يتعرض محور المقاومة لهجمة جديدة، رباعية الأبعاد، تُستخدم فيها كل أنواع القوة، الناعمة منها والخشنة. صحيح أنها هجمات قد تبدو للوهلة الاولى معزولة عن بعضها بعضا، لكنها معا تؤدي دوراً وظيفياً واحداً: تحقيق ما عجزت القوى الغربية عن انجازه خلال العقود الماضية. المؤسف في ما يجري، أن الهجمات تلك بدأت تجد لها صدى في بعض أوساط محور المقاومة.


البعد الأول من الحملة الجديدة ظاهر للعيان:
١) تسعير للعدوان على اليمن، حيث ألقى التحالف السعودي الإماراتي الأميركي بكل ثقله، للقضاء على أي موطئ قدم لمحور المقاومة في هذا البلد، عبر العمل على القضاء على الحوثيين، أو بالحد الأقصى إعادتهم الى صعدة ومحاصرتهم فيها.
٢) العمل على ضرب النفوذ الإيراني في العراق، السياسي منه عبر تنفيذ انقلاب داخل البيت الشيعي بالتواطؤ مع النخب التقليدية (أو ما يعرف بالاقطاع الديني)، والعسكري عبر العمل على محاصرة الحشد الشعبي وتطويقه وتحجيم قوته، وطبعاً منعه من ترجمتها سياسياً في الداخل العراقي.
٣) العمل، مجددا وبعد اربع سنوات من الحرب المدمرة، على فك التحالف السوري مع إيران، بالتهديد حيناً، عبر التلويح بخيارات عسكرية، من نوع منطقة آمنة في الشمال، وفي الوقت نفسه، عبر قنوات تفاوضية تغري دمشق بمصالحة واعمار.
٤) العمل على عزل المقاومة في لبنان، عبر محاولة القضاء على حليفها الرئيسي المتمثل بالعماد ميشال عون.
٥) العمل على عرقلة أي امكانية لتقارب مصري مع إيران، عبر ضغوط خليجية تستغل الوضع الاقتصادي المصري المتردي، وتسعير للحملات على الشيعة في أرض الكنانة.
البعد الثاني، عبر حملة اعلامية وسياسية تستهدف الترويج لمقولة إن الجمهورية الإسلامية، بعد التفاهم النووي مع الولايات المتحدة، قد غيرت تموضعها الجيواستراتيجي، وأنها تخلت عن حلفائها لمصلحة تسويات تسعى إلى ابرامها مع الغرب، من أجل تقاسم النفوذ في المنطقة. حملة مزدوجة الأهداف، تحتاج إليها إدارة باراك أوباما على مستوى الداخل الأميركي لإقناع الرأي العام بأنها أصابت في ابرام اتفاق فيينا مع طهران، والكونغرس بالموافقة عليه. وهي تبني على تطورات، يفترض أنها طبيعية، كدليل على صحة ما تقول. كأن توحي مثلاً:
أ) بأن تراجع الحوثيين في اليمن مرده الى تخلي إيران عن حلفائها، متجاهلة أن انتكاسة عسكرية من هذا النوع، بعد أشهر من العدوان الوحشي، وفي مقابل هذا الحشد العسكري والمعلوماتي، يفترض أن تكون أمراً عادياً يمكن أن يحصل في أي صراع مسلح.
ب) بأن المراوحة العسكرية للحشد الشعبي في الأنبار العراقية، نتيجة لرفع الدعم الإيراني، لا لظروف ميدانية ولوجستية ومذهبية.
ج) بأن مواقف حزب الله من حراك العماد عون، رفعا للغطاء عن الحليف، لا إدارة منسقة للصراع لم تصل الى الحد الذي يستوجب نزول الحزب الى الشارع، الى جانب التيار الوطني.
د) بأن مفاوضات ايران عبر تركيا مع التكفيريين في سوريا، هي تعبير عن تغول ايراني في الميدان السوري على حساب النظام، لا مسعى انساني لانقاذ عشرات الآلاف المهددين بالابادة الجماعية في كفريا والفوعة.
ه) بأن جهود التهدئة بين «حماس» وإسرائيل نتيجة لوقف إيران دعمها المالي والعسكري عن المقاومة الفلسطينية، لا لقرار من الحركة، أو على الأقل تيار منها، يقضي بتغيير نهجها لحسابات يختلط فيها الداخلي بالخارجي. هذا الدعم الذي يعرف الجميع أنه لم ينقطع ولو لحظة، حتى في أوج الأزمات التي مرت بها الجمهورية الإسلامية.
البعد الثالث، ضرب جوهر فكرة المقاومة عن طريق التهدئة المشؤومة السالفة الذكر. تفاهم يقايض اعادة اعمار غزة ورفع الحصار عنها، بترتيبات أمنية تتحول فيه الحركة الإسلامية إلى حارس للحدود مع فلسطين المحتلة. وكأن المقصود القول إن مسار أوسلو (العملية السلمية القائمة على مبدأ المفاوضات) فشل في استعادة الحقوق الفلسطينية. كذلك فشل خيار المقاومة في تحقيق هذا الهدف، بدليل أن انتصار المقاومة الفلسطينية على إسرائيل عام 2014 لم ينتج منه سوى المزيد من المآسي لأهل غزة. وبناءً عليه، ما من خيار سوى قبول الاحتلال والتفاهم معه على صيغة تقايض فيه المقاومة رغيف الخبز بأمن الكيان العبري.
أما البعد الرابع، فطرح التقسيم باعتباره خيار الضرورة والمخرج الوحيد لأزمات المنطقة. منطق الإدارة الأميركية واضح المعالم، سواء في سوريا أو في العراق:
1) محاولة اسقاط الرئيس بشار الأسد فشلت. التسليم بقيادته لسوريا كاملة غير ممكن. محاولات تأمين بديل سني عن «داعش» قادر على فرض توازن قوى لم تنجح بعد، ودونها الكثير من العقبات، ما يجعل إنهاء خدمات «داعش» ونظرائها من الحركات التكفيرية أمراً متعذراً. انعدام الخيارات يعزز فرص العمل على الحفاظ على الوضع القائم، بانتظار شرعنته عبر... التقسيم.
2) أما في العراق، فالمطلوب اسقاط النظام الحالي الموالي لإيران، بحسب الحسابات الأميركية. جهود اسقاطه عبر «داعش» فشلت. اليوم يجري تكرار المحاولة عن طريق توظيف حراك الشارع الشيعي، ومعه يجري الاستعداد لمعركة تحرير الموصل، بقوات أميركية مقاتلة تجاوز عديدها الألف خلال الأيام الماضية على مشارف تلك المدينة، بدعم من قوات سنيّة جرى تدريبها على أيدي الأميركيين، تجاوز عديدها العشرة آلاف. والرسالة جليّة، وقد عبر عنها أكثر من مسؤول أميركي: إما تغيير الاتجاه أو... التقسيم.
هجمة رباعية الأبعاد جرى تحديد الموقف منها منذ اليوم الأول، وعلى لسان أرفع شخصية في محور المقاومة. أمر عمليات يمكن تلمس معالمه في الخطابات الأخيرة للمرشد علي خامنئي. كان حريصاً على وضع النقاط على الحروف بعبارات لا تقبل أي التباس: الأميركيون قالوا إن إيران ستستسلم، وهذا حلم لن تراه أميركا إلا في النوم... السياسات الأميركية في المنطقة تختلف عن سياسات الجمهورية الإسلامية بنسبة 180 درجة... لن نتخلی عن دعم أصدقائنا... الشعب الفلسطيني المظلوم، واليمن والحكومة والشعب في سوريا والعراق، والشعب البحريني المظلوم، والمجاهدون الصادقون في لبنان وفلسطين، سيحظون بدعمنا علی الدوام... يسعون لتقسيم دول المنطقة وتأسيس دويلات صغيرة وعميلة، ولكن لن يحدث هذا الأمر... التكفيريون في العراق حالة عابرة...
من يعرف إيران جيداً، ويحسن القراءة بين السطور، فلا بد أن يحبس أنفاسه. المنطقة على كف عفريت. الله يستر.