بغداد | «الإدارة الأميركيّة عازمةٌ على سحب قواتها العسكريّة المنتشرة على طول الخريطة العراقيّة أواخر العام الجاري»، هذا ما ينقله البعض عن رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، والمقربين منه. يقول هؤلاء إن التوجّه الأميركي يقضي بخفض العديد إلى نحو 1800 جندي، وحصر وجودهم في عدد محدود من القواعد العسكريّة «المشتركة» مع القوّات العراقيّة (5 قواعد على أكثر تقدير في العاصمة بغداد، إضافة إلى المناطق الغربيّة والشماليّة). هذا العزم مقرونٌ بـ«الهدوء»، لأن واشنطن بتأكيد أكثر من مصدرٍ أمنيّ رفيع ترغب في «انسحاب يحفظ ماء وجهها»، وترفض أي انسحاب بـ«القوّة أو تحت النار».

هنا، يبرز الحوار الاستراتيجي العراقي ــ الأميركي. ثمّة من يعلّق الآمال على نجاحه، في بغداد وواشنطن وبعض الدوائر المعنيّة بالمشهد العراقي في طهران. حوارٌ من شأنه صياغة جدول يحدّد آلية انسحاب قوات الاحتلال وتوقيت ذلك. ومن شأنه أيضاً حسم صيغة «التفاهم الأمني» بين الجانبين، والأدوار/المهام المنوطة بالقوّة الباقية في «بلاد الرافدين». الكاظمي، كما يُنقل، عازمٌ هو الآخر على إنجاز هذا الاستحقاق قُبيل الانتخابات التشريعيّة المبكرة. فإنجازٌ مماثلٌ يُعدّ «طمأنة مزدوجة» لقطبي الصراع في العراق: واشنطن وطهران. هو في الوقت عينه يضمن للأولى نفوذاً سياسيّاً وأمنيّاً في البلاد، ويزيل عن الأخيرة هاجس انتشار قوّات الاحتلال (الأميركي) عند حدودها الغربيّة. هكذا، يكسب الكاظمي ورقة رابحة تُضاف إلى أوراق أخرى يسعى إلى امتلاكها، ويستند إليها في طريق الظفر بـ«الولاية الثانية».
لكن ماذا يجري؟ سؤال يفرض نفسه تزامناً مع الحوادث الأمنيّة الأخيرة التي استهدفت قوات الاحتلال قبل أيّام في محافظة الديوانيّة جنوب العاصمة، وأمس في محافظة صلاح الدين شمالها. أسلوبان مختلفان والتنظيمان وليدان لكن الهدف واحد: أرتال تنقل دعماً لوجستيّاً للقوّات الأميركية. «سرايا ثورة العشرين الثانية» تبنّت العمليّة الأولى، أما تنظيم «أصحاب الكهف»، فأعلن (أمس) تدميره رتل دعم لوجستيّ كبيراً بعبوات ناسفة مع توابعه من حمايات أمنية أجنبيّة. مصادر أمنيّة رفيعة ترفض هذه «التسميات» الجديدة، موضحة أنها «محاولات لتمويه الفاعل الحقيقي». تقول إن التنظيمات الوليدة ليست سوى «واجهات» للفصائل العاملة في الميدان منذ سقوط البلاد بيد الاحتلال في نيسان/أبريل 2003. ثمة من يذهب إلى أن قرار الفصائل «العلني» مغايرٌ لـ«الفعلي»، أي القاضي بـ«فتح مواجهة مع الأميركيين قُبيل انسحابهم، لإحراج الكاظمي والقضاء على مسار يرسمه الرئيس بعناية».

ربما تعقّد العمليات وضع المفاوضات وتدفع واشنطن إلى التمسّك بالبقاء


في المقابل، ترفض وجوه «فصائليّة» بارزة هذا الاتهام، وتؤكّد جاهزيّتها لأيّ مواجهة مع قوات الاحتلال، لكنّها تنفي أي حديث عن «توجّه ما» يدعو إلى تفعيل العمليات ضد المحتل. هذه الوجوه لا تخفي انزعاجها من أداء الكاظمي عموماً، و«مماطلة حكومته في صياغة جدول انسحاب الاحتلال» خصوصاً. أمام هذا المشهد، ترحّب هذه الوجوه بالعمليّات الجارية (تحديداً التي استهدفت المصالح الأميركيّة منذ اغتيال نائب رئيس «هيئة الحشد الشعبي»، أبو مهدي المهندس، وقائد «قوّة القدس» في «حرس الثورة» قاسم سليماني، ورفاقهم، مطلع العام الجاري)، بوصفها ورقة ضغط على الإدارة الأميركيّة، من شأنها أن تُسرّع قرار الانسحاب، وتصبغه بمزيد من الجديّة في التنفيذ.
كذلك، ثمة من يقول من المطلعين على مناخ الفصائل إن العمليّات الأخيرة تحمل أسلوباً مختلفاً، خاصّة بعد المناورة الأخيرة لقوّات الاحتلال التي تُحاكي هجوماً على سفارته وسط «المنطقة الخضراء». قضى الأسلوب الجديد بالابتعاد عن المصالح «الثابتة»، والاحتكاك بالمصالح «المتحركة»، أي قوافل الإمداد اللوجستي. يؤكّد هؤلاء أن الرسالة من هذه العمليّات ليست «إيلام الأميركي فقط، بل إشعاره بصعوبة البقاء في العراق، ودفعه إلى الخروج تحت النار وليس عن طريق التفاوض». هذه العمليّات، وفق مصادر رسميّة بارزة، قد تعقّد المباحثات بين بغداد وواشنطن، وربما تدفع الأخيرة إلى التمسّك بالبقاء، وهذا ما يخشاه الكاظمي الساعي إلى توازن بين الإدارتين الأميركيّة والإيرانيّة. المصادر تؤكّد أن الكاظمي، في زيارته المرتقبة لطهران الأسبوع المقبل، سيطرح هذا البند أمام المعنيين هناك، لإيجاد حلّ لهذا «الانفلات الأمني»، فـ«ضمان مصالح إيران في العراق يفرض ضبط بعض الحلفاء المشاغبين»، تقول المصادر.