بغداد | لا جديد على خطّ التأليف الحكومي. اللقاءات والنقاشات مستمرة، من دون أن تُسفر عن تكليف مرشحٍ بديلٍ من عادل عبد المهدي، لرئاسة الحكومة. الساعات الماضية زخرت بالكثير من الأحداث: محاولة فاشلة استهدفت بيت مقتدى الصدر في النجف، و«قلقٌ» أوروبي من استهداف المتظاهرين ووقوع أي اعتداء عليهم وعلى القوات الأمنية، وخصوصاً بعد الليلة الدامية التي شهدتها ساحة الخلاني وجسر السنك، وسط العاصمة بغداد. تضارب الروايات إزاء ما جرى، دفع «الحشد» إلى إصدار «روايةٍ» سُرعان ما سُحبت من التداول، إذ حملت إقراراً بمشاركة بعض «أبناء الحشد» في أعمال العنف التي وقعت، نتيجة سوء تنسيق في ما بينها وبين القوات الأمنية. وسبق «الرواية»، اشتباكٌ كلاميٌّ ــــ غير مباشر ــــ بين فالح الفيّاض ومقتدى الصدر، بعد إصدار الأوّل قراراً يعني به أنصار الثاني. مشهدٌ يُنذر بالتشاؤم، وسط تحذيراتٍ جديّةٍ بعودة مشهد «الفوضى والدم» خلال الأيام المقبلة.

عودة إلى الهدوء «النسبي»، بعد ليلة السبت الدامية، والتي راح ضحيتها 9 قتلى وأصيب 100 آخرون، في ساحة الخلاني وجسر السنك، وسط العاصمة العراقية بغداد. الروايات المتداولة متضاربة. ثمّة من يحمّل «هيئة الحشد الشعبي» وفصائل المقاومة مسؤولية ما جرى؛ في المقابل، ثمة من يذهب إلى القول إن «إشكالاً فرديّاً وقع، سرعان ما تطوّر إلى مواجهةٍ دامية، أسفرت عن سقوط هذا العدد من الضحايا، بعد استقدام تعزيزاتٍ مسلّحة إلى الساحة». أمام هذا التضارب، وعجز «القوات الأمنية» عن تقديم رواية «متكاملةٍ» لما وقع، تعود إلى واجهة المشهد تحذيرات مختلف القوى، المحلية منها والإقليمية، من خطر الانزلاق إلى الفوضى، وتعبيد الطريق أمام العنف مجدّداً، وإغراق المحافظات الجنوبية ــــ تحديداً ــــ في بحرٍ من الدماء.
«الحشد»، وفق معلومات «الأخبار»، ودرءاً لأي اتهام، فضّل «مصارحة» الشارع، مصدِراً بياناً شرح فيه ما جرى مساء الجمعة 6 كانون الأوّل/ ديسمبر الجاري. البيان أكّد «هيمنة مجاميع مخرّبة على مرأب السنك، كانت تخطّط لاستفزاز المتظاهرين ومنعهم من الوجود في بناية المرأب، حيث تعرّض عددٌ من السلميين لاعتداء بالسكاكين والأدوات الجارحة وقنابل المولوتوف لحرق المكان، عدا عن اختطافهم 23 متظاهراً سلميّاً»، مضيفاً إن «عدداً من الموجودين هناك، استنجد بالقوات الأمنية والحشد، الذي استجاب أبناؤه للتدخل نتيجة الفراغ الأمني وغياب سلطة الدولة، غير أن إطلاق نار كثيف وجّه صوب المتظاهرين ومجموعة الحشد، أوقع عدداً من الضحايا». وتابع البيان أن «الموقف تطوّر إلى صدامات متقابلة، لإنقاذ المتظاهرين المخطوفين وكذلك المحاصرين داخل المرأب، عندها قام المخرّبون بنقل المختطفين إلى بناية المطعم التركي (ساحة التحرير)، مع انشغال أبناء الحشد بإنقاذ المحاصرين في المرأب»، مشيراً إلى أنّه «نتيجة الوجود الكثيف لسرايا السلام (الذراع العسكرية لـ«التيّار الصدري» بزعامة مقتدى الصدر)، وما يعرف بالقبعات الزرق، إضافةً إلى أن بعضهم يحمل السلاح، ومع غياب التنسيق، اشتبك الجميع بالنيران، ما عقّد المشهد وتسبّب في سقوط عددٍ من الضحايا في صفوف الطرفين». وخُتمت «الرواية» بالقول إنّ «القيادات الأمنية وقيادات الحشد، تواصلت مع جميع الأطراف، وعقدت اجتماعاً بين قيادات سرايا السلام والأمن الوطني وعمليات بغداد، انتهى بالاتفاق على سحب قوات السرايا والقوّة التي تدخّلت لإنقاذ المختطفين». ودعا البيان إلى ضرورة «توجّه القوات الأمنية إلى بناية المطعم التركي، لما يشهده من نشاطاتٍ مريبة وممارسات مشبوهة ولا أخلاقيّة، والمباشرة بتفتيشه إلى جانب المباني المحيطة بساحات التظاهر، ومصادرة السلاح الموجود هناك وتحرير المختطفين».

رفض الصدر ــ بطريقةٍ مبطّنة ــ قرار الفيّاض بمنع وجود «الحشد» في ساحات التظاهر


وإن عُدّ البيان إقراراً بوجود «الحشد» في ساحات التظاهر، والمشاركة في أعمال العنف القائمة بمعزلٍ عن الأسباب ومسمّيات «الألوية»، غير أنّه حمل «إدانةً» لـ«سرايا السلام» تحديداً، وما عزّز ذلك، الاشتباك ــــ غير المباشر ــــ الذي وقع بين رئيس «هيئة الحشد» فالح الفيّاض، ومقتدى الصدر. فقبل ساعاتٍ على صدور «رواية الحشد»، سُرّب قرارٌ صادرٌ عن الفيّاض يدعو إلى الالتزام بـ«المهام القتالية، والتي تكون تحت إمرة قيادة العمليات المشتركة»، واعتبار أي «مهمة خارج إطار توجيهات وأوامر هذه القيادة مخالفة يتحمل مرتكبوها المسؤولية القانونية كاملة». وأضاف الفيّاض في قراره «عدم تكليف أي قوة أو تشكيل من تشكيلات الهيئة في دور ميداني في ساحات التظاهر بشكل عام، وساحة التحرير بشكل خاص، وتحت أي عنوان كان كحماية المتظاهرين أو أي ممارسة ميدانية أخرى». مصادر «الأخبار»، أكّدت أن المقصود من هذا القرار «سرايا السلام»، والتي قدّمت نفسها ــــ بأمرٍ مباشرٍ من الصدر ــــ كقواتٍ تحمي ساحات التظاهر والمتظاهرين، بهدف «ركوب الموجة»، واستثمار الزخم الشعبي الموجود «سياسيّاً» وعلى طاولة التفاوض على اسم رئيس الوزراء المقبل.
وفي ردٍّ مباشرٍ وسريع، خرجت «صفحة» صالح محمد العراقي، على منصّة «فايسبوك»، والتي تُعتبر «المتحدث غير الرسمي» للصدر، بمنشورٍ طويل جاء فيه: «لا خيرَ في حشدٍ أنت قائدهُ... فالحشد حشدُ الشعب والوطنِ»، في إشارةٍ واضحة إلى رفض الصدر قرار الفيّاض وتوجيهاته، عدا عن «ترجمة» لسوء العلاقة التي تجمع الشخصيتين. هذا الاشتباك، والذي تزامن مع استمرار توافد المحتجين إلى ساحات التظاهر في بغداد، وسط أجواءٍ هادئة نسبيّاً، وقبل ساعاتٍ على تظاهرةٍ دعا إليها ناشطون غداً الثلاثاء، في ظل تحذيراتٍ جديّةٍ من تدهور المشهد الأمنيّ الهش، جاء مع فرض القوات الأمنية إجراءات مشدّدة، حيث أغلقت ثلاثة جسور رئيسية عند مواقع التظاهر، لمنع وصول المتظاهرين إلى «المنطقة الخضراء»، حيث مقار الحكومة والبرلمان والسفارات الأجنبية، بالتزامن ــــ أيضاً ــــ مع استمرار الاحتجاجات في عددٍ من المدن الجنوبية، منها الناصرية والحلة والديوانية والكوت والنجف.



الخزعلي: بقاء النظام البرلماني لا يحقّق الإصلاح
سَخِر الأمين العام لـ«حركة عصائب أهل الحق»، قيس الخزعلي، من العقوبات الأميركية المُفروضة عليه أخيراً بتهمة قمع المتظاهرين وقتلهم، مؤكّداً وجود «أيادٍ عميلة... مُسيَّرة من حيث تعلم أو لا تعلم من قِبل المخابرات الأميركية والإسرائيلية»، متهماً واشنطن وتل أبيب وأبو ظبي والرياض بـ«التورّط بدماء العراقيين في أحداث تشرين». وأسف الخزعلي، في كلمة له، لعجز الحكومة المستقيلة «عن إدارة الوضع لأنها حكومة تصريف أعمال»، لافتاً إلى أن «الكلام يدور حول اختيار رئيس الوزراء البديل، لكن الموقف القائم على رفض كلّ شيء» يؤثر سلباً. وتوقع أن تكون الحكومة المقبلة «حكومة مؤقتة لفترة ستة أشهر أو سنة، ووظيفتها الإعداد للانتخابات وضبط الملف الأمني وإقرار الموازنة»، مرجّحاً أن لا «تكون كاملة، وإنما من عدد مختصر من الوزراء، وبذلك لن تكون محلّ خلاف». ورأى أن «بقاء النظام البرلماني لا يحقّق أيّ إصلاح حقيقي»، لافتاً إلى أن «النقاشات طرحت إمكانية تحويل النظام من برلماني إلى رئاسي أو شبه رئاسي»، مضيفاً إن هناك «طرحاً ببقاء النظام نفسه مع تعديل بعض الفقرات، بحيث يُنتخب رئيس الوزراء مباشرة من الشعب، وتُنقل صلاحيات البرلمان إليه، وبالتالي نخرج من سيطرة الأحزاب والقوى السياسية».