يدخل العراق مرحلة جديدة، بعد رفع «المرجعية الدينية» في النجف سقف ضغطها الذي يُفسَّر على أنه مهلة أخيرة لحكومة عادل عبد المهدي، على وقع الاحتجاجات الشعبية. تسعى القوى السياسية في بلورة خارطة طريق للخروج من الأزمة، كما فعل «المكوّن الشيعي» في اجتماع طرح «مسوّدة» إصلاحات لإحداث «صدمة إيجابية» في الشارع. في الأثناء، يتصاعد نقاش السيناريوهات للتوصل إلى قانون جديد للانتخابات يرث قانون «سانت ليغو» الشهير.

لا يزال البحث عن حلول للأزمة السياسية التي يشهدها العراق مستمراً، في ظلّ سعي الأطراف كافة إلى استعادة ثقة «المرجعية الدينية العليا» (آية الله علي السيستاني) والشارع الغضِب، وتأكيد جدّيتها في تنفيذ الإصلاحات. وفي هذا الإطار، علمت «الأخبار» أن القوى السياسية «الشيعية» عقدت قبل يومين لقاء ضمّ معظمها باستثناء «كتلة سائرون» (المدعومة من زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر) في منزل زعيم «تحالف الفتح» هادي العامري، حيث اتفق المجتمعون على مسودة تضم حزمة إصلاحات خدمية وإدارية، تستجيب لدعوة «المرجعية» إلى إحداث «صدمة إيجابية». هذه المسودة ستُعرض، وفق المعلومات، على بقية القوى «السنّية» و«الكردية» من أجل التوافق عليها، على أن يسلّمها زعيم «تيار الحكمة»، عمار الحكيم، إلى عبد المهدي. وتشير المعلومات إلى أن الحكيم سيطلب من رئيس الوزراء تحديد جدول زمني واضح لتنفيذ الإصلاحات، مقابل أن تؤدي القوى السياسية دور «الرقيب» على تنفيذها. ويحيط المعنيون بنود المسودة بتكتّم شديد بناءً على اتفاق في ما بينهم، مؤكدين في الوقت نفسه أنها «تحمل رؤية إيجابية ومهمة جداً».
مع ذلك، وعلى الرغم من استمرار اللجان النيابية في تشريع قوانين إصلاحية، لا يبدو أن ثمة ثقة في تنفيذ الخطوات الموعودة، في ظلّ استمرار الارتهان للعبة المحاصصة في أيّ مشروع، ما أفقد الحكومة ومؤسساتها المختلفة هيبتها. وفي هذا الإطار، تختصر مصادر مطلعة المشهد العراقي بالقول إن «أداء الحكومة الإصلاحي سلحفاتي». وإذ تُذكِّر بحديث «المرجعية» أمام رئيسة بعثة الأمم المتحدة في العراق جينين هينيس بلاسخارت قبل يومين عن أنها «لم تجد آذاناً صاغية لدى المسؤولين لمعالجة تفاقم الفساد المالي والإداري، وسوء الخدمات العامة، وغياب العدالة الاجتماعية»، فهي تُبدي قلقها من افتقاد الجهات المعنية «الجدية الكافية في تنفيذ أيّ إصلاح حقيقي»، من دون أن تقطع «الأمل» بأن «يكون هناك إصلاح في مدّة معقولة».

المطّلعون على أجواء النجف يتحدثون حالياً عن مهلة لا تتجاوز ثلاثة أسابيع


وفي الحديث عن الصعوبات التي تعترض عملية الإصلاح، تتم الإشارة إلى مستويين: الأول، افتقاد الأطراف المعنية طيلة السنوات الماضية إرادة حقيقية في التغيير، الأمر الذي يحتاج كسره إلى «صدمات» سريعة؛ والثاني، تضارب الرؤى الإصلاحية بين الحكومة والبرلمان والقوى السياسية، فضلاً عن إحجام النخب والشارع عن تحديد مطالب واضحة أو آليات بديلة. كذلك، وعلى الرغم من أن الأزمة لا يمكن حصرها بالفريق الإداري لرئاسة الوزراء، إلا أن البعض يتحدث عن ضعف الأدوات التنفيذية المساندة لرئيس الوزراء في تنفيذ أيّ قرار حكومي، كعائق أساس أمام العمل. ولذا، ثمة مَن يدفع في اتجاه إحداث تغيير داخل الفريق الخاص بعبد المهدي، علماً أن هذه المواقف والتحركات تظلّ أقرب إلى التجاذبات السياسية منها إلى ما يرتبط بمتطلّبات الإصلاحات، خصوصاً وأن موقع مدير مكتب رئيس الوزراء تحديداً يسيل - لأهميته - لعاب مختلف القوى السياسية حتى يكون من حصتها.
«المرجعية»، في بيانها الأخير، حذّرت من أنه ما لم تكن «السلطات الثلاث قادرة على إجراء الإصلاحات اللازمة... فإن هذا يفرض التفكير بسلوك طريق آخر»، ما يعني التلويح بموقف أكثر صرامة في حال التلكؤ أو العجز عن تنفيذ الإصلاحات. موقفٌ قد يصل إلى حدّ رفع الغطاء كلياً عن هذه الحكومة، ما قد يضعها على محكّ الرحيل قبل إتمامها عامها الثاني. وإذا كانت التسريبات السابقة تتحدث عن منح «المرجعية» المسؤولين مهلة ثلاثة أشهر للوفاء بوعودهم، فإن المطلعين على أجواء النجف يتحدثون حالياً عن مهلة لا تتجاوز ثلاثة أسابيع للمس تغيير جدي وحقيقي في طريقة إدارة الأمور. إزاء ذلك، يمكن القول إن الاستمرار في الأداء السابق (وإن تحسّن خلال الأيام المقبلة وأسفر عن تهدئة مؤقتة للشارع)، سيفتح الباب واسعاً أمام حراك أقسى من الحراك الحالي، ربما لن تكون أمام القوى السياسية في ظلّه فرصة استنقاذ نفسها.