الانتهاء من تسمية هيئة رئاسة البرلمان العراقي بعد أزمة لم تَدُم طويلاً، ساعد القوى السياسية «الشيعية» على التفرّغ لحسم منصب رئيس الوزراء، في وقت تشير جميع المعطيات إلى أن هذا المنصب سيتمّ حسمه عبر صفقة تسوية بين تحالف «البناء» الذي يرأسه زعيم قائمة «الفتح» هادي العامري، وتحالف «سائرون» المدعوم من زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر. ومن المفترض أن الحوارات المكثفة التي تشهدها هذه الأيام العاصمة بغداد ومدينة النجف مطالَبة بإنتاج اتفاق على هذا الاسم قبل حلول موعد جلسة البرلمان المقبلة، والمُقرّرة في الـ25 من الشهر الجاري.

وبصرف النظر عن الأسماء التي يتم تداولها بقوة في الأوساط السياسية لتولّي المنصب التنفيذي الأرفع في العراق، فإنه بات من المؤكد أن تكليف رئيس الحكومة الجديد لن يكون وفق صيغة «الغالبية العددية» التي جرى الحديث عنها طيلة فترة ما بعد الانتخابات، إنما سيتم من طريق صيغة تفاهم جرت بلورتها أخيراً بين «الفتح» و«سائرون»، يمكن تسميتها بـ«لا لك ولا لي». وهي صيغة تدعمها توصيات المرجعية الدينية (آية الله علي السيستاني)، وجرى اللجوء إليها بعد عدم نجاح كلا الطرفين (الفتح وسائرون) في الوصول في شكل منفرد إلى قاعدة قبول واسعة يمكن من خلالها تشكيل الحكومة الجديدة.
إن نجاح الحوارات الحالية التي ترتكز على تفاهم «الفتح» – «سائرون» يعني أولاً أن المشروع الذي سعى وراءه المبعوث الأميركي، بريت ماكغورك، في تشكيل الحكومة انتهت كل فرصه، وفي مقدمها حظوظ رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي في الولاية الثانية. كما يعني أننا أمام حالة لم تحصل منذ تشكيل أول حكومة عراقية دائمة، وهي خروج منصب رئيس الوزراء من «حزب الدعوة الإسلامية»، بعدما هيمن عليه طوال الدورات الثلاث الماضية. لكن هذا التفاهم «الشيعي»، وعلى رغم كونه يركّز على المجيء برئيس وزراء «غير حزبي»، ومنحه حرية اختيار وزرائه، لن يدفع كما يبدو القوى الكردية و«السنية» وقوى «شيعية» أخرى إلى التخلي عن طريقة «الحصص» في تأليف الحكومة المقبلة.
يمكن قياس هذا الاعتقاد عبر زاويتين: الأولى أن القوى الكردية المعنية باختيار رئيس الجمهورية (ضمن العرف السياسي المعتمد منذ عام 2004) ليس في نيّتها اختبار إمكانية تسمية هذا الرئيس من خارج منطق «الحصة الحزبية». هذا ما يؤكده القادة والسياسيون الكرد أنفسهم، إذ تشير كل أحاديثهم إلى أن آلية تسمية الرئيس داخل هذه القوى، وأبرزها حزبا «الديموقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني و«الاتحاد الوطني» بزعامة الراحل جلال طالباني، تتم كما في كل دورة برلمانية وفق حساب «السلة الواحدة»، بمعنى أن الاتفاق الكردي – الكردي على مَن يتولى منصب رئيس الجمهورية، يشمل بالضرورة تحديد من يتولى المناصب الوزارية. على سبيل المثال، إذا جرى الاتفاق بين هذه القوى على أن يكون رئيس الجمهورية من حزب «الاتحاد» - وهو الأرجح - فإن «الحزب الديموقراطي» سيكون في هذه الحالة «صاحب الحق» في تولّي الوزارة السيادية التي ستكون ضمن حصة الكرد، وهذه الحال تنطبق أيضاً على القوى «السنية». وهنا، لم يعد مقنعاً ولا حتى متاحاً الحديث عن حرج كردي أو حرج «سني» نتيجة قبول التحالفات «الشيعية» منح رئاسة الحكومة لشخصية مستقلة.
الزاوية الثانية: أن تراجع تحالف «سائرون» عن شعار «رفض المحاصصة»، وقبوله بمقاسمة هيئة رئاسة مجلس النواب، لا يعنيان فقط أن طرفاً رئيساً مستعد وموافق على المضيّ بصيغة الدورات الحكومية السابقة، إنما يشكّلان أيضاً عاملاً مشجعاً كانت تنتظره قوى أخرى لم تكن في الأساس مقتنعة بمغادرة طريق التقسيم الحزبي للمناصب. إن الإبقاء على اتجاهين معاً: اتجاه «رئيس وزراء غير محسوب على أحد»، واتجاه المحاصصة الحزبية، سيعقّد من عملية إيجاد «قسمة» ترضي جميع المشاركين، لأن الدورات السابقة كانت تقوم على أساس أن الائتلاف الذي يحصل على منصب رئيس الوزراء لا تحقّ له المطالبة بمنصب وزاري آخر.
في المحصلة، إن الاكتفاء فقط بإخراج منصب رئيس الحكومة من دائرة التنافس الحزبي، والسماح - في الوقت نفسه - بتوزيع الوزارات حزبياً، يقلّلان في شكل كبير من فرصة وجود ائتلاف حكومي واضح يمكن لومه وقت فشل الحكومة أو تلكّؤها في أداء مهمتها. ومن المعروف أن هذا الغياب أفسح المجال في ثلاث دورات ماضية لكل القوى السياسية للتملّص من مسؤولياتها، ولعب دور المعارضة والحكومة في آن واحد، وهو أيضاً كان السبب في أن تتحدث كل هذه القوى بكونها غير معنية بالنقد الذي عكفت عليه المرجعية الدينية. وذلك هو الهاجس الرئيس الذي يبرز عندما يتم الحديث عن الحكومة المقبلة بصفتها «حكومة تحديات»، بالنظر إلى أزمة الخدمات وتفاقم البطالة وتكرّر مشهد التظاهرات.