لم تلبث وكالة «أسوشييتد برس» أن نشرت تقريراً عن الاتفاق السري بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإيران، حتى تمسّكت به وسائل الإعلام العالمية وتناقلته، بناءً على الصدقية المعروفة لدى وكالة الأنباء الأميركية، وانطلاقاً من فكرة أنه يستند إلى «وثيقة» شكلت في مضمونها مادة ذات أبعاد إعلامية دسمة وفرصة مناسبة لخدمة أغراض سياسية معينة.


«الاتفاق الثاني المنفصل» (Separate arrangement II) تحوّل بعد دقائق من «تسريبه»، عبر «أسوشييتد برس» إلى سلاح بيد المعارضين للاتفاق النووي بين إيران ومجموعة «5+1»، فراحوا يروّجون أن «إيران تقوم بتفتيش إيران»، ذلك أنه تضمن بنوداً تنص على أن الخبراء الإيرانيين يقومون بأخذ العينات من منشأة «بارشين» العسكرية ومحيطها (صور، فيديوهات، عيّنات من التراب...) ثمّ يسلّمونها لمسؤولين في الوكالة الذرية لدراستها. لم ينتهِ الأمر عند هذا الحد، ما نشرته وكالة الأنباء الأميركية، جعلها عرضة للنقد ووضع صدقيتها في موضع شك. هي لم تواجه غضب مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية يوكيا أمانو ونفي الأطراف الموقّعة على الاتفاق السري، فحسب، ولكن أيضاً انتقادات وتفنيد وسائل إعلامية ارتأت انتهاج «اليقظة»، قبل نقل الخبر أو بعده، وخبراء سابقين في الوكالة الذرية، تفحّصوا المستند وطريقة نشر الخبر، ليتوصلوا إلى أن «أسوشييتد برس» بدت كأنها قد تعرّضت للتلاعب ثم عمدت، بدورها، إلى التلاعب بالخبر.


بعد دقائق على نشره
تحوّل الخبر إلى سلاح بيد معارضي الاتفاق النووي

برزت التساؤلات بعدما قامت «أسوشييتد برس» بحذف مقاطع أساسية من النص، وفق الكاتبين في موقع «هافنغتون بوست» جيسيكا شولبورغ وسام ستاين. بعد ساعات على نشر الرواية، كتب الخبير في مجال عدم انتشار الأسلحة النووية جيفري لويس على موقع «تويتر»، أن «أسوشييتد برس» حذفت مقاطع مختلفة «تتضمن أكثر الادعاءات إدانة بشأن كيفية القيام بتفتيش موقع بارشين». النسخة التي جرت مراجعتها، أُلغيت منها مقاطع تشير إلى أن مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية سيراقبون الخبراء الإيرانيين، أثناء قيامهم بجمع العينات والصور من بارشين، بينما أُبقي على أجزاء أخرى من التقرير تفيد بأنّ مسؤولي الوكالة الدولية سيُمنعون من الدخول إلى المنشأة.
«هافنغتون بوست» نقل عن مسؤول العلاقات الإعلامية في «اسوشييتد برس» بول كولفورد، قوله إن وكالة الأنباء «لم تراجع» القصة. وأضاف أن هذا النص هو في خانة القصص الخبرية، وفي هذه الحالة «تجري إزالة بعض التفاصيل لفسح المجال أمام ردود فعل المشرّعين (خصوصاً الجمهوريين) في واشنطن». مساعدة مدير مكتب «أسوشييتد برس» في واشنطن ويندي بنجامسون رددت السبب ذاته، عبر موقع «تويتر»، قائلة إنه جرى اقتطاع أجزاء من القصة من أجل المساحة.
عند الساعة العاشرة صباحاً من يوم الخميس، أعادت وكالة الأنباء نشر القصة كاملة، ولكن من دون إضافة أي تصحيح أو شرح لسبب التغييرات في النص، الأمر الذي أثار حفيظة مراقبين اعتبروه نابعاً من عدم مهنية.
وفي الوقت الذي حافظ فيه المسؤولون المطلعون على خطة الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتفتيش بارشين على صمتهم بشأن محتواها من أجل الحفاظ على شرط السرية المرتبط بها، قام الخبراء في مجال مراقبة الأسلحة بالتعبير عن شكوكهم العميقة برواية «أسوشييتد برس»، مؤكدين أنّ من غير الممكن أن تقوم الوكالة الذرية، بكل بساطة، بتوقيع اتفاق لا يكون لها فيه وجود حسّي في المنشأة.
الرئيس السابق لقسم التحقق وتنسيق سياسات الأمن في الوكالة الذرية طارق رؤوف، الذي يشغل حالياً منصب رئيس برنامج نزع الأسلحة ومنع الانتشار السلاح النووي في معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام، نشر المستند الذي اعتمدت عليه «أسوشيتد برس»، والذي يعد بحسب ما أفادت نقلاً عن أحد المطّلعين «مسودة قريبة من النسخة النهائية». قام رؤوف بتفنيد ما تضمنته الوثيقة وتوقف عند مختلف النقاط والثُّغَر. على سبيل المثال، أشار إلى أن الوثيقة تذكر إيران على أنها «الدولة الإسلامية»، بينما تسمي إيران نفسها في الوثائق الرسمية «الجمهورية الإسلامية». ثغرة أخرى في النص تحدث عنها رؤوف وهي أنه، وفق النصوص الرسمية والاتفاقات الموقعة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، عادة ما يوضع اسم الوكالة يليه اسم الطرف الآخر، إلا إن المستند المذكور تضمّن العكس.
رؤوف تحدث عن ثُغَر تقنية «فادحة» وردت في «الوثيقة»، انطلاقاً من المعايير التي تعتمدها الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مختلف النصوص الرسمية والاتفاقات مع الدول. مثال على ذلك، مصادر العيّنات التي تحددها الوكالة بستة، بينما نصت الوثيقة الموقعة بين إيران والوكالة الذرية على سبعة، وهو ما وصفه رؤوف بالـ«أرقام العشوائية».
إضافة إلى الكلمات التقنية المخالفة للمقاييس المتبعة من قبل الوكالة الذرية، أشار الخبير الدولي السابق إلى البند الخامس في الوثيقة الذي نص على أنه بعد الانتهاء من إجراءات التحقق (صور، فيديوهات، عيّنات من التربة المحيطة بموقع بارشين...)، يقوم المدير العام الوكالة بزيارة علنية إلى إيران ــ على سبيل المجاملة من قبل طهران ــ على أن يحل ضيف شرف لدى الحكومة الإيرانية. في هذا المجال، ذكر رؤوف أنه «ليس من المنطقي والعقلاني أن يتضمن الاتفاق مقطعاً كهذا، فلا يوجد أي سبب ليقوم المدير العام للوكالة الدولية بزيارة علنية إلى إيران، هو ليس سائحاً وعادة يقوم بزيارات من أجل أسباب رسمية وتقنية».
رؤوف تطرّق، أيضاً، إلى الألقاب «غير الصحيحة» التي تضمنها التقرير، مثل الإشارة إلى نائب المدير العام لشؤون الضمانات، موضحاً أن اللقب الحقيقي هو نائب المدير العام، رئيس قسم الضمانات.
تُختتم الوثيقة بذكر اسم ممثل الجانب الإيراني في الاتفاق، وهو «نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي للشؤون الاستراتيجية علي حسني طاش». ردّ طارق رؤوف على هذه النقطة، واصفاً إياها بـ«السابقة»، ذلك أنه «في الماضي، كانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية توقّع اتفاقات مع رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية ومع مسؤولين كباراً في وزارة الخارجية»، فـ«هذه هي نقاط التواصل مع إيران التي حددتها الوكالة الذرية، وهي لا تتضمن المجلس الأعلى للأمن القومي».
اختتم رؤوف تفنيده قائلاً: «برأيي إن هذه الوثيقة ليست أصلية... إنها لا تنتهج معايير اللغة المستخدمة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، خلال تحضير نصوص رسمية واتفاقات مع الدول». وانطلاقاً من فكرة أنها «محاولة فجة لعرقلة خطة العمل المشتركة وخريطة الطريق»، توصل الخبير الدولي السابق إلى خلاصة مفادها أنّ «من المحتمل أن يكون مصدرها مشابهاً لمصدر المستندات التي استُند إليها للترويج للحرب على العراق والتي تضمن أحدها معلومات عن أن الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين كان يعمل للحصول على 500 طن من اليورانيوم في العام من النيجر».
الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش ذكر هذه «الاكتشافات» في خطابه عن حال الاتحاد، عام 2003، هو قال حينها إنها دلائل على أن «صدام حسين كان يعمل على تطوير أسلحة نووية».