بغداد | مطلع أيلول/ سبتمبر من عام 2007، شهدت مدينة كربلاء (100 كيلومتر جنوبي العاصمة بغداد) «فتنةً» أضرّت ــــ جزئياً ــــ بمرقدَي الإمام الحسين وأخيه العباس. عناصر من «جيش المهدي» (الجناح العسكري لـ«التيار الصدري») دخلوا في مواجهة مع حرس «العتبتين»، سرعان ما بادر زعيم التيار، مقتدى الصدر، إلى تطويقها، بقرار «جريء» امتصّ من خلاله غضب الأوساط «الشيعية»، عبر إعلانه «تجميد أنشطة الجناح المسلح لمدة ستة أشهر». قرارٌ مُدِّد لاحقاً، عقب انتهاء مدة التجميد الأولى، ليضحي «تجميداً لأجل غير مسمى».

هذه الخطوة لم تلقَ قبولاً لدى جميع وجوه التيار وأوساطه، بل قوبلَت برفض من بعض الذين وجدوا فيها «تنصّلاً من العمل المقاوم». وعلى رغم أن الصدر شكّل «لواء اليوم الموعود» من أجل حفظ الطابع المقاوم للتيار، إلا أن ذلك لم يحمِ الأخير من الانشقاقات، وتحديداً تلك التي كان يهندسها قادة «جيش المهدي» من داخل سجون الاحتلال، بعدما وجدوا أنفسهم «على الهامش». مع مرور السنوات، اختفت تدريجاً المظاهر المسلحة لـ«جيش المهدي»، لكن سقوط مدينة الموصل بيد تنظيم «داعش» في 10 حزيران/ يونيو 2014 أعاد تحريك المياه الراكدة. في اليوم التالي للحدث الهائل، أعلن الصدر نشوء تشكيل جديد سمّاه «سرايا السلام»، مهمّته بحسب البيان الصادر آنذاك «حماية المقدسات»، في إشارةٍ إلى مرقدي الإمامين العسكريين في مدينة سامراء.
بأكثر من ألف متطوّع دخلت «السرايا» إلى سامراء، التي لا تزال تتولى فيها إلى الآن مهمّة «حماية وتأمين المرقدين والمدينة ككل». كذلك، شاركت في فكّ الحصار عن أكثر من 15 ألف شخص داخل قضاء آمرلي، شرق محافظة صلاح الدين، حيث لقي أحد أبرز قادتها، وليد ثجيل السويراوي، مصرعه. تطوّع من «الصدريين» أكثر من 12 ألف مقاتل (ضمن «السرايا»)، لكن «هيئة الحشد الشعبي»، التي اتخذت شكلاً هرمياً في عام 2014 لم يكن لـ«السرايا» موقع بارز فيها، لم تتكفّل إلا برواتب نصفهم «حفاظاً على توازن الفصائل داخلها». ومع تقسيم الفصائل إلى «ألوية»، اختار «الصدريون» أسماءً لها مدلولات دينية، كـ«اللواء 313».

صراع القيادات
تغيّرت قيادة الجناح العسكري لـ«التيار الصدري» مراراً، سواء في حقبة «جيش المهدي»، أو في حقبة «لواء اليوم الموعود». لم يُكشف، يوماً، رسمياً، عن أسماء القادة الميدانيين، لكنهم باتوا معروفين في السنوات اللاحقة تباعاً: قيس الخزعلي (الأمين العام لـ«حركة عصائب أهل الحق»)، وأكرم الكعبي (الأمين العام لـ«حركة النجباء»)، وشبل الزيدي (الأمين العام لـ«حركة العراق الإسلامية»)، وأزهر الدليمي (لقي مصرعه في أيار/ مايو 2007)، وحسن سالم (نائب عن «حركة صادقون»/ الجناح النيابي لـ«العصائب») وآخرون.
لكن تشكيل «السرايا» جاء في وقت كانت فيه الساحة العراقية تشهد زحاماً «فصائلياً»، وهو ما تطلّب إيجاد موقع «المعاون الجهادي» لـ«السيد»، أسوة ببقية قيادات «الحشد». عام 2014، اختار كاظم العيساوي قائداً لجناحه العسكري. اسمٌ معروف ضمن قيادات الصف الثاني في «جيش المهدي». استمر «أبو دعاء» (لقب العيساوي) في إدارة الجناح (إلى جانب كونه المسؤول الأمني المباشر عن الصدر في سنوات 2015 و2016 و2017) قبل أن يطرأ تغيير مفاجئ أطاحه، ليُستبدل به «أبو ياسر»، وهو أقل شهرة منه، وأكثر امتثالاً للصدر، وفق ما يقول قياديون بارزون في «السرايا».
هذا القرار تعود جذوره إلى صراع قديم مع قيادي «صدري» كبير آخر هو جليل النوري، الذي هاجر إلى لبنان لوقت طويل، قبل أن يعود ليصالح العيساوي في عام 2018، بوساطة الصدر نفسه. وهي وساطة عكست أهمية الرجلين بالنسبة إلى الحنّانة (مقر إقامة الصدر في النجف)، لكنها سرعان ما انتهت مفاعيلها إثر توتر العلاقة بينهما مجدداً، مع الكشف عن «مشاريع تجارية» للعيساوي تحت غطاء «السرايا». وقد أُشيع، آنذاك، أن النوري هو من يقف خلف الكشف عن الوثائق المرتبطة بتلك «المشاريع»، التي استخدم الصدر أولاً هراوته الإعلامية، صفحة «صالح محمد العراقي»، للتعريض بأصحابها، قبل أن يعزلهم بنحو تام.

الدعوة لضبط السلاح
منذ عام 2014 وحتى الآن، دعا الصدر مراراً إلى «ضبط» الفصائل المسلّحة، وصولاً إلى حلّها ودمجها بالقوات الأمنية. وكثيراً ما صُدّرت «السرايا» نموذجاً يمكن البدء منه في إطار هذه العملية. وعلى رغم أن معظم قادة الفصائل زاروا الحنانة عام 2016، إلا أن ذلك لم يحمل الصدر على التراجع عن مطلبه، بل إنه اشترط على رئيس الوزراء، عادل عبد المهدي، وحكومته (مع التكليف وبعد التأليف)، تنفيذ «خطّة دمج الفصائل بالمؤسسة العسكرية». واستجابة لتلك الضغوط وغيرها، أصدر عبد المهدي «الأمر الديواني 237»، الذي ينص على إيجاد هيكلية جديدة لـ«الحشد»، تضمن انسجامه مع الجيش والقوى الأمنية، مع تغييب (حتى الآن) لدور نائب رئيس «الهيئة» أبو مهدي المهندس. قرار رحّب به الصدر على طريقته، بإلغائه مسمّى «السرايا»، وحلّ نظامها الداخلي الخاص (لم يطبّق ذلك). لكن العارفين يدركون جيداً أن الجسم العسكري لـ«التيار» جزءٌ من وجوده، ما يجعل من الصعوبة بمكان إلغاءه أو فصله عن مصدر صناعة قراره.



سامراء... حصن «السرايا»
لـ«سرايا السلام» هيكل مختلف عمّا هو داخل «هيئة الحشد الشعبي». إذ إنها تتضمن 3 فرق، كل فرقة تتشكل من 4 ألوية، وكل لواء يتكون من 4 أفواج، فيما الفوج الواحد يتألف من سرايا عدة. كل هذه التشكيلات لها مواقعها ومقارها ومخابئ أسلحتها من البصرة جنوباً حتى سامراء شمالاً (بعد تحرير جرف الصخر عام 2014، انكفأت «السرايا» على نفسها في محيط سامراء) الواقعة تحت هيمنة «السرايا» بشكل كامل، التي تشاركها النفوذ في «عتباتها المقدسة» «المرجعية العليا» في النجف، في حالة فريدة من نوعها. مع بدايات تشكيل «السرايا»، كان منتسبوها يعاقَبون عند الخطأ بالنزول مُجازين إلى بيوتهم؛ باعتبار الإجازة أمراً يسوءهم، إذ إنهم يحبون الاستمرار في القتال تحت إمرة قائدهم مقتدى، إلى حدّ أن بعضهم باع هاتفه المحمول لشراء سلاحه والالتحاق بالمعارك.