في «القصر الأبيض» الذي يفوق مساحة كلٍّ من البيت الأبيض والكرملين، احتفى رجب طيب أردوغان قبل أسبوع بإتمام عامه الأول رئيساً للجمهورية التركية. طوى سنةً مليئة بالمفاجآت غير السارة بمعظمها، تضمنت تحولات مهمة في مسيرته. تثبيت السطوة على مفاصل الدولة وإرساء حكم بوليسي، تزامناً مع خسارة برلمانية مدوّية، أدخلت مفاعيلها البلاد في حربٍ ذكّرت الأتراك بعقود خلت. كل ذلك يجعل أردوغان يقف اليوم أمام استحقاقات عدة، ستحدد مستقبلاً سياسياً لم يعد «مضموناً» مثلما كان سابقاً.


بارانويا مدمرة

رغم الكاريزما والشعبية اللتين يتمتع بهما، يمكن القول إن أردوغان يمرّ حالياً في مرحلة مفصلية من تاريخه السياسي. عاش الرجل مدة طويلة بين جدران «نظرية المؤامرة»، مستعدياً الداخل والخارج. سيطر على الجيش وأجهزة الأمن والقضاء والإعلام، بالتزامن مع شنّه حملات اعتقال لم تتوقف منذ نحو سنتين، على خلفيات متعددة.
استحقت سياسات أردوغان في السنوات الأخيرة وسمها بالخوف والارتياب الزائدين، حتى حذرت بعض الصحف الغربية تركيا في وقتٍ سابق، ومنها صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، من الانزلاق في «البارانويا المدمرة».
وصل أردوغان إلى سدة الرئاسة بعدما نفض عنه غبار فضيحة الفساد التي طاولته مع أفراد عائلته ووزراء مقربين منه عام 2013. عمل على اجتثاث «الكيان الموازي» (جماعة الداعية الإسلامي فتح الله غولن) الذين اتهمهم بتدبير الفضيحة، من أجهزة الدولة ومؤسساتها بحجة «التخطيط لانقلاب على نظام الحكم» هو الذي لم يكن قد شفي بعد من قضية «أرغينكون».
«عليكم أن تعلموا أنني سأكون رئيساً مختلفاً»، قال أردوغان في حملته الانتخابية الصيف الماضي، أي أنه لن يكون مثل عبدالله غول أو الرؤساء الذين عُرفوا بحيادهم، ملتزمين صلاحيات المنصب. أعطى الاتراك علماً منذ البداية، بأنه سيكون «رئيساً بصلاحيات واسعة». تدخل في شؤون الدولة، متصرفاً في معظم الاحيان كزعيمٍ لحزب «العدالة والتنمية» لا كرئيس دولة، وهو ما تجلّى في قيادته للحملة الانتخابية البرلمانية، حين قاد مسيرات لحثّ الناخبين على انتخاب مرشحي الحزب، الأمر الذي يحظره الدستور على رئيس الجمهورية. ولعلّ ذروة خرق الدستور، كانت بترؤسه اجتماعات مجلس الوزراء غير مرة، في سابقةٍ تركية.
في هذا الوقت، طاولت أردوغان اتهامات بمساعٍ لتشكيل «حكومة ظل»، حين سعى إلى استحداث المزيد من الإدارات في وزارات الدفاع والخارجية والاقتصاد والطاقة، بالإضافة إلى الأمن الداخلي، تأتمر بإمرته. وبعد سلسلة التعديلات التي أجراها على المؤسسة العسكرية، لكي «يقص أجنحتها»، مخافة تكرار تجارب انقلابية سابقة، مضى أردوغان باسطاً سلطته على أجهزة الأمن والقضاء والإعلام. وفيما تصل سطوة أردوغان إلى تعيين رؤساء الجامعات، وفقاً لحسابات سياسية خاصة، تتهمه المعارضة بـ«تدمير» القضاء، عبر هجومه الممنهج على المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين، فضلاً عن خلافه الحاد مع رئيس المحكمة الدستورية هاشم قليج.
في الإعلام، وبعد حملة الاعتقالات الواسعة التي طاولت صحافيين وموظفين في وسائل إعلام بتهمة الانتماء إلى جماعة غولن، منهم رئيس مجموعة «سمانيولو»، هدايت كراجا، مضى أردوغان في نهج تكميم الأفواه. آخر «ضحية» لهيمنته على وسائل الإعلام كان قدري غورسيل، محرر في صحيفة «ميلييت» التركية، الذي طردته الصحيفة لاتهامه أردوغان عبر موقع تويتر بـ«دعم تنظيم داعش». وكان أردوغان قد تقدم في أيار الماضي بشكوى قضائية ضد صحيفة «جمهورييت»، لنشرها صور قذائف هاون مخبأة في شاحنة أدوية مؤجرة لمنظمة إنسانية، على الحدود مع سوريا سابقاً.

مستقبل غامض

بين ليلةٍ وضحاها، دخلت تركيا حرباً أغرقت أجزاءً واسعة منها في حمام دم حقيقي. تخلّى أردوغان عن «عملية السلام» مع الأكراد، في محاولةٍ أخيرة لانتزاع ما فقده سياسياً وشعبياً، آخذاً تركيا إلى انتخابات مبكرة التي تحددت في الأول من تشرين الثاني المقبل، بأي ثمن.
يصبّ أردوغان جهده حالياً على القاعدة الشعبية لحزب «الحركة القومية» بغرض استقطاب أكبر عدد من الناخبين القوميين، بعدما حاول تقديم أوراق اعتماده لهم، عبر الحملة العسكرية والسياسية التي يشنها على الأكراد. وتشير بعض المعطيات ووسائل الإعلام التركية، إلى اتجاهه حالياً إلى حظر حزب «الشعوب الديموقراطي»، ليضع بذلك حدّاً لقوة الحزب الذي تمكن بسبب دخوله إلى البرلمان بثمانين مقعداً، من حرمانه الغالبية. «الحركة القومية» وصف المشاورات الحكومية بـ«المسرحية التي ألفها أردوغان»، حيث بذل الرئيس ما بوسعه لإفشال تأليف الحكومة، معرضاً البلاد لهزة اقتصادية، بدأت بوادرها بالظهور مع تسجيل الليرة التركية قبل أيام قليلة أدنى مستوياتها مقابل الدولار هذا العام.
وفي وقتٍ شككت فيه بعض استطلاعات الرأي بإمكانية استعادة «العدالة والتنمية» الغالبية المطلقة في الانتخابات المقبلة، ازدادت التحليلات والتوقعات بشأن تحولات جدّية في علاقات دول الغرب بأردوغان. الحديث عن عدم استقرار العلاقة بين واشنطن وأنقرة ليس جديداً، وهي ازدادت ترنحاً بعد بدء «التحالف الدولي» عملياته ضد «داعش» في العراق وسوريا. ورغم اتفاقه الأخير مع الولايات المتحدة على فتح قاعدة إنجرليك لقوات التحالف لضرب «داعش»، يقف أردوغان وحيداً أكثر من أي وقتٍ مضى.
ولعلّ في قرار برلين ثم واشنطن سحب صواريخ باتريوت التي نصبتاها على الحدود التركية ـ السورية، دليلاً في هذا السياق. ووفقاً لوكالة الأنباء الألمانية، يعود قرار برلين إلى عدم رغبتها في الانجرار في الصراع الدائر بين الحكومة التركية والأكراد، مشيرةً إلى «مقامرة أردوغان في اللعب على السلطة الذي بات شائكاً بالنسبة إلى حلفائه». عبّر حلفاء أنقرة في «الأطلسي» أكثر من مرة عن استيائهم من «عدم التناسب» في العمليات العسكرية ضد أهداف «العمال الكردستاني»، إذ إن الحرب التي روّج لكونها ضد «داعش» و«الكردستاني» معاً، حيّدت التنظيم الإسلامي المتطرف، مركزةً جهدها داخلياً، مع إبقاء نفوذها في الشمال السوري من دون التدخل العسكري المباشر.
هذه المعطيات، أثارت تساؤلات عن مستقبل علاقة واشنطن والحلفاء بأردوغان، خصوصاً في لحظة التحولات التي تشهدها المنطقة، وفي ظلّ الحديث عن تسويات مرتقبة. قد يصبح أردوغان حجر عثرة أمام الولايات المتحدة، ولا سيما في قضية أكراد سوريا، ما يوجه الانظار إلى مصير حكمه الذي يصبح أكثر هشاشة يوماً بعد يوم.




كيليتشدار أوغلو: أردوغان دبر انقلاباً

اتهم رئيس حزب «الشعب الجمهوري» المعارض في تركيا، كمال كيليتشدار أوغلو، الرئيس رجب طيب أردوغان بمحاولة تدبير «انقلاب مدني»، نظراً إلى سعيه لتنظيم انتخابات مبكرة بعد فشل مشاورات تشكيل حكومة ائتلافية.
وقال كيليتشدار أوغلو: «ليس هناك قانون في تركيا اليوم، الديموقراطية معلقة حالياً والدستور لا يعمل به»، مضيفاً خلال لقاء مع نواب حزبه في أنقرة: «نحن نواجه انقلاباً مدنياً».
وأكد أن حزب «الشعب الجمهوري» كان مستعداً للمشاركة في ائتلاف حكومي «يُحترم داخل وخارج» تركيا برئاسة رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو. لكنه أوضح أن حزبه أراد إحداث تغييرات في ثلاث قضايا أساسية: السياسية الخارجية، وهي بحاجة إلى تعديل كامل، و«المشكلة الكبرى» المتمثلة بالاقتصاد، بالإضافة إلى النظام التعليمي «الذي لا يرضي الأهل».