برازيليا | لم تحقق احتجاجات البرازيل الأخيرة ما كانت تصبو إليه المعارضة التي راهنت على خروج ملايين المحتجين بعد تفاقم الوضع الاقتصادي وتدهور سعر صرف العملة المحلية. فحسابات المعارضة استندت إلى إشارات الخامس عشر من آذار الماضي، حيث نجحت في حشد ما يقارب المليوني متظاهر للمطالبة بإقالة الرئيسة «العمالية» ديلما روسيف.


أشهر مضت على ذاك الحراك من دون التقاط «العماليين» زمام المبادرة، فالاقتصاد إلى مزيد من الجمود، والعملة الوطنية تفقد قيمتها يوماً بعد آخر، أما قضايا الفساد فباتت حدثاً يومياً، أيقنت المعارضة عندها أن الظروف مؤاتية لإسقاط حزب «العمال» الحاكم بالضربة القاضية، فجيّشت إعلامها على مدى أسابيع وخرج قادتها على الشاشات يعلنون النفير العام باتجاه إطاحة ما تبقى من رصيد للحزب الحاكم.
مفاجأة من العيار الثقيل، تمثلت في تململ الشارع من قيادة المعارضة لتحركاته، فجاء الحراك ضعيفاً، باستثناء ساو باولو والريو دي جانيرو. أما العاصمة برازيليا التي كانت تمثل رأس الحربة ضد العماليين، فكانت شوارعها شبه خالية وساحة البرلمان الواسعة لم تضم إلا بضعة آلاف، فضّل بعضهم الاستحمام مع أطفالهم في المستنقع الاصطناعي التابع لوزارة الخارجية. أما المفاجأة الكبرى ففجرها محتجو «ميناس جيرايس» الذين هتفوا بوجه زعيمهم المعارض والمرشح السابق للرئاسة، أيسيو نيفيز، واتهامه بالفساد واللصوصية، ما اضطره إلى مغادرة الاحتجاجات.


اتهم محتجو «ميناس جيرايس» زعيمهم المعارض أيسيو نيفيز بالفساد واللصوصية

على المقلب الآخر، كان العماليون يترقبون المشهد العام. ارتياح ممزوج بالقلق، وفشل المعارضة في التقاط الشارع لا يعني تغييراً في النظرة الشعبية تجاه الأداء العمالي الذي حظي على رضى ثمانية في المئة فقط من المواطنين، بحسب الاستفتاءات الأخيرة وهي أدنى نسبة منذ بدء المسار الديموقراطي في البلاد، لكن سوء الأداء لا يعتبر حجة دستورية لإقالة الرئيسة، حيث تنص فقرات الدستور البرازيلي على مواد واضحة التفسير لتحقيق العزل الرئاسي، أولاها الخيانة العظمى وثانيتها ارتكاب جرم مسلكي أو إداري محدد ومثبت. وعليه، فإن الضغط الشعبي الذي تمثل في تأييد 64 في المئة من البرازيليين لإقالة روسيف، بحسب إحصاءات شركة «داتا فوليا» وحملة التوقيعات التي نظمتها المعارضة لا تعتبر ركيزة قانونية للعزل الرئاسي، وخصوصاً أن ملف روسيف لا يزال خالياً من أي تهم تتعلق بالفساد.
في المحصلة، جاءت الاحتجاجات لتضع الموالاة والمعارضة في المأزق ذاته، فهي أثبتت أنها حراك شعبي خالص لا يمكن استثماره وأنها لا تبرئ الحكومات التي سبقت الحكم العمالي، بل باتت تحتج على أصل النظام والتركيبة السياسية للبلاد، كان المحتجون يتحدثون عن سوداوية الحاضر وغياب الأمل للمستقبل، كانوا يعبرون عن إحباطهم من كل هذه الطبقة الفاسدة. إحباط لم يستثن حتى الرئيس العمالي السابق لويس إيناسيو لولا دا سيلفا الذي رفعت مجسماته في التظاهرات وهو مكبل اليدين ويرتدي ثياب السجن، إلا أن اللافت كان شعارات التأييد للقضاة المسؤولين عن بت قضايا الفساد والشرطة الفدرالية التي قادت عمليات التوقيف والتحقيقات، أما الأبرز فكان شعارات التأييد والولاء للمؤسسة العسكرية البرازيلية التي تلتزم الصمت المطبق حتى اللحظة، وعليه فإن القراءات للسادس عشر من آب لن تشبه ما قبلها. تغيير أكده مصدر حزبي معارض لـ«الأخبار» حيث توقع أن يسود الهدوء من طرف المعارضة التي خسرت رهان الأرقام وتصدر القيادة وباتت ملزمة بخطة الانسحاب التكتيكي باتجاه التسويات التي تضمن بقاء النظام، بالرغم من مجاراتها الشارع عبر حملات برلمانية تصر على إسقاط روسيف. أما العماليون الغارقون في وحول السلطة، فقد يجدون في إحباط المعارضة «سلماً» للصعود معاً لأن الشارع الذي أشعله خصومهم بات جحيماً قد يحرق كل الطبقة السياسية.