في سياق الدعوات إلى التقشّف وتخفيض الإنفاق وتقليص القطاع العام والخصخصة، طرح البعض في مجلس الوزراء وخارجه إقفال ما سُمّي «الإدارات والمؤسّسات العامّة غير المُنتجة»، وجرى تداول اسم «الهيئة اللبنانية للطاقة الذرّية» كنموذج عن هذه الإدارات والمؤسّسات التي يجب التخلّص منها ومن كلفتها (الضئيلة أصلاً). وبدلاً من أن يثير هذا الطرح السخط والاعتراض والمخاوف، ولا سيّما في أوساط الناشطين والناشطات والمنظّمات البيئية والنخب المهنية والأكاديمية، تحوّل إلى موضوع للسخرية والتهكّم والسخط المُعاكس، فجاءت ردود الفعل مستنكرة ومستغربة وجود هيئة للطاقة الذرّية في بلد (كـ) لبنان، وعبّرت عن جهل واسع بأهمّية دورها الوقائي، ولا سيّما على صعيد رصد المواد المُشعّة وتتبّعها ومراقبتها وتنظيم عمليّات استيرادها وتصديرها وحفظها. فهذه الهيئة العامّة تتولّى مراقبة نحو 5 آلاف شخص ضمن برنامج الرقابة الإشعاعية الفردية، ونحو 400 مؤسّسة مُشغِّلة في إطار تطبيق قواعد السلامة الإشعاعية وقواعد الأمن والأمان النوويين. وبين عامي 2005 و2018 تولّت الهيئة متابعة نحو 150 حالة تتعلّق بحوادث التلوّث الإشعاعي والإتجار غير المشروع بالمواد النووية والمُشعّة، تمّ كشفها من قِبَل الجمارك ومفتِّشي الهيئة. لنتخيّل في بلد (كـ) لبنان، حيث يستشري الفساد والتهريب والجريمة المُنظّمة، ما يمكن أن يحصل في حال تمّ إقفال الهيئة اللبنانية للطاقة الذرّية. وأيّ نوع من المخاطر سنواجه في حال نجح خطاب التقشّف الشعبوي في تحقيق أهدافه ومآربه؟ كيف يمكن أن نضمن ألّا يتحوّل لبنان مجدّداً إلى مكبّ للنفايات المُشعّة الخطيرة، وهو ما عانينا منه في النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي، حيث لا تزال كمّية غير معروفة من النفايات الخطيرة مدفونة في الأراضي اللبنانية وتشكّل قنبلة موقوتة سنضطر إلى مواجهتها يوماً ما. في ما يلي تقرير موسّع عن عمل الهيئة اللبنانية للطاقة الذرّية، والإحصاءات المُتعلّقة بالتراخيص والاستيراد والتصدير للسلع والمواد والأدوات المُشعّة، واستخداماتها الطبّية والصناعية، وخرائط توزّعها على الأراضي اللبنانية. لا شكّ أن الإمعان في المعطيات التي يوفّرها هذا التقرير سيساعد في التعرّف، ليس على الهيئة وطبيعة عملها فحسب، بل على المخاطر الجمّة التي سنتعرّض لها في حال إقفالها أو تقليص عملها أو حتّى استمرار سياسة عدم تطويره.



يوجد في لبنان عدد كبير من المواد المُشعّة ومصادر الأشعة المؤينة، التي تُستخدم في مجالات عدّة، مثل الطبّ والصناعة والزراعة والأبحاث العلمية في الجامعات والمراكز البحثية، بالإضافة إلى استخدامات أخرى تندرج حصراً ضمن الاستخدامات السلمية للطاقة الذرّية. القسم الأكبر من تلك المصادر يتمّ استخدامه في القطاع الطّبي، ولا سيّما في التشخيص والتصوير الشعاعي والعلاج بالأشعّة لعدد من الأمراض والأورام السرطانية، وفي القطاع الصناعي حيث تُستخدم هذه المصارد في أجهزة قياس السماكة والكثافة ومعدّل التدفّق ومستوى التعبئة في مصانع الإنتاج المختلفة، مثل مصانع الترابة والإسمنت، والطيران المدني، وفي شركات تعهّد الطرقات والنفط، وكذلك يتمّ استخدامها في تحليل تلك المنتوجات، بالإضافة إلى التصوير الصناعي اللا إتلافي بواسطة التقنيات المختلفة للأشعة السينية (x-rays) والمواد المُشعّة.

لماذا الهيئة اللبنانية للطاقة الذرّية؟
سنوياً يستورد لبنان ويصدّر مجموعة من المواد المُشعة، بين عامي 2006 وأيار/ مايو 2019، استورد نحو 1055 مادة مشعّة وصدّر 140 مادّة منها، بالإضافة إلى استيراد أكثر من 3 آلاف جهاز مولّد للإشعاعات. وقد تمّ رصد هذه الكمّيات والأجهزة ومراقبة كيفية استخدامها بما ينسجم مع معايير الوكالة الدولية للطاقة الذرّية المتعلّقة بالأمن والأمان النوويين، بفضل المرسوم التطبيقي رقم 15512/2005 الذي نصّ على قيام الهيئة اللبنانية للطاقة الذرّية، وبالشراكة مع وزارة الصحّة العامّة، بدورها كهيئة رقابية نوويّة تُعنى بمراقبة حسن استخدام تلك المصادر بما يتوافق مع السلامة الإشعاعية والتنظيمية، وكلّ ما يتعلّق بهذه المواد لناحية استيرادها ونقلها وتخزينها واستعمالها وحفظها وإدارة النفايات الناجمة عنها.


في الواقع، تخضع كلّ المواد والمصادر المُشعة والمنشآت المتّصلة لعمليات المراقبة والتفتيش، بشكل دوري، من قِبَل الهيئة اللبنانية للطاقة الذرّية. ويصل عدد الأفراد المشمولين ببرنامج الرقابة الإشعاعية الفردية إلى 5 آلاف شخص، والمؤسّسات المشغّلة إلى 400 مؤسّسة. واستناداً إلى نتائج التفتيش ومدى التزام هذه المؤسّسات والأفراد العاملين فيها بقواعد السلامة الإشعاعية والأمن والأمان النوويين يتمّ الترخيص لها أو تجديد ترخيصها.
60% من المواد المشعّة تم استيرادها في الفترة المذكورة لاستعمالها في المجال الطبّي للتشخيص والعلاج (طبّ نووي ومواد صيدلانية وعلاج إشعاعي موضعي ومصادر للمعايرة)، و35% منها لاستخدامها في الأبحاث الطبّية والزراعية والجامعية، و5% في القطاع الصناعي.
إلى ذلك، يستورد لبنان، أيضاً، مئات مصادر الأشعة سنوياً والتي تبقى فيه ولا تصدّر مجدّداً منه، وفق ما يبيّنه سجل المعلومات الخاصّ بالتراخيص الصادرة عن الهيئة. وهي عبارة عن أجهزة كهربائية ذات تكنولوجيا متطوّرة يتمّ التحكّم بها وتقوم بتوليد الأشعّة السينية (X-rays). منذ عام 2006 وحتى أيار/ مايو 2019، سُجِّل في الهيئة نحو 3 آلاف ترخيص لاستيراد أجهزة أشعة سينية تستعمل في التشخيص والتصوير الطبي، بما في ذلك طبّ الأسنان. وكذلك تمّ استيراد 186 جهاز أشعة سينية لتفتيش الحقائب في المطار والفنادق وأمكنة مختلفة، و11 مسرّعاً خطّياً للعلاج الإشعاعي، ومشعّع للدم، بالإضافة إلى 25 جهازاً يُستخدم في الصناعة والأبحاث العلمية.

إعادة المواد المٌشعة الخطرة
عدا عن استيراد مواد مُشعّة تدخل في استخدامات القطاعات المختلفة، يصدّر لبنان أيضاً مجموعة من هذه المواد، وهي بشكل عام إمّا استنفدت أو لم يعد لديها من النشاط الإشعاعي ما يكفي لتأدية دورها المطلوب في العلاج والتشخيص بشكل فعّال. مادة التكنيسيوم، على سبيل المثال، يبلغ عمرها النصفي بضع ساعات، وترتكز في إنتاجها على مولّدات مستوردة تحتوي على مادة الموليبدينوم (Mo-99) التي يبلغ عمرها النصفي أقلّ من 3 أيّام، ما يعني أن النشاط الإشعاعي يستنفذ نهائياً خلال أسابيع، وبالتالي تصدّر تلك المولّدات على أنها أجهزة ومواد خالية من الإشعاعات، ليعاد تدويرها بعد وقت وجيز. وفي هذا الإطار، تمّت عمليات تصدير في السنتين الماضيتين لما يقارب الـ230 مولداً.


بلغ عدد المواد المُشعّة المُصدّرة من لبنان نحو 140 مادة بين عام 2006 وأيار/ مايو 2019، وأبرزها الإيريديوم-192 التي تصدّر بموجب اتّفاق مُسبق بين المُستخدم الرئيسي في لبنان والمورد الأجنبي الذي يتعهّد باستعادتها بعد انتهاء فعاليتها العلاجية نظراً لبقائها نشطة إشعاعياً، وذلك كشرط أساسي من قِبَل الهيئة اللبنانية للطاقة الذرّية لمنح ترخيص استيراد تلك المادة لصالح المُستخدم الرئيسي في لبنان.
ومؤخّراً، بدأ تصدير المواد المُشعّة المُنتجة بواسطة أجهزة السيكلترون (يوجد جهاز في مستشفى جبل لبنان وآخر في مستشفى الجامعة الأميركية) ولا سيّما إلى العراق ومصر. ومن أبرز المواد التي تنتجها هذه الأجهزة، نذكر نظير الفلورين المشعّ (F-18) المُستعمل في عمليات التصوير الفائق الدقّة للخلايا السرطانية من خلال استعمال تقنية PET أو Positron Emission Tomography.
تولّت الهيئة متابعة نحو 150 حالة تتعلّق بحوادث التلوّث الإشعاعي والإتجار غير المشروع بالمواد النووية والمُشعّة بين عامي 2005 و2018


أمّا أكثر المصادر المُشعّة الخطرة من الصنف الأول، والتي هي ذات نشاط إشعاعي مرتفع، فقد تمّت إعادتها خلال السنوات الماضية إلى بلدان غير بلد المنشأ، نظراً إلى عدم وجود أيّ اتفاق مُسبق بإعادتها نتيجة استيرادها قبل سنوات عدّة من صدور المرسوم التطبيقي 2005/ 15512 الذي يعطي الهيئة اللبنانية للطاقة الذرّية دور الرقابة النووية والإشعاعية. وقد تمّ تنفيذ خمس مهمّات استرداد، بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرّية التي أمّنت الدعم المطلوب والتكاليف كافة، وبدأت هذه العمليات في عام 2009 لإعادة مصادر الكوبالت-60 الموجودة في مصلحة الأبحاث الزراعية في الفنار، ومن ثمّ استتبعت بمصادر أخرى من الكوبالت-60 التي كانت تستعمل في علاج الأورام السرطانية في عدد من المستشفيات (الجامعة الأميركية في بيروت، المعونات، رزق، أوتيل ديو، والاستشفاء الشمالي).

عمليّات رصد لمواد ملوّثة إشعاعياً
من ناحية أخرى، تقوم الهيئة اللبنانية للطاقة الذرّية بالتعاون مع الأجهزة الأمنية المختصّة، ولا سيّما الجمارك، برصد المواد الملوّثة إشعاعياً الداخلة والخارجة من لبنان، في إطار برنامج الأمن النووي لمكافحة الحوادث والإتجار غير المشروع للمواد النووية. وبين عامي 2005 و2018 تمّ رصد أكثر من 150 حادثة سُجّلت في قاعدة بيانات الهيئة.
ففي إطار الجهود المبذولة والتزام لبنان بالمعاهدات الدولية، تمّ منذ سنوات عدّة، وبالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذريّة والاتحاد الأوروبي ووكالة الطاقة الأميركية، تركيب بوّابات عبور إشعاعية في مختلف المعابر الحدودية الشرعية لفحص جميع البضائع والسلع الداخلة (المستوردة) أو الخارجة (المصدّرة) من لبنان، وذلك بإشراف عناصر مدرّبة من الجمارك اللبنانية وبالتعاون مع مفتّشي الهيئة اللبنانية للطاقة الذرّية، الذين من مهمّتهم التدخّل واتخاذ الإجراءات اللازمة في حال حصول أيّ إنذار إشعاعي.
عملياً، أتاحت هذه المنظومة الأمنية النووية تعزيز الحماية من تصدير بضائع ملوّثة إشعاعياً، وبغالبيتها ركام معدني (خردة)، إلى دول تشترط لاستقبالها وجود شهادة فحص إشعاعي من الهيئة، وكذلك من دخول منتجات ملوّثة إشعاعياً إلى لبنان. وفي هذا الإطار سُجّلت خلال السنوات الماضية حالات منع دخول بضائع إلى الأراضي اللبنانية بسبب تلوّثها بمواد إشعاعية، وقد تمّ ضبطها في مرفأ بيروت والمطار اللذين يسجّلان دخول أكثر من 90% من البضائع المستوردة. ومنها:
1- ألواح خشبية من بيلاروسيا ملوّثة بمادة السيزيوم (Cs-137).
2- أدوات مطبخ (ملاعق وشوك) من الهند وملوّثة بمادة الكوبالت (Co-60).
3- أغطية هواتف خليوية وفوط صحية من الصين ملوّثة بمادتي الراديوم (Ra-226) والثوريوم (Th-232).
4- رذّاذات في بعض عبوات العطر وقساطل فولاذية من الصين وملوّثة بمادة الكوبالت.
5- أزرار معدنية للمصاعد ملوّثة بمادة الكوبالت مصنّعة في الصين ومستوردة من هولندا. مع العلم أن هذه الأزرار كانت تُباع في دول عدّة من قبل الشركة الهولندية إلّا أن لبنان كان البلد المستورد الوحيد الذي استطاع كشف التلوّث الإشعاعي الحاصل، وبالتالي إعادة تلك البضائع.
بالإضافة إلى ذلك، هناك عدد من المصادر المُشعّة المُسمّاة «اليتيمة»، أي التي لا يوجد لها سجلات لدى الهيئة ويتمّ العثور عليها من قِبَل الجمارك ومفتّشي الهيئة بشكل عام في المرافئ البحرية عند تصدير الركام المعدني، بالإضافة إلى بعض القطع الملوّثة إشعاعياً، والتي يتمّ حفظها لاحقاً في مخزن النفايات المُشعّة الموجود في الهيئة.

إفادات المُنتجات الغذائية
يوجد في الهيئة أيضاً قسم يُعنى بالرقابة الإشعاعية البيئية، بحيث تقوم الهيئة بدراسات عدّة بهدف تحديد مستويات النشاط الإشعاعي في مختلف المكوّنات البيئية ومن ضمنها التربة اللبنانية. وكذلك بإجراء قياسات إشعاعية وإصدار إفادات لمنتجات غذائية (مستوردة أو مُصدرة) حتى يتمّ التأكد من عدم تجاوز كمية الإشعاع الطبيعي الموجود فيها الحدّ المسموح به، علماً أن تلك الإفادة الصادرة من الهيئة هي شرط مُسبق في الكثير من الأحيان تفرضها الدول المستوردة للمنتوجات اللبنانية.



كم تكلّف حمايتنا من التلوّث الإشعاعي؟
تبلغ موازنة الهيئة اللبنانية للطاقة الذرّية نحو 2.5 مليار ليرة سنوياً، ويتم اقتطاعها من ضمن 10 آلاف مليار ليرة سنوية مخصّصة لمجلس البحوث العلمية. لكن في المقابل، تجمع الهيئة إيرادات سنوية بمعدّل 2.4 مليار ليرة سنوياً من الخدمات التي تقوم بها، ومن ضمنها إجراء الفحوص على البضائع اللبنانية المعدّة للتصدير وتتطلّب شهادة بخلوّها من المواد المُشعّة، وكذلك تحصل سنوياً على نحو 1.5 مليون يورو للتجهيزات وتدريب العاملين فيها من الوكالة الدولية للطاقة الذريّة والاتحاد الأوروبي. تشكّل هذا الأرقام ردّاً واضحاً على دعوات إلغاء الهيئة بحجة التقشّف والتخلص من الإنفاق غير المجدي، وكذلك تمثّل دليلاً على الطبيعة الشعبوية لمثل هذه الدعوات. فالهيئة المذكورة لا تكبّد الخزينة العامة أموالاً مهدورة، بل بالعكس تماماً، فالإنفاق عليها منتج جداً.


المواد المُشعة المستوردة إلى لبنان

في المجال الطبي:
1- التكنسيوم (Tc-99m) بنشاط إشعاعي إجمالي يوازي 2 كوري في الأسبوع: تستخدم في التشخيص الطبّي ويتمّ استيرداها كمجموعات، يحتوي كلّ منها على كمّيات صغيرة يُصار إلى توزيعها من قِبَل الشركة المستوردة لصالح المستشفيات والمراكز الطبّية.
2- الأيودين (I-131) بنشاط إشعاعي يعادل 0.5 كوري في الأسبوع: تستخدم في العلاج بالأشعة.
3- الإيريديوم (Ir-192) بنشاط إشعاعي يعادل 60 كوري سنوياً.

في الصناعة:
يوجد حالياً نحو 50 مادّة مشعّة تمّ استيرادها منذ 2006 وحتّى أيار/ مايو 2019.
1- الكاليفورنيوم المُشعّ (Cf-252) يشكّل 70% من هذه المواد، وهو بنشاط إشعاعي بنحو 3 ملليكوري لكل مصدر.
2- السيزيوم (Cs-137)، والكوبالت (C0-60)، والكريبتون (Kr-85) والبرومثيوم (Pm-147) وتتراوح إشعاعاتها بين 100 إلى 400 ملليكوري.
3- مصادر أخرى تُستعمل في معايرة الأجهزة، ونشاطها الأشعاعي أقلّ بكثير من المصادر الأخرى، وأبرزها الكوبالت (Co-57) والجرمانيوم (Ge-68) والصوديوم (Na-22) والأمريسيوم (Am-241).

* مدير أبحاث في المجلس الوطني للبحوث العلمية
* رئيس قسم الترخيص والتفتيش في الهيئة اللبنانية للطاقة الذرّية