إذا ألقينا نظرة وثيقة على الطريقة التي أضرّ بها التقشّف المُمارَس في المملكة المتّحدة منذ عام 2010 صحّة النساء، سيتبيّن لنا أنه يجب مقاربة الأمر من منظار جندري للحصول على الصورة الكاملة.

قد تتسبّب البيئة التي نعيش فيها بقتلنا ويحصل ذلك بسرعة أكبر في السنوات الأخيرة في صفوف النساء. وأكثر ما يثير القلق ليس أن العمر المأمول يراوح مكانه في المملكة المتّحدة منذ عام 2014، بل إن الفروقات ليست بين الأغنياء والفقراء فحسب، بل بين الرجال والنساء أيضاً.
لا يعني ذلك أن الرجال يعيشون أطول من النساء، بل إن الأفضلية النسبية في طول العمر لدى النساء لا تُعتبر ذات صلة بالموضوع، لدى تناول مسألة انخفاض مأمول الحياة. وعلى الرغم من أن الرجال الأثرياء يستمرّون في العيش أطول، إلّا أن العمر المأمول لم يتراجع في صفوف الرجال الفقراء. إلّا أن هذا الاستقرار لا ينسحب على النساء الفقيرات. فوفق مكتب الإحصاءات الوطني، تراجع مأمول الحياة بين النساء اللواتي يعشن في أكثر المناطق حرماناً في المملكة المتّحدة بشكل كبير منذ عام 2013. ويعتبر ذلك انقلاباً على الارتفاع المستمرّ للعمر المأمول في أوروبا منذ فترة طويلة.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

كانت المملكة المتّحدة رائدة في استخدام السياسة الحكومية كوسيلة لمعالجة صريحة لانعدام المساواة الصحّية. واستهدفت الاستراتيجيات العناصر الاجتماعية المُحدِّدة للصحّة، على سبيل المثال من خلال توسيع الخدمات ودعم الفئات الأكثر حاجة. ولكن التغيير الحكومي في عام 2010 وضع حدّاً لهذا النهج وبشّر ببدء عصر التقشّف.

نظرية الثقة
بعد الأزمة المالية، كانت عمليات الإنقاذ التي أجراها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي مشروطة بتنفيذ تدابير تقشّف صارمة. إلّا أن تلك التدابير لم تقتصر على البلدان التي خضعت لعمليات الإنقاذ فحسب. ففي المملكة المتّحدة، كان التقشّف مدفوعاً بتدخّل الدولة في النظام المصرفي البريطاني لتجنّب انهياره، وانعكس ذلك في تخفيضات كبيرة في الإنفاق بالتوازي مع زيادات متواضعة نسبياً للضرائب. واستند ذلك إلى الاعتقاد بأن خفض العجز في الميزانية سيعيد الثقة إلى الاقتصاد، ما يحفّز النمو الاقتصادي.
وسواء قبلنا بنظرية «الثقة» أو فضّلنا مقاربة أكثر كينزية، فإن حقائق محرّك التقشّف كانت قاتمة، لا سيّما للأشخاص قليلي الحظّ، بما يكفي ليعيشوا في مناطق أكثر فقراً. من الأمثلة التي تُطرح هنا، إغلاق ألف من مراكز «شور ستارت» التي تستهدف دعم الأطفال والأسر خصوصاً في المناطق المحرومة أو مخاطر انتشار بنوك الطعام في أنحاء البلاد.
صحيح أن نظام التقشّف في المملكة المتّحدة خفّض العجز، إلّا أنه لم يحرّك النمو الاقتصادي، لا بل أدّى إلى تفاقم الظروف التي تعزّز استمرار الحرمان والصعوبات بشكل غير متكافئ لأولئك الذين يعيشون بالفعل في ظروف مقيّدة. ولكن أياً كان السبب المباشر لتغيّر الاتجاهات في العمر المأمول (مثل التغييرات في أمراض معيّنة وفي الوفيات)، فإن الأسباب الجذرية هي التي يجب التركيز عليها.

عبء غير متساوٍ
أظهر بحث أجرته وزيرة المساواة في حكومة الظل البريطانية، في عام 2017، أن 86% من عبء التقشّف يقع على النساء. فتحميل الفرد الذي يتلقّى المدفوعات في الأسرة، الخسائر الناجمة عن الضرائب والتغييرات التي طرأت على المخصّصات منذ عام 2010، جعل النساء يخسرن نحو 79 مليار جنيه إسترليني مقارنة بـ13 ملياراً للرجال. وما زاد من تأثير التقشّف على النساء، استمرار التقسيمات على أساس النوع الاجتماعي في العمالة غير المدفوعة والتفاوت في الدخل وساعات العمل، بالإضافة إلى التجزئة المتزايدة للنساء في سوق العمل.
وفي حين يحاجج البعض بأن العمّال الذكور عانوا أكثر من غيرهم في بداية الأزمة المالية، إلّا أن التقشّف المالي في جميع أنحاء أوروبا بدأ بتقويض سنوات من التقدّم على مستوى المساواة. فحين يقع عبء الرعاية بشكل غير متناسب على النساء، ستكون هذه الفئة هي الأكثر عرضة للتخفيضات في الرفاه والضمان الاجتماعي، لا سيّما حين يتمتّعن بقدرات تفاضلية لدخول سوق العمل. فتقدّر نسبة النساء في القوة العاملة في القطاع العام بجميع أنحاء الاتحاد الأوروبي بنحو 70%. لذلك حين يفرض التقشّف تغييرات على ساعات العمل وتجميد الأجور في القطاع العام أو تخفيضها، تعاني النساء أكثر من غيرهن.
86% من عبء التقشّف في بريطانيا يقع على النساء


بناء على المقاربة النمطية القديمة، غالباً ما تكون المرأة أول من تؤخذ في الاعتبار، عندما يتطلّب الاضطراب الاقتصادي من أرباب العمل إعادة هيكلة عقود العمل عبر فرض دوام جزئي أو التناوب في العمل. في اليونان، مثلاً، تحمّلت النساء الحوامل والأمّهات، وطأة هذه التغييرات المفروضة. فلم يتمّ إيلاء الاهتمام الكافي بمسألة التوفيق بين هذا النوع من إعادة الهيكلة والالتزامات العائلية.
أمّا في المملكة المتّحدة، فيعتبر البعض أن التغييرات التي طرأت على الرفاه الاجتماعي من خلال اﻟﺤﺴﺎب اﻟﺸﺎﻣﻞ ﻟﺪﻓﻊ اﻹﻋﺎﻧﺎت الاﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ (Universal Credit) - المُصمّم ظاهرياً لتبسيط نظام المخصّصات وتحسينه - قد أضعفت بشكل كبير أوضاع الناس الأكثر حاجة. ويعتبر المنتقدون أن هذا النظام جعل بعض المطالبين بالإعانة أسوأ حالاً، وكذلك زاد الخلل الإداري في النظام من خطر الجوع والدَّيْن والتشرّد. وتضاعف تأثير هذه التغييرات على الرفاه الاجتماعي بفعل عناصر مثل إغلاق مراكز برنامج «شور ستارت» وارتفاع كلفة رعاية الأطفال.
يحفّز ذلك ظهور أسر ذات معيل واحد، ويشجّع نموذجاً قديماً للعائلة. وهذا الأمر إشكالي لأسباب عدّة. فالاعتماد على دخل الشريك يؤثّر على توازن القوّة داخل العلاقة، ويفترض أن الدخل الفردي يكفي لإعالة أسرة ويزيد من خطر الفقر في حال انفضاض العلاقة. علاوة على ذلك، يفشل ذلك في الاعتراف بالهياكل الأسرية العديدة والمتنوّعة الموجودة في جميع أنحاء أوروبا.
يتجلّى التأثير الجندري للتقشّف على الصحّة من خلال تفاقم التعرّض للعناصر الاجتماعية المُسبّبة لسوء الحالة الصحّية، ما يساهم في عملية تؤدّي إلى تجريد المرأة فعلياً من الإمكانات. فمن الثابت أن تمكين المرأة يرتبط بتحسين صحّتها وصحّة أطفالها. ونفهم بذلك كيف أن تجريد المرأة من الإمكانات جعل النساء في أفقر مناطق بريطانيا يشهدن انعكاساً في مأمول العمر. ومع ذلك، ثمّة حاجة إلى مزيد من البحث بهدف التوصّل إلى آلية لتحديد الأسباب ولإبراز هذه القضية.

دور السياسات العامّة حاسم
بالتوازي مع ذلك، تجب إعادة النظر في السياسات العامّة، لا لدعم الفئات المحرومة فحسب، بل أيضاً لمعالجة أوجه اللامساواة الهيكلية التي تقود إلى استمرار هذا الحرمان. ونظراً إلى ضعف النساء أمام الأزمة الاقتصادية والتغييرات في أسواق العمل، فإن لتغيير السياسات تأثير حاسم.
ففي المملكة المتّحدة، ثمّة حاجة إلى إعادة النظر في مدى توافر رعاية الأطفال ومرونتها وكلفتها، لا سيّما أنها آلية يمكن من خلالها زيادة إنتاجية العمل إذا كانت المرأة قادرة على الدخول إلى سوق العمل. وتعتبر التكاليف الاقتصادية لزيادة الإنفاق على رعاية الأطفال وتوسيع تغطية الضمان الاجتماعي، ضرورية ويمكن تعويضها بمجرّد زيادة النشاط الاقتصادي. فالفرص في سوق العمل يجب أن تتوافق مع التزامات الرعاية الأسرية.
في الخلاصة، من الظلم أن يقتصر انخفاض مأمول العمر على فئة من المجتمع دون غيرها. فعدم استقرار سوق العمل وتحميل المرأة الجزء الكبير من العمل المنزلي غير المدفوع الأجر داخل الأسر، يعزّز الفوارق الراسخة بين النساء والرجال والتي تضخّمت في المجتمعات التي تتسم بمستوى أعلى من عدم التكافؤ. لذلك من الضروري محاسبة الحكومات على الظلم الذي تسبّبت به.
وفي حين، من المفترض أن عصر التقشّف في المملكة المتّحدة يشارف على نهايته، تمّ تخفيف السياسات المالية القاسية بدلاً من وقفها. واليوم في الوقت الذي يراقب العالم كيف تتعامل المملكة المتّحدة والاتحاد الأوروبي مع تأثيرات خروج بريطانيا من الاتحاد بغض النظر عن شكل ذلك، يجب أن نعمل على ألّا تبقى النساء على هامش الاهتمام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

* محاضرة في جغرافيا السكّان في جامعة ليفربول

* Social Europe
* ترجمة: لمياء الساحلي