بغداد | يبدو مقتدى الصدر وحيدر العبادي نجمَي المرحلة المقبلة، في ظل تسلّط الأضواء على حراكهما. يهدّد الأول القوى السياسية بالانتقال إلى المعارضة، فيما يسعى الثاني إلى إثبات قوته، وتقديم أوراق اعتماده لـ«الولاية الثانية»: محلياً، وإقليمياً، ودولياً. ثمة ما يشي بأن الصدر يستشعر إمكان بقائه خارج السلطة على رغم تصدّره نتائج الانتخابات، في حين يتحسّس العبادي احتمال خروجه من الحكم الذي كان في فترة ما مطمئناً إلى البقاء على رأسه أربع سنوات أخرى.

حتى إعلان «المفوضية العليا المستقلة للانتخابات» نتائج إعادة العدّ والفرز اليدوي للصناديق المطعون فيها، والمرجح أن يكون خلال الأسبوع المقبل، وفي انتظار مصادقة «المحكمة الاتحادية العليا» على تلك النتائج، سيتصدّر زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر، ورئيس الوزراء حيدر العبادي، المشهد السياسي العراقي. ثمة ما يجمع الرجلين: السلطة. الأول يسعى إليها بعد تقدّم تحالفه (سائرون) نتائج الانتخابات التشريعية، ومع حديثه الدائم عن ضرورة «التداول السلمي للسلطة»، فيما الثاني متمسك بالبقاء لـ«ولاية ثانية»، خصوصاً أنه سبق أن تلقّى وعوداً بالبقاء في منصبه لأربع سنوات أخر.
ظنّ الصدر، في فترة ما، أنه قادر على تشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر، وتسمية رئيس وزراء «وفق معاييره». لكن ــ حتى اللحظة ــ يبدو أن توقعات الرجل لن تتحقق، مع ارتفاع حظوظ زعيم «ائتلاف دولة القانون» نوري المالكي، في بناء تحالف يضم «ائتلاف الفتح»، وعدداً من نواب «ائتلاف النصر»، وحزبَي السلطة في إقليم كردستان («الاتحاد الوطني» و«الحزب الديموقراطي»)، وقوى من «البيت السني». رفْض الصدر الانخراط في هذا التحالف، إن شُكِّل، يعني البقاء في المعارضة، وهو ما دفعه على ما يبدو إلى رفع سقف خطابه أمس، والتهديد بـ«التخلي عن تشكيل الحكومة المقبلة، واللجوء إلى تشكيل كتلة سياسية معارضة»، إن لم تتحقق معظم شروطه التي طرحها الأسبوع الماضي حول رئيس الوزراء المقبل، والمتمثلة في 40 بنداً، أبرزها أن يكون الرئيس مستقلاً، ومن خارج أعضاء البرلمان المنتخب، وأن لا يكون من مزدوجي الجنسية، ومقبولاً على الصعيد الوطني، إضافة إلى أن يكون من المشهود لهم بالمواقف الوطنية، وأن لا يترشح للانتخابات المقبلة مهما كانت الظروف.

يواصل المقرّبون من العبادي تقديم تفسيرات لتصريحاته في شأن إيران


شروطٌ يدرك الصدر أنها «غير قابلة للتحقيق» من جهة، وأن إصراره على رأيه عند غير مفصل دفع القوى الأخرى إلى محاولة التوافق في ما بينها بعيداً منه من جهة ثانية. ولعلّ هذا هو ما حمله على التلميح إلى أن تشكيل «الكتلة الأكبر» لن يكون من نصيبه، إذ قال في بيانه: «إن لم تتحقّق أغلب تلك الشروط، فإني لن أدخل بمحاصصتهم وتقسيماتهم للمغانم مرة أخرى، وسأتخذ مسار المعارضة السياسية والشعبية البناءة على رغم صعوبتها ووعورة دربها»، داعياً الكتل السياسية «التي لا تزال تحب الوطن» إلى الالتحاق بكتلة المعارضة، والتي ستحمل اسم «كتلة إنقاذ الوطن». وأضاف أن هذه الكتلة ستعمل على «إنقاذ العراق من الظلم والفساد الذي ينخر بالمؤسسات العراقية منذ سقوط النظام السابق عام 2003»، مُحدِّداً سقفاً زمنياً لتحقيق «الأربعين شرطاً»، وإلا فالقرار سيكون «المعارضة... والسقف الزمني هو المصادقة على النتائج النهائية للعد والفرز اليدوي».
على خطّ موازٍ لحراك الصدر، ثمة حراك آخر يقوم به حيدر العبادي، الساعي إلى الاحتفاظ بمنصبه لولاية ثانية. ديناميات متأخرة يُزخِّمها رئيس الوزراء في محاولة لامتصاص نقمة الشارع المندد بالواقع المعيشي السيء، والتأكيد على تمتّعه بمعايير المرجعية الدينية العليا (آية الله علي السيستاني). في هذا الإطار، وجّه العبادي، أمس، بإعفاء عدد من المدراء العاملين في وزارة الكهرباء، وتحديداً في مصالح الاستثمارات، والعقود، وتوزيع كهرباء بغداد، والدائرة الإدارية، مشدداً على ضرورة إجراء إصلاحات في الوزارة وإعادة هيكلتها بما يخدم مصلحة البلد، وأبناء الشعب العراقي، وتوفير الكهرباء للمواطنين. خطوات لا يظهر أنها ستفيده في رفع حظوظه لدى الشارع و«المرجعية»، وسط حديث عن أن موقف الأخيرة المقبل سيكون مرتفع السقف أكثر من سابقيه، وهو ما من شأنه مضاعفة التهديد المحدق بحظوظ العبادي في ولاية ثانية.
«محنة» رئيس الوزراء لا تنتهي هنا. إذ إن موقفه الأخير في شأن العقوبات الأميركية على إيران فتح سجالاً سياسياً، يحاول الرجل الآن «لملمته». يواصل المعنيون في فريقه تقديم تفسيرات لما قاله، كان آخرها عبر مستشاره إحسان الشمري، الذي قال إن «الموقف جاء لضمان المصالح العليا للبلاد»، والحفاظ على «التوازن في العلاقات الخارجية مع اللاعبين الكبار في المنطقة»، مضيفاً في بيان أن «أي انحراف في بوصلة هذه العلاقات سيكون كارثياً على الأرض والاقتصاد والأمن والمجتمع، وهذه مسؤولية وطنية ودستورية لرئيس الوزراء، المنفّذ للسياسة العامة، التي تحتّم عليه الالتزام بالثوابت السيادية بعيداً من أي توجه ديني أو قومي».



ارتفاع أسعار النفط «ينقذ» الموازنة
أعلنت وزارة المالية العراقية، أمس، تمكّنها من تغطية العجز المالي في موازنة العام الجاري، والبالغ 12.4 تريليون دينار (10 مليارات دولار أميركي)، مع ارتفاع أسعار النفط الخام في الأسواق العالمية. وقال وكيل الوزارة،ماهر حماد جوهان، إن «الصورة أصبحت واضحة نهاية حزيران الماضي، مع صعود أسعار النفط التي غطّت العجز الموجود في الموازنة»، مؤكداً في مؤتمر صحافي أن «العراق لن يقترض من أي جهة، حتى ولو كانت محلية، لتغطية تخصيصات الموازنة للعام الحالي». وأضاف جوهان أن «الوزارة ستغطي المحافظات بما تحتاج إليه من التعيينات، وفق النسبة السكانية للمحافظة». وتبلغ قيمة الموازنة المالية للعام الحالي 104 تريليونات دينار عراقي (88.1 مليار دولار أميركي)، بإيرادات تُقدّر بـ91.6 تريليون دينار (77.6 مليار دولار).