ماذا تستطيع حكومة أوروبية يسارية مُنتخبة أن تفعل حين يُفرض عليها التقشّف؟ ليس أمامها سوى إعادة تعريف التقشّف للالتفاف حوله؟

أصبح التقشّف أداة أساسية تستخدمها المنظّمة الدولية (صندوق النقد الدولي) لدى إقراض المال للدول التي تواجه أزمة مالية و/أو كأداة مشتركة للسياسة المالية في اتّحاد نقدي (منطقة اليورو). وفي كلتا الحالتين، يقع التناقض حين يأتي حزب يساري إلى الحكم ويكون ضدّ إجراءات التقشّف التي تقلّص المداخيل.
كيف يمكن لحكومة حزب كهذا أن تطبِّق أجندتها في إطار اقتصاد مديون وقواعد يفرضها الاتحاد الأوروبي؟ الجواب هو أن تتنازل وتحاول تطبيق سياسة التقشّف التي يفرضها الدائنون ولكن بطريقة تُحقّق توازناً مع التأثير الذي يتركه التقشّف على المجتمع.


وهنا مكمن المشكلة الهائلة التي كان على حكومة ﺗﺤﺎﻟﻒ اﻟﻴﺴﺎر اﻟﺮادﻳﻜﺎﻟﻲ «ﺳﻴﺮﻳﺰا» أن تجد حلاً لها في عام 2015. فقد افتقدت إلى التحكّم بسياستها المالية، وتمّ إقصاؤها من برنامج المعاملات النقدية الصريحة التابع للبنك المركزي الأوروبي - المُقدّم لجميع الأعضاء في منطقة اليورو - كما من أسواق مالية دولية، وكانت مُثقلة بالديون المُتراكمة على الرغم من تخفيض قيمة الديون المُتعثّرة لليونان عام 2012. وقد ورثت هذه الحكومة اقتصاداً مُدمّراً - كان يعاني من انكماش بنسبة 25% في الناتج والمداخيل وبطالة بنسبة 28% - وأزمة إنسانية حيث كانت شرائح كبيرة من المجتمع تفتقد إلى الحاجات الأساسية وتعاني من تدفّق اللاجئين.
وسبق أن خاضت البلاد خمس سنوات من التقشّف الشديد، حيث انخفضت الرواتب والرواتب التقاعدية بشكل كبير، بالتوازي مع ارتفاع كبير في الضرائب. فالحكومات السابقة لم تنفّذ «الإصلاحات البنيوية» الكبرى التي كانت من شروط القروض الرسمية - مثل برنامج الخصخصة البالغة قيمته 50 مليار يورو وإصلاح المعاشات التقاعدية.

برنامج مختلف
وفي ظل هذه الظروف، مُنِحت اليونان قرضاً رسمياً جديداً، ونفّذت برنامج تقشّف جديداً اختلف بطرق عدّة. إذ للمرّة الأولى ركّز برنامج تقشّف على مسائل اجتماعية والآثار على توزيع الثروة. فلم ينصّ على تخفيض إضافي للرواتب بل على الحدّ الأدنى للأجور وعلى دعم الأسر ذات الدخل المنخفض والعاطلين عن العمل. واشترط البرنامج فوائض أساسية عالية تصل إلى 3.5% وهو ما تحقّق من خلال رفع الضرائب.
وفي ظلّ حكومة «سيريزا» نما الاقتصاد اليوناني لثمانية فصول مُتتالية وبوتيرة مُتسارعة بلغت 1.9% في عام 2018 مع توقّعات بنموّ صلب في العام الجاري. وتمّ التخلّص من العجوزات الحكومية وتحسّنت المكانة الخارجية للبلاد.
ووضعت سياسة اجتماعية هادفة بشكل يحمي الشرائح الأكثر ضعفاً في المجتمع من آثار الأزمة. وخلقت السياسة المالية مساحة للتخفيف من التقشّف بما في ذلك تخفيض الضريبة العقارية بنسبة 10% فضلاً عن تخفيض تدريجي لمعدّل ضريبة الدخل للشركات من 29% إلى 25% بحلول 2022. واعتباراً من الشهر الحالي، تراجعت الضريبة على القيمة المُضافة للأغذية من 24 إلى 13%.
ركّز برنامج التقشّف اليوناني على آثار توزيع الثروة، فلم ينصّ على تخفيض الرواتب، بل وضع سياسة اجتماعية تحمي الشرائح الأكثر ضعفاً


كذلك رُفعت التعويضات للموظّفين بنسبة 4.4% في فترة 2015 - 2018 مقارنة بخفض بنسبة 30.3% في فترة 2010 - 2014. وهذا العام رُفِع الحدّ الأدنى للأجر القانوني بنسبة 10.9% بالتوازي مع إلغاء الحدّ الأدنى لأجور الشباب، ما قاد إلى زيادة بنسبة 27% لهذه الفئة. وانخفض معدّل البطالة إلى 18.5% في كانون الثاني/ يناير.
كان إصلاح شبكات الأمان الاجتماعي الهدف الرئيسي لسياسة حكومة «سيريزا»، لضمان المشاركة العادلة. ومن شأن نظام «دخل التضامن الاجتماعي» أن يبلغ مرحلة النضوج بحلول نهاية العام. وقد أعيد النظر في تصميم مستحقّات السكن، مقارنة بالخطط الأصلية، لتغطية معونات الإيجار.
وأكّد برنامج الإصلاح البنيوي على الحاجة إلى توفير المزيد من الوظائف والنموّ من خلال خلق الفرص، وأيضاً لجعل الخدمات الاجتماعية أكثر سهولة وأقلّ تكلفة، وسياسات التوظيف أكثر فاعلية عبر تحسين مطابقة الأشخاص مع الوظائف. وكان لهذه الإصلاحات تأثير إيجابي على الظروف الاجتماعية. وأخيراً وليس آخراً، أكملت اليونان برنامج التكييف الاقتصادي مع احتياطي نقدي كبير.

«كعكة» مُتنامية
يتركّز الفرق بين برنامج التقشّف النيوليبرالي والاشتراكي حول كيفية تنمية «الكعكة» الاقتصادية. فالسياسات النيوليبرالية تُعزِّز ريادة الأعمال والركود في الأجور والتخفيضات الضريبية التي تطال الطبقة العليا، والتي يُفترض أنها تنمّي «الكعكة»، وبالتالي من خلال الزيادة المُفترضة في القاعدة الضريبية وزيادة المردود الضريبي، يمكن للحكومة أن تقدّم الدعم للمواطنين. وعلى النقيض من ذلك، تدرك السياسات الاشتراكية أن عدم المساواة يمثّل عائقاً كبيراً أمام نموّ «الكعكة»، وبالتالي فهي تُعزِّز سياسات التوزيع وزيادة الأجور وأنظمة الضرائب العادلة. وفي تحليل أجرته «إيكونومست» مؤخّراً حول الفعالية النسبية للأنظمة الضريبية في تعويض عدم المساواة في الدخل، احتلت اليونان المرتبة الأولى، مع تخفيض معامل جيني بمقدار 13 وحدة بعد الضرائب والتحويلات.

* Social Europe
* ترجمة: لمياء الساحلي

كوستاس كولّونياتيس: مستشار اقتصادي في البرلمان اليوناني ومساعد وزير الاقتصاد. وهو باحث سابق في معهد العمل INE ومعهد البحوث الاقتصادية والصناعية IOBE.