً حيال اليمن حيث استمرت المفاوضات حول خطة تسوية سلمية اقترحها مجلس التعاون الخليجي على مدى اشهر، وفي نهاية المطاف تمكّنت الاسرة الدولية من الحصول على توقيع هذه الخطة». وشدد على أن «من الضروري اعتماد مثل هذا النهج بالنسبة إلى المشكلة السورية لأن الانذارات التي تلجأ إليها بعض الدول وعلى الاخص الجامعة العربية لا تحل المشكلة».
وردّاً على سؤال حول التقرير الدولي، الذي رأى أن قوات الامن والجيش السورية ارتكبت «جرائم ضد الانسانية»، وطالب بفرض حظر أسلحة على سوريا، رأى لافروف أنه «لا يمثل الرأي الرسمي للأمم المتحدة»، وهو ما لمّحت الصين إليه أيضاً عندما وجدت ضرورة في أن تقوم المنظمات الدولية، «تحديداً مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بدور بنّاء في تهدئة الأوضاع في سوريا».
إلى ذلك، كانت التطورات الميدانية موضع تناقض بين مصادر المعارضة وإعلام النظام. ففيما أوضحت «لجان التنسيق المحلية» أن 11 قتيلاً سقطوا أمس برصاص الأمن السوري معظمهم في ريف دمشق، أكدت وكالة الانباء السورية الرسمية «سانا» أن 14 جندياً تم تشييعهم في حمص وريف دمشق، مع اعتراف «المرصد السوري لحقوق الإنسان» بأن 3 من عناصر الأمن السوري قُتلوا واختُطف اثنان آخران.