كلّ أزمة تكون هي صعبة في حينها، ولبنان مرّ بأزمات عدّة كان وقعها صعباً عليه، لعل أبرزها أزمة انهيار سعر الصرف في ثمانينيات القرن الماضي وامتدادها حتى مطلع التسعينيات. لا شكّ في أن هذه الأزمة كانت الأصعب على الإطلاق لأسباب عدّة، أهمّها أنها حصلت في ظلّ احتلال إسرائيلي لثلث مساحة لبنان، ما قلّل من إمكانيات تفاديها، وأدّى إلى توقف الاستثمارات الأجنبية، وقد ترافق ذلك مع تواطؤ الدولة والمصارف اللبنانية للمضاربة على الليرة. فحتى عام 1982 كان سعر الصرف بحدود 3 ليرات مقابل الدولار، ثم أخذ يتدهور باطّراد. لقد سقطت الليرة بالمضاربة فقط، لا بخروج الرساميل التي بقيت في لبنان، ولا بتوقّف التحويلات التي استمرّ تدفّقها من المغتربين. وقد كان السقوط مدوّياً على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، إذ تراجع الاقتصاد وهاجرت اليد العاملة والأدمغة إلى دول الخليج. لقد كانت أزمة كبيرة ولم نكن مهيَّئين لمعالجتها.

ما يميّز الأزمة التي نمرّ بها حالياً عن أزمة الثمانينيات، أن إمكانيات الخروج منها لا تزال مُتاحة، بشرط عدم إهدارها كما حدث مع الكثير من الفرص الضائعة. فالمؤشّر الأساسي للانهيار، أي تدهور سعر الصرف، لا يزال غير متوافر. وحتى اليوم لم يسجّل أي خروج كبير ولافت للرساميل، ولا تزال الدولة تسدّد ديونها، و85% من هذا الدَّيْن تحمله أطراف محلّية. إلّا أن ذلك لا يعني أن الأزمة ليست خطيرة، بل هي كذلك، خصوصاً أن العجوزات المٌسجّلة هي الأكبر على الإطلاق، وقد نتجت من تراكمات لأكثر من ربع قرن.
من المعروف أن الاقتصاد عمل سياسي، لا بل هو سياسة بلغة الأرقام. منذ عام 1993، انتهج لبنان سياسة استدانة مُفرطة، وهو ما شكّل بداية الأزمة التي نحن فيها اليوم. تميّزت هذه الاستدانة بكونها قصيرة الأجل لمشاريع طويلة الأمد، وأكثر من ذلك، كان جزءاً منها متعمّداً لجعل الاقتصاد رهينة لمن يتحكّم به، أي المصارف. اليوم، يعيش النظام المصرفي على عاتق الاقتصاد، وهناك سياسة، أي خيار واضح يقضي بدعم ميزانيات المصارف وأرباحها من خلال مراكمة الدَّيْن العام، وهو ما يعبّر عنه ارتفاع موجودات المصارف بالتوازي مع ارتفاع حجم الدَّيْن، بحيث باتت تشكّل 3 مرّات حجم الاقتصاد، لكن من دون أن يُسهم فعلياً بدعم النموّ الاقتصادي. أساساً لم يكن الخيار السياسي يقضي ببناء أي اقتصاد، وهنا أذكر ما كان يقوله بعض الوزراء الأصدقاء بـ«أننا لا نريد لا صناعة ولا زراعة. فليبنِ الصناعيون مصانعهم في قطر، نحن نريد العقارات والمصارف، نريد اقتصاد الخدمات». هذه هي السياسة التي انتهجوها، واستقطبت مليارات الدولارات، فوظّفت في أكثر من 80 ألف شقة فارغة، وفي وسط تجاري لا يرتاده أحد. وفي المقابل، هجّرت آلاف اللبنانيين الذين أسهموا من خلال تحويلاتهم بجعل المقيمين فيه يعيشون بأعلى من قدراتهم. هذا هو الاقتصاد الريعي الذي ينتج ثروة من دون مجهود، وهو ما سيدفع ثمنه الجميع، حكومة ومواطنين.
بنية الاقتصاد اللبناني هشّة جدّاً، وقد ساعد الوضع الإقليمي بدعمها، إلّا أن هذا الدعم قد لا يدوم إلى ما لا نهاية. حالياً يوجد موقف دولي لمنع انهيار لبنان، لأنه انهيار لا يصبّ في مصلحة أحد، ولا سيّما رأس المال الموظّف في المصارف اللبنانية، إلّا أن ذلك لا يعني أنه يجب إعادة النظر بكلّ السياسات الاقتصادية لتخفيف الأعباء الكثيرة الملقاة على المجتمع والاقتصاد، والتوجّه من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي، لأن حتى الخدمات إذا لم ترتبط بقطاع إنتاجي فإنها تتحوّل إلى ريع. كذلك يفترض للخروج من الوضع الراهن إيقاف الهدر المتعمّد، وإعادة النظر بالعلاقات مع المحيط، ولا سيّما سوريا، والتوجّه نحو الشرق بدلاً من الغرب وشروطه التعجيزية. أمّا الأهم وأساس تحقيق هذه السياسات، فهو تغيير الطقم السياسي، لكونه يشكّل عبئاً على الجميع، وحتى على المعادلة الإقليمية. صحيح أنه لن يسمح للبنان بأن ينهار، إلّا أنه لن يسمح له أيضاً بتشكيل خطر على سوريا والعراق والأردن. فالتهويل الحالي حول حالة الاقتصاد هو أوّلاً وأخيراً للضغط على المقاومة وإخراجها من الحكومة كحلّ للأزمة الاقتصادية، وتأتي زيارة رؤساء الوزراء السابقين لبلاد الحرمين دليلاً على ذلك، وكذلك إن افتعال الأزمة مع الفلسطينيين في هذا الوقت بالذات، والاعتراض على الموازنة وإقفال بعض المناطق اللبنانية هي من وسائل الضغط على الرئيس سعد الحريري للتخلّي عن التسوية مع الرئيس ميشال عون وعن التفاهم مع المقاومة.