مرّ أكثر من عام على مؤتمر «سيدر» (المؤتمر الاقتصادي للتنمية عبر الإصلاحات والمؤسّسات). عند تشكيل حكومة رئيس الوزراء سعد الحريري، تضمّن البيان الوزاري العديد من إصلاحات «سيدر». ومنذ ذلك الحين، اعتمدت الحكومة بعضاً من هذه الإصلاحات، وتحديداً تلك المتعلّقة بقطاع الكهرباء. وحالياً، تناقش الحكومة التدابير من أجل خفض العجز في الموازنة لاستيفاء غاية الواحد في المئة التي حدّدتها في برنامج «سيدر».

لكن، لتقييم تقدّم تنفيذ برنامج الإصلاح، لا بدّ من طرح سؤال أساسي: ما هي تعهّدات الإصلاح التي قُطعت في «سيدر»؟
تُظهر أبحاث حديثة، قام بها المركز اللبناني للدراسات، أن وثائق برنامج الإصلاح، أي «الرؤيا من أجل الاستقرار والنموّ والعمالة»، فضلاً عن خطّة الاستثمار الرأسمالي، تتضمّن 73 تدبيراً موزّعاً على خمسة مجالات للسياسات:
32 تدبيراً قطاعياً يغطّي الكهرباء والنفايات الصلبة والاتصالات والنقل والمياه.
23 تدبيراً ضريبياً يتّصل بتحسين جباية الضرائب وتقليل الثغرات، وتحسين شفافية الموازنة، وإدارة الدَّيْن العام، والخدمات الإلكترونية لوزارة المالية.
11 تدبيراً للحوكمة يغطّي مشتريات القطاع العام، وتحديث القطاع العام وإعادة هيكلته، والتحويل الرقمي للحكومة.
4 تطويرات في القطاع الخاص تعالج تحديث الوضع القانوني للشركات، واعتماد قانون للمعاملات الإلكترونية وحماية البيانات الشخصية، وتحويل بورصة بيروت إلى شركة مساهمة.
3 إصلاحات قضائية تركّز حصراً على مكننة العمليّات والإجراءات القضائية وتعزيز قدرات المؤسّسات القضائية.
يُظهر العديد من هذه التدابير قليلاً من المبادرات الجديدة والابتكارية، فضلاً عن التعويل على برامج واستراتيجيات الإصلاح الماضية. فمثلاً، هناك تداخل كبير بين تدابير السياسات المُقترحة في مؤتمر «سيدر»، وتدابير مؤتمر «باريس-3» الذي عُقِد في عام 2007. في العموم، يتبيّن أن 35% من تدابير «سيدر» و70% من برنامجه المتّصل بالتدابير المالية، مثل توسيع قاعدة العائدات، كانت جزءاً من «باريس-3». أيضاً، العديد من تدابير «سيدر» الأخرى، وخصوصاً التدابير القطاعية، قائمة على مشاريع أو أوراق استراتيجية موجودة منذ فترة طويلة. مثال على ذلك قانون الاتصالات رقم 431 الصادر في عام 2002 الذي يطالب بإنشاء سلطة لتنظيم الاتصالات، أو قانون الأسواق الرأسمالية رقم 161 الصادر في عام 2011 والساعي إلى تحويل بورصة بيروت إلى شركة مساهمة.
على ضوء القدرات المؤسّسية المحدودة للحكومة، سيكمن التحدّي الرئيسي في استيفاء موجبات برنامج «سيدر» الإصلاحي، وفي درجة التزام الحكومة بتنفيذ برنامج الإصلاح. وتحيلنا هذه الالتزامات إلى حجم الموارد السياسية والمؤسّسية أو الإدارية المطلوبة من أجل استيفاء هدف إصلاح محدّد. فغالبية تدابير الإصلاح في البرنامج تستوجب درجة عالية أو متوسّطة من الالتزامات السياسية والمؤسّسية، خصوصاً أن الحكومة وعدت بإنشاء 18 مؤسّسة رسمية جديدة، وهو ما يستوجب حجماً كبيراً من الموارد المالية والمؤسّسية، لا سيّما أن ما أُنجز على الصعيد القانوني والمؤسّسي لا يشكّل سوى القليل من عمل الأساس الضروري.

يمثّل «سيدر»، أقلّه في الشكل الحالي، مجرّد قائمة نوايا أكثر منه برنامج إصلاح


وتشير 7 تدابير فقط إلى مشاريع قوانين أعدّت وتنتظر البتّ فيها. فغالبية التدابير، 42% أو ما مجموعه 31 تدبيراً، تتصل بتحسين الإجراءات والمؤسّسات الموجودة، مثل تحسين إدارة النقد والدَّيْن في وزارة المالية. وتتصل هذه التدابير ببرامج جارية ضمن الوزارات، بغض النظر عن تعهّدات الإصلاح المقطوعة خلال «سيدر»، وهي تحتاج أولاً إلى الموارد المؤسّسية. ويشكّل تطوير الخطط والاستراتيجيات، فضلاً عن تقييم الإجراءات أو المؤسّسات، لكونه إدارياً في طبيعته، 12% لكل مسار.
أخيراً، والأهمّ، هو أن معظم التدابير تأتي بصياغة غير دقيقة، ما يعني أن معظم هذه التدابير يتهرّب من آليات المحاسبة. فقليلة هي التدابير المُعتمدة في البرنامج التي تذكر أو تشير إلى أهداف محدّدة أو جهات فاعلة أو مؤسّسات مسؤولة عن تنفيذها.
بهذه الطريقة، تتفادى الحكومة الإشارة إلى أهداف أو نتائج ملموسة يمكن رصدها. فالبعض من تدابير السياسة المالية مثلاً يعتمد صياغة مثل «تقوية» إدارة المخاطر أو «تحسين» الإدارة النقدية من دون تحديد أي غايات أو أهداف. أيضاً هناك على سبيل المثال استراتيجية التعامل مع العائدات المتوقّعة من التنقيب عن النفط، وتذكر الوثيقة نيّة صياغة قانون لإنشاء صندوق ثروة سيادي، ولكن من دون الالتزام بإقرار وتنفيذ هذا القانون.
بالإضافة إلى ذلك، لا بدّ لبعض التدابير المشار إليها، بموجب القانون، أن تنفّذ بغض النظر عن برنامج «سيدر». مثلاً، إن إقرار الموازنة قبل بداية العام لا يمكن أن يشكّل تدبيراً إصلاحياً بما أن الحكومة مُلزمة بإعداد الموازنة واعتمادها. فالحكومة مُلزمة بتنفيذ هذه القوانين وبالتالي لا يجدر التنويه بها لأدائها بواجباتها.
في الواقع، يمثّل البرنامج، أقلّه في الشكل الذي نُشِر فيه حالياً، مجرّد قائمة نوايا أكثر منه برنامج إصلاح مخصّص. وقد حان الوقت للحكومة لأن تعدّ جدول أعمال يتمّ العمل على أساسه.

* بالتعاون مع المركز اللبناني للدراسات