الحكمة النظرية تكميل للمقدرة الفكرية على أن تعلم، وهي تصنيف للحكمة العملية وتمكين لها بأن تعلم ما يعمل به فتعمل. فالنظرية معرفة رأي، والعملية معرفة رأي هو في عمل، والعلاقة بينهما شرط أساسي لفهم الظواهر الاقتصادية بعد تشخيصها بدقة وفهم عليتها، وبالتالي امتلاك المقدرة الفكرية لطرح المعالجات في ما يجب أن يعمل. ما أريد تأكيده في هذا المدخل، أن الظواهر الاقتصادية لا يمكن النظر إليها جزئياً، أي النظر إلى كل قطاع أو جزء بمعزل عن الأجزاء الأخرى والقطاعات الأخرى، إذ إن الأجزاء والقطاعات تتفاعل معاً بصيغة الارتطام ببعضها (الأوانى المستطرقة)، التي يبدأ تفاعلها بمجرد ارتطام الواحدة بالأخرى، وهذا ما يفرض علينا عرض الموضوع بصيغة الاقتصاد الكلي، وضمن جانب محدد منه يثير اليوم آراءً مشوشة في كيفية التعاطي معه، وهو موضوع الميزانية.

إن التشخيص الدقيق لظواهر الأزمة الاقتصادية اللبنانية، وعليّة هذه الظواهر، ومدى ارتباطها بالميزانية (الإنفاق وموارده)، يؤشر على مناحي خطيرة تراكمت وبدأت تؤتي فعلها في هذه المرحلة، التي تشكل مصدر القلق الذي يوجب التوجه إليه. يظهر شكلها الدال عليها كالآتي:
1- انخفاض الطلب الإجمالى إلى حالة من الركود.
2- ارتفاع معدلات البطالة وما يرتبط به من هجرة اللبنانيين، حيث أضحت البطالة العامل الطارد للبنانيين، في مقابل العامل الجاذب في أي مكان في العالم يستطيعون الوصول إليه هرباً من واقعهم.
3- ضعف القوة الشرائية للفئات الوسطى والدنيا.
4- انكماش في بعض الأسعار، ظاهرها الأبرز في القطاع العقاري، وأيضاً بعض السلع والخدمات المنتجة محلياً. وما التضخم الموجود، وبشكل محدود جداً، إلا في السلع المستوردة، أي تضخم مستورد في مقابل الانكماش في أسعار السلع المحلية.
5- تدني معدلات النمو.
هذه الظواهر تؤشر على مرحلة، في خلفية الاقتصاد اللبناني، جرى التعامل مع منحنى تطورها السابق بضعف في المفهومية وانعدام في الإرادة الوطنية، التي تمحورت حول المصالح الذاتية والفئوية والطائفية.
هذه الظواهر الخمس التي أشرنا إليها تؤكد أن الاقتصاد اللبناني في مرحلة أكثر من ركود، إذ دخل في مرحلة (كساد) لا بد من التنبه لعواقبها الخطيرة، واستحضار أبعادها عندما نبحث في الميزانية ودور الدولة الاقتصادي.
المنحنى الفكري في التعامل مع ما أشرنا إليه، والذي هو خلاصة الفكر الإنسانى وتجاربه والوصول إلى أحكامه عبر الاستقراء والاستدلال والاستنباط، نستحضره هنا للاسترشاد به دون أن نغفل مطلقاً أهمية ما يفرزه واقع الاقتصاد اللبناني وما ينبثق منه من أحكام تتلاءم مع هذا الواقع. فلا بأس بالاسترشاد بأدوات التحليل الاقتصادي مع الحذر في تكييفها وفقاً لواقع الاقتصاد اللبناني. وهنا نشير إلى كيفيات في التعامل مع (الكساد)، ونستحضر كمثال كساد عام (1929) بعد انهيار بورصة الأوارق المالية. فقد كان رأي الاقتصاديين الكلاسيك التزام الصمت والترقب. إذ أشار الاقتصاديان الكبيران شومبيتر وليونيل روميز (من مدرسة لندن للاقتصاد) إلى ترك الكساد حتى ينتهى من تلقاء نفسه، وهو السبيل للعلاج، بالاستناد إلى "قانون ساي" في توازن الأسواق أو «اليد الخفية» الخفية في الفكر الكلاسيكى الرأسمالي. ولكن ذلك كان في اقتصاديات رأسمالية متطورة (وسنلحظ ذلك عند التعرض إلى الاقتصاد اللبناني). أما الرأي الأبرز في معالجة الكساد، فكان العمل الهائل للمفكر الاقتصادي جون ماينارد كينز (1883-1946)، الذي تصدى لنظرية «توازن العمالة» و«قانون ساي»، ودعا إلى التدخل المباشر للدولة (خلافاً للرأي النيو ليبرالي الداعي إلى إنهاء دور الدولة الاقتصادي) عبر أدوات تحليل وصفت (بالثورة الكينزية)، وتتلخص نظريته، في الجانب الذي يهمنا هنا، باستخدام ميزانية الحكومة لدعم الطلب والبطالة. بمعنى أن يكون هنالك نفقات حكومية من أجل دعم الطلب والعمالة، حتى لو أدى إلى تمويلها بالعجز (طبعاً هناك عرض تفصيلي لنظرية كينز وأدوات التحليل الكينزية في تفاصيل عمليات التصدي للكساد والبطالة وآثارهما لا يتسع المجال هنا لعرضهم)، ولكن ما أوردناه فقط حول ما يتعلق بالميزانية ووجوب الإنفاق لرفع كابوس الكساد والبطالة.
الصورة الكلية للاقتصاد اللبناني بكل معطياتها وجوانبها ومنحى تطورها تختلف تماماً عن صورة الاقتصاد الراسمالي المتطور في الدول التي تعرضت لكساد 1929. ولكن هناك تشابه في ظواهرها مع اختلاف في عليتها (أي أسبابها)، فنحن في ظل اقتصاد، يوجهه فكر ليبرالي مشوه وفوضوي، وقد أدى الضعف الفكري لمنحى تطوره إلى إضعاف القطاعات المنتجة إلى أدنى حد ممكن مع تفكك ولا توازن في هيكله، وانحصاره في القطاعات الريعية المكشوفة. والأخطر من ذلك تغلل الفساد بكل أشكاله في مؤسسات الدولة (هدر المال العام، النهب للمال العام، وانعدام المسؤولية الوطنية)، فكان مصدر عجزه الأساس الوقوع في فخ المديونية وما تفرع منها من حالات اختلال يتولد منها الفساد في استخدام القروض، فما يقلق ليس القروض، بل في كيفية التصرف بها عبر هدر ونهب وإنفاق استهلاكي مبذر و غير مبرر. وبالتالي الوصول إلى العجز عن خدمة الدين وتسديد أصل الدين.
إذا «اقتصاد مشوه عاجز يعاني من اختلالات أساسية ويرزح تحت أعباء متعددة»، فهل هنالك من سبيل عبر تدخل الدولة بميزانتها لمواجهة الكساد والبطالة؟
قبل أن نقدم أي منظور إصلاحي ممكن، ووفقاً لمعطيات الاقتصاد اللبناني، لا بد أن نؤكد أن أي عملية إصلاح مهما كانت بمستوى علمي متقدم، وحتى معزز بإمكانات متقدمة، لا يمكن أن تجدي في ظل الفساد القائم، وأن المدخل الأساس لا بد أن يكون قائماً على التصدى للفساد والمفسدين وتراخي النظم والقوانين إزاءهم، واجتثاث ذلك جذرياً، عندها فقط يمكن الكلام عن الشروع في مناهج اصلاحية.
لذلك، إن بعض إجراءات، في ظل الوضع القائم لمؤسسات الدولة، ليست إلا مسكنات في جسم مريض يحتاج إلى عملية جراحية.
أمام هذا الوضع، إن التعامل مع الميزانية بكل دقة وحذر يضحي ضرورة لمواجهة وضع أسوأ، وهي حالة تفرض علينا فرضاً لا خيارات لنا فيها. فالحالة السوية، لو أن وضعنا مناسب، هي ألا نتردد باستخدام أدوات التحليل الكينزية واستخدام الإنفاق لتقوية القوة الشرائية، وخاصة للفئات الوسطى والدنيا، بما يعزز الطلب الفعال، وبالتالي القدرة الإنتاجية القادرة على مواجهة الكساد والبطالة وإدارة عملية الاقتصاد اللبناني. ولكن الواقع القائم يسحب من أيدينا هذه الإمكانية لنجد أنفسنا نذهب إلى الاقتطاع من الميزانية للتخلص من الهدر والاستخدام السيئ للمال العام والنهب. وهذا طبعاً لا يُعفي أن تكون الاقتطاعات في مواضع محددة بالنواحي المشار إليها، والحذر بل ودق ناقوس الخطر إذا امتدت الاقتطاعات إلى موارد الأفراد وسبل معيشتهم، والذي يوازي ميلهم الحدي للإنفاق، أي بمعنى أن كل دخلهم يذهب للإنفاق لمواجهة متطلبات حياتهم الذي بدوره يرفع من الطلب الفعال على السلع والخدمات. لذلك، قد يكون المناسب إجراء مناقلة في بنود الميزانية تعزز من إمكانات الإنفاق على مداخيل الفئات الوسطى والدنيا، والحذر من فرض أية ضرائب مضافة إلى هذه الفئات المشار إليها، والاتجاه أن تنصبّ أية ضريبة تضاف باتجاه أصحاب المداخيل العالية الذين يكدسون ثرواتهم في البنوك الخارجية.
العبر المستقاة من التحليل الكينزي التي تتوافق مع أوضاعنا، تسمح أيضاً بخفض معدلات الفائدة إلى أدنى حد ممكن، وخاصة للقروض الاستثمارية فى القطاعات المنتجة، ما يعزز الطلب الفعال والقدرة على امتصاص جزء من البطالة، وكذلك بحث إمكانية تحريك ودائع البنوك، سواء (M1) و(M2)، علنا نخفف من شبح الكساد والبطالة اللذين يهددان سياق حياتنا اليومية.

* الأمين العام المساعد لاتحاد الاقتصاديين العرب