تمثل الحزَم «الإصلاحية» التي أعلن عنها رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، لاستيعاب الحراك المطلبي، تحدّياً جدياً أمام حكومته، قد يفضي الفشل في مواجهته إلى «حراك أقسى من السابق»، بحسب ما حذرت منه «المرجعية الدينية العليا» (آية الله علي السيستاني) في بيانها الأخير. وهو حراكٌ قد لا يبقى من دون غطاء سياسي في ظلّ تلميح «التيار الصدري» إلى وجود «وقفة جادة... إن فشل نوّاب سائرون في إصلاح ما أُفسد». وفي هذا الإطار، لا تستبعد الأوساط السياسية عودة «الصدريين» إلى الشارع، تحت راية المطالبة بـ«الإصلاح».

استعجال عبد المهدي الإعلان عن «حزم إصلاحية وقرارات كبرى» وصلت الى حدّ التعديل الحكومي أثار تساؤلات كثيرة، من بينها: لماذا لم تُطرح هذه الإصلاحات سابقاً منعاً لتدحرج الأمور نحو الأسوأ؟ الواضح أن رئيس الوزراء يريد امتصاص الغضب الشعبي بأيّ طريقة كانت، حتى ولو عبر «تغيير حكومي كبير» جرى طرحه في لقاء الرئاسات الثلاث مع الكتل النيابية، والذي انعقد إبان اندلاع التظاهرات. في اللقاء المذكور، أشار عبد المهدي، بحسب مصادر حضرت الاجتماع، إلى أن تغييراً سيطاول أكثر من 10 وزارات، لكن «نصيحة» أُسديت لاحقاً إلى الرجل بأن «التسرّع» في التغيير في ظلّ الظروف الحالية قد يؤدي إلى إسقاط الحكومة برلمانياً، ولا سيما أن السلطات تبنّت ــــ في تعاطيها مع الحراك الأخير ــــ رواية «الفتنة» التي جوبهت بـ«الحفاظ على الحكومة وتعزيزها».

وزير الصحة الجديد جعفر علاوي زار العراق مرات عدة منذ عام 1975


مع ذلك، فاجأ عبد المهدي الكتل النيابية بكتابه الداعي إلى التصويت على 4 وزارات هي: التربية، الصحة، الاتصالات والهجرة والصناعة. في ما يتصل بحقيبة التربية التي لا تزال شاغرة منذ قرابة عام، تم التصويت على تولّيها من قِبَل سهى حسين علي بيك، بعد توافق بين عبد المهدي والأمين العام لـ«المشروع العربي» خميس الخنجر، ورئيس البرلمان محمد الحلبوسي. كذلك، قَبِل البرلمان استقالة وزير الصحة علاء الدين العلوان، وصادق على تولّي الحقيبة (تُعدّ من حصة «التيار الصدري») من قِبَل جعفر صادق علاوي، الذي غاب عن الجلسة. لا معلومات كثيرة عن سيرة علاوي، سوى أنه انتقل من العراق عام 1975، واستقرّ في العاصمة البريطانية لندن، ولم يزر بلاده إلا مرات عدة منذ عام 2003. وبحسب معلومات «الأخبار»، فإن الوزير طاعنٌ في السن، والمرجح أن «لا يُكمل ولايته... بل أن يستقيل كما سلفه». علاوي، وهو قريب زعيم «القائمة الوطنية» إياد علاوي، قُدّم على أنه مستقلّ ولا ينتمي إلى أي حزب. والطريف في مسألة تعيينه أنه لدى اتصال المعنيين به في مكتب عبد المهدي به فجر أمس، للطلب إليه القدوم إلى بغداد، قال: «لست فارغاً... سأعود إلى العراق عندما أفرغ».
أما الوزراء الثلاثة الذين فشل عبد المهدي في إمرارهم بفعل انكسار نصاب الجلسة، فهم: أمير البياتي، المحسوب على «ائتلاف دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، والذي قُدّم بديلاً من وزير الاتصالات الحالي نعيم الربيعي؛ نوفل موسى، «شبه المستقل»، والذي رُشّح لوزارة الهجرة والمهجرين بديلاً من هناء عمانوئيل كوركيس القس التي فشل إمرار اسمها سابقاً؛ وقحطان الجبوري، الناطق السابق باسم «سائرون»، والذي طُرح وزيراً للصناعة بدلاً من صالح الجبوري. هذا الطرح الأخير يطرح الكثير من علامات الاستفهام حول جدوى ما يقوم به عبد المهدي، إذ إنه يبدو مراوحة في مربع المحاصصة، التي يُحكى عن أن «التيار الصدري» يحاول استثمار تبعات التظاهرات في تعزيز موقعه فيها.
أيضاً، يُنقل عن أحد الوزراء قوله إن «عبد المهدي لن يجري أي تعديل إلا إذا فرضت عليه الكتل ذلك». وعليه، فإن خطوته الأخيرة تأتي ربما لرفع الحرج عنه، والتأكيد أمام الجميع أنه ساعٍ إلى إجراء تعديلات تطاول عدداً من وزرائه. لكن التغيير جاء على حساب «فاقدي الدعم... أي الوزراء الأضعف... ولم يشمل الوزراء الأقوى»، تقول مصادر «الأخبار»، موضحة أن عبد المهدي لم يقترب من أولئك الذين يحظون بدعم سياسي ــــ طائفي كبير، بل طاولت تعديلاته وزيرين محسوبين على «الأقليات» (الاتصالات من حصة الكرد الفيليين، والهجرة من حصة المسيحيين). كذلك، لم يطل التغيير المقترح وزراء تحوم حولهم شبهات الفساد، الأمر الذي يجيز الشك في قدرة عبد المهدي على تحويل «مديرين كبار بتهمة الفساد إلى المحاكم في غضون أسبوع»، كما وعد. يضاف إلى ما تقدم أن خطوة عبد المهدي تستبطن استرضاءً لعدد من الكتل، كـ«دولة القانون» و«سائرون»، فيما الكتل الأخرى لم تكن راضية عن خطوته، لذا انسحبت مباشرة عقب إمرار الحقيبتين الشاغرتين، ليُرجَأ أيّ حديث عن تبديل الوزارات الثلاث المتبقية حتى الـ 24 من الشهر الجاري.