هناك مقاربتان للإجابة عن هذا السؤال. بالنسبة إلى عجز الموازنة والدَّيْن العام كنسبة من الناتج المحلّي القائم، ليس هناك جديد، فأزمة المالية العامّة مستمرّة منذ خمسة وثلاثين عاماً. أمّا بالنسبة إلى تركيبة الدَّيْن العام، من حيث الجهات المموّلة له والعملات المكوّنة للدَّيْن، فهذا أمرٌ جديد يضع البلاد أمام مخاطر لا سابق لها.

إذاً، عجز الموازنة ليس جديداً، مقارنةً بسنوات الحرب الأهلية. وما بعدها، العجز سنوي ومستمرّ ومتمادٍ. لكن المؤسف أن نقارن فترة السلم الأهلي بمرحلة الحرب، إذ كانت هناك مبرّرات للدولة في زمن الاقتتال الداخلي وتفكّك الدولة وفقدانها السيطرة على سيادتها على الأرض. ولكن بعد أكثر من ربع قرن على النهاية الرسمية للحرب، لا شيء يبرّر استمرار العجز وتراكم المديونية إلّا سوء الإدارة.
خلال الحرب تقلّصت إيرادات الدولة إلى حدّ بعيد، لأن القوى المتحاربة كانت تشارك الدولة في الجباية من طريق المرافئ غير الشرعية والرسوم التي كانت تفرضها على المؤسّسات والمطاعم ودور السينما ونقاط العبور من منطقة إلى أخرى. لجأت الدولة إلى الاستدانة الكثيفة لتمويل نفقاتها على رواتب الموظّفين وفوائد الدَّيْن العام ودعم المحروقات والكهرباء والقمح والنفقات خارج الموازنة.
مع ذلك، فإن الدَّيْن العام كنسبة من الناتج المحلّي لم يتجاوز نسبة 100%، لأن انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية كان يمتصّ نموّ العجز والدَّيْن العام.
بعد الحرب واجهت الدولة متطلبات الإنفاق الكبيرة، ولم تكن تملك الإرادة ولا القدرة السياسية لفرض الضرائب، مع العلم أن أولويات مبادئ المالية العامّة السليمة لا تسمح بأن يتجاوز العجز السنوي نفقات الاستثمار، فيما يفترض أن تموّل النفقات الجارية بالضرائب. لذلك، ارتفعت نسبة الدَّيْن إلى الناتج المحلي إلى مستوى 180% أحياناً، وهي اليوم تتجاوز 150%.
الخلاصة أن عجز الموازنة ليس جديداً، لكنه بلغ مستويات لا يستطيع الاقتصاد الوطني تحمّلها. وليس هناك مبرّر لهذه العجوزات في المالية العامّة، ما دام هناك استقرار أمني، والدولة تسيطر على الأراضي اللبنانية.
أمّا الجديد والخطير، فهو حجم الاستدانة بالعملات الأجنبية، وهذا لا سابق له قبل عام 1993. إن ديون القطاع العام بالعملات الأجنبية، أي الحكومة ومصرف لبنان، تقارب حالياً 85 مليار دولار، ما يزيد على 140% من الناتج. وهذا رقم كبير وخطير، لأن الدولة لا تستطيع خلق النقد الأجنبي، وبالتالي إذا استمرّ وتمادى نزف العملات الأجنبية وعجز ميزان المدفوعات، يمكن أن تصل الدولة إلى وضع لا تستطيع معه سداد ديونها للدائنين، أي المودعين والمصارف.
وقد كتبت في آخر مقال نشرته أنه «في النصف الثاني من عام 2018 بلغ الرصيد السلبي للموجودات الخارجية للقطاع المالي 4.6 مليارات دولار، وفي آخر السنة نفسها أظهرت النتائج المعلنة أن مصرف لبنان خسر 2.3 مليار دولار من موجوداته الخارجية، والمصارف خسرت 2.5 مليار». وفي الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري سجّل ميزان المدفوعات عجزاً تاريخياً بلغ خمسة مليارات دولار، أي بمعدّل مليار دولار كلّ شهر.
إن استمرار هذا النزف قد يهدّد، إذا استمر على النحو نفسه، مدّخرات اللبنانيين، لأن المصدر الأساسي للدَّيْن العام هو القطاع المصرفي، أي المودعون.
يتلهّى الرأي العام اللبناني بأخبار الفساد الصغير والرشوات وما إلى هنالك، إلّا أن المحاسبة يجب أن توجّه إلى السياسات التي سمحت بامتصاص المدّخرات بالعملات الأجنبية من قبل مصرف لبنان ووزارة المالية لتمويل عجز الدولة وتعزيز موجودات مصرف لبنان بالعملات لحماية سعر الصرف. فهذه السياسات هي التي أوصلت لبنان إلى شفير الانهيار الذي كثر الحديث عنه في المنتديات المحلّية والتقارير الدولية. هذه مسألة خطيرة تعبث بأمن شعب كامل وثرواته ولقمة عيشه، ولا يجب أن تبقى خارج الأضواء وبمنأى عن المحاسبة.