تعمّ حالة الفزع مع التنبؤات بإفلاس الدولة اللبنانية، وتزداد الخطابات العنصرية على أساس العرق والجندر وحالة الهجرة تناسبياً مع تعمّق الهاوية الاقتصاديّة المُنتظرة. لا يختلف ذلك عن السوابق التاريخية في تزامن صعود موجات اليمين المتطرّف، سواء في بلدان الشمال العالمي أو إقليمياً مع الأزمات الاقتصادية.

أمثلة عديدة معاصرة تخطر على البال منها العالمية والمحلّية، من وصول ترامب إلى السلطة وتصويت بريطانيا للانفصال عن الاتحاد الأوروبي، إلى اتّهام أطراف في الدولة اللبنانية للسوريين بكلّ فاحشة على الأرض، من تسبّبِهم في البطالة للبنانيين والتضخّم الاقتصادي وتفريغ خزنات الدولة وحوادث السير وتعفّن محاصيل التفّاح وغيرها. من الواضح أن الدعوة إلى التحلّق حول العلم الوطني هي سياسة إلهاء تستخدمها السلطة لصرف النظر عن التهميش المُمنهج، الذي تمارسه لكي يتمركز الصراع الأساسي بين المهمّشين أنفسهم. وفي هذا السياق، تتعرّض الحركات النسوية للهجوم بحجّة تفريقها للنضالات، إذا سُمعت تنادي بتوجيه نظرتنا إلى هياكل القمع التاريخية وتلك المعاصرة، التي تزيد من هشاشة النساء والأجساد غير النمطية ذات الجنسانيات غير السائدة وغير المُتمتعة بالمواطنة، وإذا حاولت تخيّل أنظمة اقتصادية بديلة. فيتّهمها الاقتصاد الكلاسيكي المرتكز على نظريّة «رجل الاقتصاد العقلاني» (rational economic man)، بـ«العاطفيّة» من جهة، بينما يتّهمها السلف غير الصالح من الماركسيين بتمثيل «وعي مغلوط» من جهة ثانية، زاعمين أنّنا لا نحتاج إلى مناهج نسوية في الاقتصاد السياسي.

أنجل بوليغان المكسيك

لا عجب في ردّات الفعل الارتجاعية، إذ يعتمد النظام السائد على فهم كلاسيكي لنموذج «رجل الاقتصاد العقلاني»، وهو ما يجعل أيّ سردية مختلفة لأسباب تردّي أحوال المعيشة عرضة للهجوم. يفهم النظام الرأسمالي القرارات المُتّخذة في المجال الاقتصادي بالإشارة إلى سلوك مُعمّم لشخص افتراضي وانتهازيّ لا يشارك في الفعل الجماعيّ، ويتمحور فعله حول تعظيم الفائدة الفردية. يتجاهل الطرح أن الناس يرون المصالح بطريقة تنافسيّة تجعل من التلاحم الجماعيّ، إن كان واعياً أو عضوياً، أمراً أساسياً للحفاظ على اللامساواة كما هي. وعليه، فإنّ استئثار الرجال والأشخاص ذوي الجنسانيات السائدة بالموارد وإمكانية الوصول إليها لا يستمرّ سوى بالإقصاء المُمنهج لغيرهم من خلال فرض الأبوية وحتّمية الغيرية الجنسيّة. وبالتالي، وقع تهميش هذه المجموعات من خلال تعريف حاجاتها السياسية والاقتصادية في تعلّقها بالممتلكات الفردية بطريقة مختلفة عن تلك التي عرفت بها حاجات الرجال. فلم تمتلك النساء والأجساد غير النمطية ذات الجنسانيات غير السائدة والأعراق غير الغربية حقّ التصويت أو البيع والشراء والملكيّة لأسباب تتجاوز الصدفة ولا تزال موجودة اليوم. ولا تقتصر التبعات الاقتصادية لذلك على العائلة فحسب بل تتجاوزها إلى الاقتصاد السياسي للمؤسّسات والدول. وآثر الاقتصاديون الكلاسيكيون إعفاء الأخيرة من التحليلات النّسوية المُرتكزة على الجندر والجنسانية والعرق وحالة الهجرة وغيرها تبعاً للفصل القسري بين الحيّزين العام والخاص. فافترضوا أن الطابع الذاتي أو الحميمي للعائلات يؤثّر على مكانة أفرادها الاقتصادية، بينما تنتمي سوق العمل والخدمات والأموال إلى الحيّز غير الشخصي، وبالتالي المعفيّ من الاعتبارات الجندرية والجنسانية وغيرها ممّا تهتمّ به الدراسات النسوية. يدعونا رجل الاقتصاد بإبقاء «الخاصّ»، كعرقنا وجندرنا وحالة مواطنتنا في المنزل، وحمل هويات «كونيّة» فقط فصّلت على مقاسه. أمّا الماركسيّة الكلاسيكية، فتخبرنا أن قضايانا ثانوية مقارنة بأساس التّعبئة الطبقيّ، في خطاب قضيّة عظمى وثنائية موالاة أو تخوين لا تحتمل التّعقيد، كأنّ التّحرر الطبقيّ أحاديّ المستوى أو لا يكون.
في الطرح النسوي، لا ينتمي الناس إلى طبقة معيّنة فقط بسبب الممتلكات المتوفّرة لديهم عينياً، بل بسبب خلطة معقّدة من الموارد والقوانين والتقاليد والأعراف والتفضيلات والتراكمات التاريخية التي توزِّعهم عبر سلّم المراتب الطبقية، مثلما لا ينتمي الأفراد إلى جندر معيّن بسبب وجود عضو تناسلي داخلي أو خارجي أو غيرهما، بل بسبب القوانين والاعتبارات العرفية والتقليدية التي تفسّر الاختلافات البيولوجية وتخلق لها نتائج مادية.
وعلى الرغم من الترابط العينيّ بين الأنظمة الرأسمالية والأبوية والعنصرية، يطمئننا لسان حال الاقتصاد القائم قائلاً إن الهشاشة الاستثنائية لهذه المجموعات هي مسألة تخلّف ثقافي مزعوم، لا غير. والأكثر وقاحة أنه يعدنا بأن السوق الحرّة مع العولمة سيقضيان على التمييز ويحقّقان لنا العيش الكريم في ظلّ الكفاف، بل الرّغد. وفي الأثناء، تتلقّى التعبئة الجندرية والعرقية من أجل العدالة الاقتصادية اللوم على ما تودّ محاربته، ألا وهو صعود اليمين الأصولي المتطرّف. فبينما يتسابق المحلّلون السياسيون إلى الاستفراد باتّهام خصومهم السياسيين بتردّي الأوضاع الاقتصادية، لا يقتصرون على تحميل مسؤوليّتها لممثّلي السلطة فحسب، بل يستهدفون من يقع خارجها تماماً. فيُحمّلون الهجرة مسؤوليّة فشل الدولة، والنسوية مسؤوليّة تفرقة اليسار، واليسار مسؤوليّة صعود اليمين. يبدو أن جميعنا مذنب ما عدا النظام الاقتصادي القائم.
الناس يرون المصالح بطريقة تنافسيّة تجعل من التلاحم الجماعيّ، إن كان واعياً أو عضوياً، أمراً أساسياً للحفاظ على اللامساواة


تُجمع مطالب المهاجرات/ين والنساء واليسار في كومة واحدة تعلّم كـ«سياسات الهويّة»، نظراً لتمحورها في تجارب معيشية كأسس للقمع والتمييز. ثمّ توسم بالبدائية مغذّية الحلقة المُفرغة من خلق العدوّ «المتخلّف» والفزع العام على الهويّة الوطنيّة. كما توصم هذه المطالب على أنها تهديد للخطاب العقلاني اللازم للحفاظ على الديموقراطية وحرّية التعبير والنظام الاقتصادي القائم، بطريقة كاريكاتورية، تُلازم العقلانية مع رجل الاقتصاد والعاطفية مع مطالبنا كنساء ومهاجرين وأشخاص داكنين. فمثلما اتّهم فرانسيس فوكوياما حركات مثل «حياة السود مهمّة» وغيرها من التنظيمات المشابهة في نجاح ترامب الانتخابي، مطالباً أن تعزّز الشعوب الهويّات الوطنيّة العقائدية المبنية على قيم الدولة، لا تلك المبنية على العلاقات التاريخية أو التجارب المعيشية، صرّح وزير الخارجية اللبناني بتفوق جينيّ لشعبه على المهاجرين الذين، وفق خطاب الدّولة، خرّبوا الاقتصاد. وهو خطاب يعتمد على ادّعاء أن كرامة المواطن في خطر لأن الحكومات أو المؤسّسات العالمية تقدّم الخدمات لأشخاص من خارج الهوية الوطنية أو من طبقة أدنى من الوسطى.
إن اختصار الحركات النسوية اليسارية في مسألة «كرامات مجروحة»، ليس فقط محاولة لتمييعها واعتبارها حيلة للمناوشة، بل هي مقارنة ما لا تجوز المقارنة بينه: سياسات الهويّة من جهة، والتعبئة الثورية المُرتكزة على التجارب المعيشة والمصالح المشتركة المنبثقة من تراكمات تاريخية في القمع من جهة أخرى. والمفارقة العجيبة أن البكاء على أطلال قطبي اليمين الليبرالي واليسار الكلاسيكي يدعوان للانصهار في قلب الوطنية أو التجانس في قلب الطبقة. نتناول في «كُحْل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر» هذه الصراعات بالتحليل (في مؤتمر يُعقد بالتعاون مع مؤسّسة «Heinrich Böll Stiftung»، مكتب الشرق الأوسط)، كما نساهم، تشاركياً، في إعادة تعريف العدالة والرّخاء بالاعتماد على تجارب النساء والكويريين والأشخاص الداكنين. في عددنا الجديد عن «الاقتصادات البديلة»، نقدّم طروحاً لعلاج تردّي أوضاعنا من خلال تحليل التعقيدات الجوهرية في المساندة المتبادلة بين النظامين الرأسمالي والأبوي. إن ما يشكّل تهديداً لحركاتنا تجاه العدالة الاقتصادية وإعادة توزيع الموارد هو الفهم أحاديّ المستوى للظلم وتمييع تعقيدات الجندر والعرق والهجرة كمسألة مرتبطة بإحساس باطنيّ دفين، لا بالتراكمات التاريخية المُعرقلة لوصولنا إلى الموارد. فالاعتماد على اقتصاد سياسي نسوي مثمّن للعمل المجندر هو حلّ ثوريّ.

ستتناول «كُحْل» هذه المواضيع في مؤتمر الاقتصادات البديلة في 21 و22 حزيران في مانشن، في الحمرا.

مديرة تحرير «كُحْل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر»