بعد عامين تقريباً على الاجتياح الأميركي للعراق، بدأت عملية كتابة الدستور العراقي النافذ من قبل لجنة أُطلق عليها «لجنة كتابة الدستور». ففي 8 نيسان/ أبريل 2005، شَكَّلت «الجمعية الوطنية الانتقالية»، التي أشرف على هندستها الحاكم المدني الأميركي بول بريمر، تلك اللجنة من 55 عضواً على أساس المحاصصة الطائفية والقومية، بواقع 28 عضواً من الشيعة، و15 عضواً من الكرد، و8 أعضاء من العرب السُنّة، وما تبقى خُصّص للأقليات الصغيرة. ترأس اللجنة همام حمودي، وهو رجل دين شيعي يحمل شهادة البكالوريوس في علم النفس. وقد تقرّر لاحقاً إضافة 15 عضواً من ساسة العرب السُنّة إليها، بعد احتجاجهم على الإجحاف الذي لحق بهم في هذه المحاصصة، من دون أن يكون للأعضاء المضافين حق التصويت. كان أعضاء اللجنة من الساسة الحزبيين والشخصيات التي أيّدت الاحتلال، ودخلت غالبيتها العراق بعد سقوط النظام السابق.

قبل تشكيلها، كانت سلطات الاحتلال قد وضعت قيد التطبيق وثيقة تدعى «قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية»، والتي ستعتبر لاحقاً ـــ ضمن وثائق أخرى ـــ أرضيةً ومرجعاً لمسودة الدستور العراقي الجديد. لم يُعرف مِن بين أعضاء «لجنة كتابة الدستور» من كان له إلمامٌ بالفقه الدستوري والشؤون القانونية، باستثناء عضوين أضيفا لاحقاً إلى «حصة» العرب السُنّة في اللجنة، وهما الأستاذان الجامعيان والقانونيان ضامن العبيدي ومجبل الشيخ عيسى، وقد تم اغتيالهما بعد خلافات حادة في اللجنة حول موضوع الأقاليم والدولة الاتحادية، والتي كان الساسة الكرد يصرّون عليها إصراراً منقطع النظير. اعتمد الساسة الكرد على الخبير الأميركي النافذ، بيتر غالبريث، لإمرار مواد دستورية تحقق أهدافهم المعلنة وغير المعلنة (راجع «الأخبار»، عدد 1999). ولعلّ أخطر مادة دستورية تَمكّن غالبريث من إمرارها هي المادة 115، والتي يمكن اعتبارها مفتاح تفتيت العراق، وهذا نصّها: «كل ما لم ينصّ عليه الدستور في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية، يكون من صلاحية الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، والصلاحيات الأخرى المشتركة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم تكون الأولوية فيها لقانون الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم في حالة الخلاف بينهما». هذه المادة لم تكن واردة أصلاً في مطالب الزعامات الكردية، بل وضع بذرتها هذا الخبير الأميركي حين أقنع الزعماء الكرد بأن يعتمدوا معادلة دستورية معاكسة لما هو معهود دستورياً مفادها: ليست بغداد الاتحادية هي من تمنحهم الصلاحيات، بل هم من يطرحون الصلاحيات على بغداد، فإن حدث خلافٌ كان الحق لهم وليس لبغداد بموجب نص دستوري.
وإذا أضفنا إلى ما تقدم المواد العديدة الخاصة بتسهيل تشكيل الإقليم من محافظة واحدة أو أكثر، إضافة إلى المادة الخاصّة بشروط تعديل الدستور، والتي تجعل التعديل أقرب إلى المحال، تكون الدائرة قد أُغلقت تماماً، وأصبح تقسيم العراق مسألة وقت لا أكثر. لقد ثبّت الساسة الكرد، عبر وكيلهم غالبريث، وبدعمٍ من سلطات الاحتلال وقانونها المؤقت، ما بات يعرف بـ«فيتو المحافظات الثلاث»، والذي بموجبه يسقط أي تعديل دستوري إذا رفضه الناخبون في ثلاث محافظات خلال استفتاء شعبي عليه. كل هذا يعني بوضوح أن الزعامة الكردية باتت تمارس ما يمكن أن نسمّيه «الدكتاتورية  الدستورية» ضد محافظات العراق العربية الأربع عشرة الأخرى، وكركوك المختلطة، باسم محافظات «كردستان» الثلاث: أربيل والسليمانية ودهوك. ولم يكن تحقيق ذلك ممكناً لولا تواطؤ الزعامة الإسلامية الشيعية المتحالفة مع الزعامات الكردية لتهميش غريمها الطائفي المقابل «العربي السُنّي». كذلك ساعد الموقف المتقلّب الذي اتخذته قيادة «الإخوان المسلمين» (الحزب الإسلامي) على إمرار الدستور خلال الاستفتاء، حين طلبت من جمهورها التصويت لمصلحة الدستور في الساعات الأخيرة.
لقد تمّ تسهيل عملية تشكيل الأقاليم بموجب الدستور العراقي بشكل مقصود ومفضوح. فقد نصت المادة 119 على الآتي: «يحق لكل محافظة أو أكثر تكوين إقليم بناءً على طلبٍ بالاستفتاء عليه، يُقدَّم بإحدى طريقتين: أولاً، طلب من ثلث الأعضاء في كل مجلس من مجالس المحافظات التي تروم تكوين الإقليم. ثانياً، طلب من عُشر الناخبين في كل محافظة من المحافظات التي تروم تكوين الإقليم»، ثم يحسم الأمر باستفتاء شعبي يكفي الفوز فيه بالأغلبية البسيطة ليتشكل الإقليم رسمياً. ويتمتع الإقليم عند قيامه بصلاحيات دولة شبه مستقلة منها: 1- وضع دستور للإقليم/ المادة 120. 2- ممارسة سلطات التشريع والتنفيذ والقضاء/ المادة 121، أولاً، وسلطة تعديل تطبيق القوانين الاتحادية/ المادة 121، ثانياً. وهناك مواد أخرى تؤكد السياق التفتيتي والتقسيمي للدولة العراقية. كذلك نجح واضعو هذا الدستور في التلاعب بهوية العراق الحضارية العربية، إذ تم اعتباره بلداً «متعدد القوميات والأديان والمذاهب، وهو عضو مؤسّس وفعّال في الجامعة العربية» (مادة 3). وهذه هي المرة الأولى في التاريخ العالمي التي يتم فيها شطب هوية شعب وبلد، لأن فيه أقليات لا تتجاوز نسبتها كلها 15% من مجموع السكان.

المحاصصة
أما المحاصصة الطائفية وإقامة دولة الطوائف، فالواقع أن الدستور خلا من أي مادة تَرِد فيها كلمة «الطائفة» ومشتقاتها، ولكن استُبدلت بها كلمة أخرى لها المعنى نفسه، وهي «المكوّن» ومشتقاتها. كما لم تَرد في مواده عبارة «محاصصة طائفية»، بل استخدمت عبارات أكثر أناقة من قبيل «توازن المكوّنات». لم يكن ذلك كرهاً بكلمة «الطائفة» أو خجلاً منها، بل لأن كلمة «مكوّن» أدق تعبيراً، فالكرد لا يعتبرون أنفسهم طائفة بل قومية، على رغم أن غالبيتهم من المسلمين السُنّة! كذلك، ذُكرت القضية المتعلقة بـ«المكوّنات»، وضرورة ضمان توازنها عبر حكم المحاصصة، سبع مرات في الدستور الاحتلالي: مرتين في ديباجة الدستور، وهي ديباجة تَقْطر طائفية صريحة، وخمس مرات في مواد دستورية تأسيسية منها المادة «12» الخاصّة بعلَم الدولة وشعارها ونشيدها الوطني، وهي رموز سيادية «يجب أن ترمز إلى مكونات الشعب» كما يقول الدستور الاحتلالي، فضلاً عن المواد: (9/ أولاً)، و(12/ أولاً)، و(49/ أولاً)، و(125) و(142/ أولاً).
لقد أثبتت تجارب الشعوب طوال التاريخ أنه لا يمكن لممثلي طائفة واحدة، حتى لو كانت تشكل أكثر من نصف عدد السكان، كما هي الحال في العراق، أن تحكم أو تهيمن على الحكم بأحزابها ذات الصبغة والبرامج الطائفية الدينية؛ لأنها ستنتج، لا محالة، بنية فوقية وآليات حكم وأيديولوجية دولة طائفية على شاكلتها، وتنتج أيضاً نقيضها الطائفي المقابل. وها نحن نشهد كيف تحوّل العراق من مجتمع تعددي ومتنوع إلى بلد طارد للتنوع والتعدد المكوّناتي، ونابذ لجميع الأقليات القومية والدينية الصغيرة على رغم الكلام الإنشائي الجميل الذي يلهو به زعماء الطوائف. وحتى الطائفة الثانية في البلاد، أي «العرب السُنّة»، بدأ الكثيرون منهم يفقدون الأمل في الحياة الطبيعية، ويتركون البلاد السائرة نحو الوحدانية الطائفية.
نقطة أخرى مهمة، تلعب دوراً مشجعاً على تعميم المطالبة بتحويل المحافظات إلى أقاليم، وتتمثل في المكاسب المادية والسياسية الهائلة التي حصلت وتحصل عليها زعامة الإقليم الكردي، واستجابت حكومات بغداد لها من دون نقاش. إن إنهاء هذه الطريقة في التعامل بين بغداد وأربيل ستزيل هذا الحافز التقسيمي القوي الذي يدفع المواطنين والزعامات السياسية في المحافظات إلى المطالبة بالأقلمة. ولكن الحل الحقيقي والجذري ليس هنا فقط، بل في إطفاء فتائل التقسيم والقنابل الموقوتة الكثيرة الأخرى في الدستور الاحتلالي، وإعادة كتابته من قِبَل مؤتمر تأسيسي في عراق مستقل ومتحرر من القوات العسكرية الأجنبية، خصوصاً أن شعار «المؤتمر التأسيسي» ليس جديداً في المشهد السياسي العراقي، فقد رفعته قوى وشخصيات وطنية بعد أيام قليلة من الاحتلال الأميركي، وقد منحه ويمنحه الواقع صدقية ونجاعة يوماً بعد آخر.
* كاتب عراقي