ما المقصود بالنظام النقدي؟ كيف يعمل؟ وما هي أهدافه الحقيقية؟

النظام النقدي هو مجموعة المؤسّسات والقواعد التنظيمية التي تنشئها الحكومات لإصدار النقد وإدارته، فكلّ دولة هي بحاجة إلأى نظام نقدي لخدمة سهولة التبادلات الداخلية والتبادلات مع الخارج. هذه المهمّة مكلفة بها قانوناً المصارف المركزية، وهدفها الحفاظ على استقرار العملة وقيمتها وقوّتها الشرائية، وتأمين استقرار الأسعار وعدم الوقوع في حلقات تضخّمية، والمحافظة على تنافسية الاقتصاد وتأمين حاجاته من السيولة بأسعار مقبولة. ولتحقيق ذلك، يستعمل المصرف المركزي أدواته المعروفة، أي طبع العملة وتحديد سعر الصرف وأسعار الفائدة.
في السابق، كانت المصارف المركزية خاضعة لمراقبة الدولة، لكن مع بروز النيوليبرالية وحركة العولمة، شهدنا تطوّرات عالمية الطابع خلال الثلاثين سنة الماضية، أمّنت استقلالية شاملة ومطلقة للمصارف المركزية التي أصبحت خارج أي محاسبة أو مراقبة، وغير خاضعة لأي توجيه من المجلس النيابي أو وزارة المالية، باستثناء الولايات المتحدة الأميركية حيث البنك المركزي لا يزال مسؤولاً أمام الكونغرس. في الحصيلة، لم تعد هذه المصارف معنية بالتنمية الاقتصادية، وباتت مهمّتها محصورة بالحفاظ على استقرار الأسعار ومنع التضخّم وتأمين سلامة القطاع المصرفي المحلّي.

لماذا علينا أن نهتم بكلّ ذلك؟ وما تأثيره علينا كمجتمع وأفراد واقتصاد؟
ينطوي النظام النقدي على أهمّية كبيرة لما له من تأثيرات مباشرة على التركيبة الاجتماعية والاقتصادية، فهو ليس مجرّد أدوات نقدية يستعملها البنك المركزي لتحقيق الأهداف المذكورة، بل هو سياسة بحدّ ذاتها، ولها انعكاساتها الاجتماعية والاقتصادية. فكما ذكرت، يعمل النظام النقدي عبر تحديد سعر الصرف وأسعار الفائدة وطبع العملة، وقد شهدنا في لبنان الآثار المترتبة عالى ذلك في مراحل مختلفة.
قبل الحرب، كان هناك حرّية مطلقة في سوق القطع، ولم يكن البنك المركزي يتدخّل في تحديد سعر الصرف. كانت الليرة تتحسّن قيمتها لأنها كانت مطلوبة، وكان ميزان المدفوعات يسجّل فوائض ناتجة عن تحويلات المغتربين وحركة التصدير النشطة بمعدّل 800 مليون دولار سنوياً، إذ كانت الصادرات اللبنانية تستمدّ قوّتها وقدرتها التنافسية من قوّة سعر صرف الليرة، خصوصاً أن الصناعات اللبنانية خفيفة وتحويلي، وجزء كبير من أكلافها هو من المدخلات الخارجية، فكلما تحسّن سعر الصرف انخفضت هذه الأكلاف وزادت القدرة التنافسية للصناعات اللبنانية. ونحن بطبيعة الحال، نسينا هذه الفترة من الازدهار اللبناني الكبير في الخمسينيات والستينيات.
أمّا في فترة ما بعد الحرب، فقد استعمل المصرف المركزي أدواته، أي طبع العملة وتحديد سعر الصرف وأسعار الفائدة، لمساعدة المصارف، التي خرجت منهكة من الحرب، في إعادة تكوين رساميلها والتوسّع، لكن من دون أن تدفع شيئاً من أموالها الخاصة، بل من خلال الفوائد العالية التي مُنحت على سندات الخزينة. كخطوة أولى، تمّ تثبيت سعر الليرة مقابل الدولار. ومن ثمّ حدّدت أسعار مرتفعة على سندات الخزينة بالليرة وصلت إلى 40%، فيما الفائدة على الدولار راوحت بين 5 و6%. لقد سمح ذلك باستدانة الدولارات بفوائد متدنية، ومن ثمّ توظيفها بالليرة في سندات الخزينة لقاء فوائد مرتفعة جدّاً، وعند استحقاق هذه السندات كانوا يقبضونها مع فوائدها المرتفعة، فيدفعون فرق الفائدة بين الدولار والليرة، ويحوّلون الفارق إلى الدولار ويراكمون الثروات. ونتيجة استمرار سياسة تثبيت سعر صرف الليرة وطبع العملة ورفع أسعار الفائدة، كان يدرك المودعون والمدينون أن سعر الصرف لن يتغيّر، وأن لا فارق بين الليرة والدولار عملياً، وأنه لا مخاطر على عمليات المضاربة التي يقومون بها.
لقد أسهم هذا النظام النقدي في إغناء فئات وإفقار فئات أخرى، وكذلك أضعف الصناعات نتيجة سياسات عديدة، من ضمنها رفع أسعار الفائدة التي رفعت كلفة التسليفات أيضاً وقتلت الاستثمار وحوّلتنا إلى اقتصاد ريعي، واليوم نشهد على صناعات تكافح للاستمرار. فمنذ دخلنا فترة الإعمار، بتنا نعيش في ظلّ نظام مضاربات مستمرّ إلى اليوم، وبتشجيع من البنك المركزي، من خلال الفوائد العالية التي تُمنح لقاء إيداع موجودات المصارف لدى مصرف لبنان، وقد وصلت إلى 50% من مجمل موجودات المصارف، ولقاء تمويل الدولة عبر سندات الخزينة بفوائد عالية أيضاً، وتمويل القطاع الخاص بفوائد مرتفعة أيضاً.

أليست هذه هي وظيفة البنك المركزي؟ أليس من واجبه أن يسخّر الأدوات النقدية والهندسات المالية لتحييد النقد الوطني عن تأثيرات السياسة وغيرها؟
النظام النقدي هو سياسة بحدّ ذاته. السياسة النقدية هي عمل مؤسّساتي، وفي حال لم تأخذ بالاعتبار المشاكل الاقتصادية للبلد، فستؤدّي إلى متاعب ومشاكل كبيرة. إن عملية إدارة إصدار النقد تتطلّب من البنك المركزي وعياً كبيراً بالأوضاع الاقتصادية، بحيث لا يسرف في طبع العملة، وبالتالي يسهم في تضخّم الأسعار، ولا يتشدّد في عدم إصدار النقد فيتسبّب في حالة انكماشية كالتي نمرّ بها اليوم، وتؤدّي إلى رفع أسعار الفائدة، ما يحول دون تأمين السيولة للاقتصاد بكلفة معقولة، وكذلك تزيد عجز المالية العامّة من خلال رفع كلفة الاستدانة عليها أيضاً، فيصبح هناك خوف على مصير النقد الوطني.

ألا تُعتبر استقلالية مصرف لبنان في حالتنا أمراً جيّداً لحماية القدرة الشرائية للأسر والودائع في البنوك؟ وألا تعتبرون أن مصرف لبنان أثبت كفاءته في تثبيت سعر صرف الليرة على مدى ربع قرن تقريباً؟
تأمين استقلالية المصارف المركزية منذ بداية التسعينيات أفرز تطوّراً مهمّاً، إذ باتت تهتمّ بتأمين سلامة النظام المصرفي، وهذا أمر جيّد، ولكنها تهتمّ أيضاً بتأمين مستوى عالٍ من الأرباح للمصارف الخاصة، والحرص على أن تستمرّ في تحقيق الأرباح. ونحن رأينا مليارات اليوروات التي «انكبّت» على المصارف في أوروبا بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، ولكن من دون أن تزيد معدّلات النمو الاقتصادي. وهذا هو الحال في لبنان، حيث نتحمّل عبء نظام مصرفي باتت موجوداته أكبر 3 مرّات من الناتج المحلّي الوطني. هذا عبء على الاقتصاد اللبناني، لأن المصارف اللبنانية توسّعت في الخارج، ولكن ليس بالطريقة التي تتيح لها استعمال جزء من موجوداتها لتأمين الأرباح، إذ بات اتكالها لتأمين أرباحها على السوق الداخلية، وصار يناسبها معدّل الفائدة المرتفع، سواء على سندات الخزينة أو على تسليفات القطاع الخاص.
ربّما أثبت مصرف لبنان كفاءة في تثبيت سعر الصرف، لكن هل التثبيت هو بالفعل ميزة إيجابية؟ مفروض بسعر الصرف أن يعكس الوضع الاقتصادي أيضاً، إذا كان الوضع جيّداً يتحسّن سعر الصرف والعكس صحيح. حالياً، وبطريقة اصطناعية، لدينا سعر صرف ثابت ومُكلف ويتمّ تنفيذ الكثير من الهندسات المالية للحفاظ عليه. في حين لو ترك هذا السعر يتقلّب ضمن هوامش أوسع ليعطي إشارات اقتصادية ويستقرّ على المستوى الاقتصادي الذي يفرضه السوق لا البنك المركزي، وخصوصاً في السنوات التي حقّقت فوائض في ميزان المدفوعات بعد الحرب، ربّما لم يكن سعر صرف الليرة مُهدّداً اليوم، وبالتالي كلّ المجتمع. ولم يكن هناك من داعٍ للزيادات الكبيرة التي أعطيت على رواتب الموظّفين، لأن تحسّن سعر الصرف وحده يعطي دعماً اقتصادياً للمستهلك المحلي.

لماذا يوجد خوف من أي تغيير أو إصلاح في النظام النقدي وأهدافه وأدواته؟ هل الخوف مصدره فقط تنامي العجز المالي والدين العام؟ أم له مصادر أخرى ناتجة عن تضخّم الموجودات المصرفية والمديونية الخاصّة وارتفاع تركّز الودائع والتسليفات؟
لا توجد أي نظرة لسياسة بديلة، ولا توجد حكومة تملك الجرأة لخوض هذا الغمار. هناك دائماً نوع من الابتزاز، إذ يقولون إن تغيير السياسة النقدية سيؤدّي إلى انهيار كلّ شيء. وهذه معضلة حقيقية، هل يمكننا تغيير السياسة النقدية في ظلّ الخوف من انهيار سعر الليرة؟
لا شك في أن المديونية العالية وتنامي عجز الميزانية يلعبان دوراً كبيراً في تنمية هذا الخوف، وكذلك النظام المصرفي الذي باتت موجوداته توازي 3 مرّات الناتج الوطني ويشهد تركّزاً كبيراً في الودائع لدى قلّة في مقابل ارتفاع عدد الدائنين من القطاع الخاص. وكلّ ذلك يسير بالتوازي مع عدم وجود بديل، نتيجة تراجع القدرة التنافسية للصناعات الإنتاجية التي كانت تسهم في زيادة العملات الأجنبية في ميزان المدفوعات، وتدهورت بعد كلّ الاتفاقيات التي وقّعت لرفع الحمائية عن المنتجات الوطنية. ولكن ذلك لا يعني أنه ليس هناك جهات ثرية في لبنان، وبالاتفاق مع مصرف لبنان، تسيطر على الإدارة النقدية والمالية في البلد، وهذه الجهات ليست إلّا المصارف ومصرف لبنان وكبار المودعين، وهي تحول دون التفكير في الخروج من النظام القائم.

هل علينا تغيير النظام النقدي الآن؟ ما هو النظام النقدي البديل الذي ترونه مناسباً لتجنّب الانهيار؟ وأي وظائف للبنك المركزي يجب أن يقوم بها في ظروف لبنان وحاجات اقتصاده ومجتمعه؟
حالياً يفترض بنا أن نستعد لقيام نظام بديل، يبدأ بتحفيز القطاعات المُنتجة التي تمتلك قدرة تنافسية وتسهم في زيادة التصدير، وبالتالي تأمين الدولارات بدلاً من سياسة الاستدانة والفوائد العالية، وإعادة العلاقات الطبيعية مع سوريا كونها الممرّ الأسرع لصادراتنا، وتخفيض خدمة الدَّين العام، وتخفيض أسعار الفائدة، ومن ثمّ إضفاء ليونة على سعر الصرف بحيث يتأرجح ضمن حدود أوسع يمكن فتحها بالتدريج.
النظام القائم أدّى إلى ما نحن عليه اليوم من حالة انكماشية يعاني منها الاقتصاد، وزيادة ثراء الفئات الثرية التي استفادت من معدّلات الفائدة العالية وتثبيت سعر الصرف. أمّا الوظيفة التي يجب أن يقوم بها مصرف لبنان فهي المهام المنوطة به، أي تأمين السيولة الداخلية للاقتصاد بأسعار معقولة، وتأمين استقرار الأسعار وعدم الدخول في حلقات تضخّمية.