بغداد | نهاية الأسبوع الماضي، أدرجت «منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم» (يونسكو)، مدينة بابل العراقية (85 كيلومتراً جنوبي العاصمة بغداد)، على لائحة «مواقع التراث العالمي». المدينة الأثرية التي احتضنت إحدى أهم حضارات بلاد ما بين النهرين، وبلغت أوج ازدهارها في عهد الملك نبوخذ نصّر الثاني (حكم لمدة 43 عاماً؛ 605 ــــ 562 قبل الميلاد)، انضمّت إلى اللائحة العالمية، إلى جانب مدن عراقية أخرى كالحضر (1985)، وآشور العتيقة (2003)، وسامراء الأثرية (2007)، وقلعة أربيل (2014).

وأشارت الـ«يونسكو»، في بيانها الصادر عقب التصويت، إلى أن «بابل كانت مقراً لعروش إمبراطوريات عدة، حكمها ملوك كحمورابي ونبوخذ نصّر»، مضيفة أن «ارتباط المدينة بعجائب الدنيا السبع للعالم القديم، جعلها مصدراً للإلهام بالنسبة إلى الثقافات الفنية والدينية على مستوى العالم»؛ إذ تضمّ بابل «الجنائن (الحدائق) المعلّقة» (المدرجة على لائحة «عجائب الدنيا السبع»)، والتمثال التاريخي لـ«أسد بابل»، و«بوابة عشتار» عند المدخل الشمالي للمدينة، وشارع الموكب. ولفت مدير آثار البصرة، قحطان العبيد، الذي قدّم ملف بابل إلى «يونسكو»، من جهته، إلى أن «بابل يزيد عمرها على 4000 سنة، وهي أكبر مدينة مأهولة بالسكان في التاريخ القديم»، واصفاً المدينة في حديثه إلى وكالة «فرانس برس»، بأنها «مهد حضارة الكتابة والإدارة والعلوم».
خطوة الـ«يونسكو»، التي لقيت أصداءً واسعة في الداخل والخارج، تضع الحكومة أمام تحدّي رفع اهتمامها بتلك المنطقة، التي واجهت مخاطر الاندثار خلال العقود الماضية. وفي هذا السياق، جاء تحذير المنظمة في البيان نفسه من أن «الموقع يعاني من أوضاع متدهورة، ويحتاج إلى جهد كبير للحفاظ عليه»، وجذب الاستثمارات إليه، خصوصاً أن المدينة اختيرت عاصمة للسياحة العربية لعام 2021. لكن الموقع الأثري لا يزال يفتقر إلى التأهيل والصيانة، بعدما حوّله النظام السابق إلى مقرّ لرئيسه صدام حسين، لتتخذ منه قوات الاحتلال الأميركي لاحقاً قاعدة لها عام 2003. وبحسب الكاتب علاء اللامي، فـ«الموقع عُبث به قبل الاحتلال وبعده... فالنظام السابق قتل آثار بابل ومسخها وشوهها، وزادها النظام الطائفي الحالي رثاثةً على رثاثة، وإهمالاً على إهمال». ويلفت اللامي إلى أن «بوابة عشتار الأصلية، بألوانها وبهائها وأبعادها الحقيقية، استولى عليها لصوص الآثار الألمان بعدما عَثر عليها منقبهم روبرت كولدواي في 1899 خلال العهد العثماني، ونقلوها إلى بلادهم، وهي معروضة حتى يومنا هذا في متحف بيرغامون، في العاصمة الألمانية برلين». أما الحالية، فيصفها بـ«البوابة الصدامية المسخ القزمة، والمطليّة بألوان فاقعة بليدة تختصر كل رثاثة حكام العصابات، وبعدهم حكام الطوائف عملاء الغزاة الأجانب» (تعني كلمة عشتار، العبرية الأصل، ضوء الصباح، وهي «إله الحب والحرب» عند البابليين، أما بوابتها فعبارة عن قلعة تاريخية، تتميز بطراز خاص في البناء).

بوابة عشتار الأصلية استولى عليها لصوص الآثار الألمان، وهي موجودة في برلين


رئيس الحكومة، عادل عبد المهدي، سارع إلى الترحيب بالقرار، واصفاً إياه بأنه «اعتراف دولي بأهمية المدينة وحضارة ما بين النهرين»، فيما أشاد رئيس الجمهورية، برهم صالح، بـ«جهود الخيّرين من أبناء العراق والمؤيدين من الأصدقاء والأشقاء»، مشيراً إلى أن المَعلم «غُيّب بفعل سياسات الحكام السابقين، الذين أهملوا هذا الإرث الحضاري العظيم». أما وزير الثقافة، عبد الأمير الحمداني، الذي كانت «عصائب أهل الحق» (بزعامة قيس الخزعلي) قد رشّحته لتبوّء هذا المنصب، فأعلن تخصيص «49 مليون دولار لإنشاء مناطق سياحية، وتأهيل البنية السياحية، وإجراء بعض أعمال الصيانة في المعالم، من أجل البدء بصيانة وقائية لآثار بابل»، إلى جانب مليون دولار مُقدّمة من «البنك المركزي العراقي».
إعلان يعيد إلى ذاكرة العراقيين تخصيص حكومة حيدر العبادي، عام 2016، أكثر من 5 ملايين دولار لتطوير مناطق الأهوار (المستنقعات المائية الواقعة جنوب البلاد، وجنوب شرقها)، التي أدرجتها الـ«يونسكو» في ذلك العام على اللائحة عينها. لكن تلك المناطق لم تشهد حتى الآن تطوّراً ملحوظاً، كبناء الفنادق أو المنشآت السياحية أو المراكز الترفيهية، بل زادت مخاطر إخراجها من اللائحة، في ظلّ الإهمال الذي تعانيه، وهو ما يُخشى أن تؤول إليه مدينة بابل أيضاً.