دخلت العلاقة التركية الفرنسية في أزمة غير مسبوقة بسبب تبنّي البرلمان الفرنسي أمس قراراً يعاقب على إنكار «ابادة» الأرمن في العام 1915. فقد أعلن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان سلسلة من العقوبات السياسية والعسكرية ضد فرنسا، مشيراً إلى أن أنقرة ستعلّق جميع الزيارات السياسية والمشاريع العسكرية الثنائية، وبينها المناورات المشتركة بين البلدين.

وقال أردوغان «للأسف ان مشروع القانون هذا اعتمد رغم كل تحذيراتنا، وذلك سيفتح جراحاً لا تندمل وخطيرة جداً في العلاقات الثنائية»، مضيفاً: «من الآن فصاعداً، سنعيد النظر في علاقاتنا مع فرنسا». وأوضح أن تركيا ستنظر في كل طلب عسكري من فرنسا لاستخدام أجواء تركيا او قواعدها العسكرية او موانئها، بشكل منفصل. وقال إن بلاده لن تشارك في اجتماع اللجنة الاقتصادية المشتركة الذي سيعقد في باريس في كانون الثاني المقبل، وكذلك لن تشارك في اي مشاريع مشتركة مع هذا البلد في اطار الاتحاد الأوروبي.

بدوره، قال وزير العمل التركي فاروق جليك إن القانون «مثير للشفقة»، مضيفاً أن البرلمانيين الفرنسيين «يعتقدون أنهم قادرون على تغيير الحقائق التاريخية بواسطة القوانين». وأضاف أن «هذا الإجراء هو ضد المعايير والقوانين الأوروبية».
وكان نائب رئيس الوزراء التركي بولند ارينش قد قال إن تصويت البرلمان الفرنسي على هذا القانون، «خيانة للتاريخ». وأوضح: «هم يعلمون جيداً أنهم بهذا (القانون) يوقعون على عودة محاكم التفتيش (التي كانت ناشطة خلال القرنين الـ15 والـ16 ومهمتها اكتشاف مخالفي الكنيسة الكاثوليكية ومعاقبتهم) الى فرنسا؟».
في غضون ذلك، ذكر موقع صحيفة «زمان» التركية أن أنقرة استدعت سفيرها لدى باريس، تحسين بورجو أوغلو، للتشاور لمدة غير محددة من الوقت، بعدما هدد بذلك السكرتير المساعد في السفارة التركية في فرنسا الأسبوع الماضي.
وأصدر حزب المعارضة الرئيسي التركي، حزب الشعب الجمهوري إدانة للمشروع، متهماً الجمعية الوطنية الفرنسية بـ«خيانة تاريخها».
في المقابل، قال وزير الخارجية الفرنسي ألان جوبيه «ما ارجوه هو الّا يبالغ اصدقاؤنا الاتراك في رد الفعل» على قرار البرلمان الفرنسي. وسُئل وزير الخارجية الفرنسي عن تدابير ثأرية جديدة محتملة يمكن ان تتخذها أنقرة، فأجاب «سنرى، وأتمنى ان تبقى الأمور عند هذا الحد اذا كان ذلك ممكناً». وأضاف أن «العلاقات بين فرنسا وتركيا هي علاقات وثيقة ومتعددة في كثير من المجالات، وهناك الكثير لنقوم بها معاً»، مشيراً من جهة اخرى الى انه «أخذ علماً» باستدعاء السفير التركي في باريس. وقال «آسف لرد الفعل الأول هذا وأدعو الى ضبط النفس والحكمة».
وينص اقتراح القانون الذي أقرته الجمعية الوطنية الفرنسية على عقوبة السجن لمدة عام واحد وغرامة قدرها 45 الف يورو لأي انكار علني لإبادة يعترف بها القانون الفرنسي. وتعترف فرنسا بإبادتين هما محرقة اليهود خلال الحرب العالمية الثانية وإبادة الأرمن، الا ان القانون الفرنسي لا يعاقب حتى الآن الّا على انكار محرقة اليهود.
وقد تظاهر آلاف الأتراك في العاصمة باريس احتجاجاً على التصويت على مشروع القانون الذي عدّه وزير الخارجية التركي أحمد داوود اوغلو «مهيناً للشعب التركي». وكان مشروع القانون قد حظي بدعم من الرئيس نيكولا ساركوزي، الذي لم يجب على اتصالات هاتفية أجراها معه الرئيس التركي عبد الله غول.
وسبق أن تبنى البرلمان الفرنسي عام 2006 قانوناً مماثلاً إلّا أنه أسقط من التداول قبل وصوله إلى مجلس الشيوخ. واعترفت فرنسا في 29 كانون الثاني 2001 بالإبادة الأرمنية التي وقعت عام 1915 والتي يقول الأرمن إنه راح ضحيتها أكثر من مليون أرمني على يد الجيش العثماني.
(أ ف ب، يو بي آي)