بغداد | جدّدت «المرجعية الدينية العليا» (آية الله علي السيستاني)، في خطبتها، أمس، موقفها من الحراك الشعبي المتواصل في البلاد منذ الأول من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. موقفٌ يتمحور حول ضرورة الإسراع في تنفيذ المطالب الإصلاحية بالأطر القانونية والآليات الديموقراطية. وهو ما أرفقته «المرجعية»، مثلما فعلت في بيانات سابقة، بالتنبيه إلى أن تلك الدعوة «واجبة التحقق اليوم قبل الغد». ذلك أن ثمة فرصة سانحة اليوم، قد تكون الأخيرة، لإصلاح ما أفسدته الطبقة الحاكمة.

النقاط الخمس، التي أوردها البيان الأخير، تَرجمت ما نُسب إلى السيستاني قبل أيام، خلال لقائه رئيسة بعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي)، من أن «المتظاهرين لن يعودوا إلى منازلهم قبل تحقيق مطالبهم» (على الرغم من أن بيان «المرجعية» الصادر في شأن ذلك اللقاء لم يحمل تلك العبارة). إذ إنها شددت على أن «ما قبل 1 تشرين الأول/ أكتوبر ليس كما بعده»، محذرة من «التهرب من استحقاقات الإصلاح الحقيقي بالتسويف والمماطلة». وإذ دعت إلى مساندة المحتجين (على نحو ما فعلته العتبتان الحسينية والعباسية الأسبوع الماضي في مدينة كربلاء)، فهي شددت على التمسّك بسلمية التظاهرات، وإدانة أيّ اعتداء على المتظاهرين والقوات الأمنية والمنشآت الحكومية والممتلكات الخاصة، داعية إلى ملاحقة ومحاسبة كلّ من تورّط في ذلك. وفي الاتجاه التحذيري نفسه، أكدت «المرجعية» رفض أيّ تدخل خارجي، لأن «معركة الإصلاح معركة وطنية... والعراقيون يتحملون أعباءها»، فضلاً عن أن «التدخلات الخارجية المتقابلة تنذر... بتحويل البلد إلى ساحة للصراع وتصفية الحسابات... والخاسر هو الشعب».

ركّز البيان على ضرورة تغيير «المفوضيّة العليا المستقلة للانتخابات» وقانون الانتخابات


أما في شأن خطوات الإصلاح، فقد ركّز البيان على ضرورة تغيير «المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق» وقانون الانتخابات، داعياً إلى الإسراع في إقرار قانون منصف «يعيد ثقة المواطنين بالعملية الانتخابية، ولا يتحيّز للأحزاب والتيارات السياسية، ويمنح فرصة حقيقية للتغيير»؛ ما يعني أن «المرجعية» تأمل اعتماد قانونٍ يسمح بتمثيل أكبر شريحة ممكنة من المرشحين المستقلّين، بعيداً عن التحالفات الحزبية الواسعة، وخصوصاً أن القانون الحالي المعتمد يخدم الكبار لا الصغار، وأن ما سُرّب من قانون مقترح بديل له يُبقي على هذه المعادلة نوعاً ما. وعليه، فإن إقرار أيّ قانون لا يمنح مثل هذه الفرصة للناخبين «لن يكون مقبولاً» وفق ما جاء في البيان، الذي طالب بـ«إقرار قانون جديد للمفوضية، للوثوق بحياديتها ومهنيتها، وحتى تحظى بالصدقية والقبول الشعبي». وعلى الرغم من أن «المرجعية» كانت قد تعمّدت استخدام مصطلح «دورية» في حديثها عن الانتخابات، بما يستبطن رفضاً لأي انتخابات مبكرة، إلا أن البعض يذهب إلى أنها «تسعى إلى الضغط لإمرار قانون جديد، ومن ثم الدعوة إلى إجراء انتخابات نيابية مبكرة»، في خطوة قد «تقلب من خلالها الطاولة على الجميع». لكن تلك التفسيرات ليست في نظر آخرين سوى محاولات تهويل واستثمار، لفرض شروط في إطار المفاوضات القائمة بين الكتل للخروج من الأزمة.
أزمةٌ أعادت «المرجعية»، في بيانها أمس، رسم الشكوك في شأن جدّية القوى السياسية في حلّها. ولذا فهي ذكّرت بأربعة أهداف لا بدّ من تنفيذها من أجل استعادة الثقة المفقودة، وهي: ملاحقة كبار الفاسدين، استرجاع الأموال المنهوبة، إلغاء الامتيازات لكبار المسؤولين، الابتعاد عن المحاصصة والمحسوبيات في تولّي الدرجات الخاصة. ومع أن الحزم الإصلاحية التي أطلقها رئيس الوزراء، عادل عبد المهدي، تطرّقت إلى تلك النقاط، إلا أن افتقادها جدولاً زمنياً واضحاً، فضلاً عن غياب أيّ خطوة جدّية إلى الآن في اتجاهها، يطرح الكثير من علامات الاستفهام حول مصيرها.