«وهذه التنمية فيما هي تهيِّئ فرص العمل للجميع والعيش اللائق بالإنسان، تفعل فعلها الكبير في القضاء على التفاوت بين الأفراد والجماعات والمناطق، وتنقل إلى كلّ أنحاء لبنان بركة المساواة، وروح الوفاء للوطن»
الرئيس فؤاد شهاب



ليس الهجوم على القطاع العام إلّا استكمالاً لمسلسل طويل بدأ بعد انتهاء الحرب الأهلية، وقام على الأيدولوجية النيوليبرالية التي تُشيطن الدولة وتعتبرها عائقاً أمام نمو القطاع الخاص. إذ قامت السلطة، مذاك الحين، بضرب القدرات المالية للدولة عبر نظام ضريبي فاشل وظالم، حرم الدولة من الموارد المالية الكافية التي تسمح لها القيام بمسؤولياتها الأساسية، وجعل منها رهينة للاستدانة الدائمة. فما كان يتوجّب على الدولة أن تأخذه بالضرائب، باتت تستجديه عبر الاقتراض بفوائد باهظة. حتّى أصبحت خدمة الدَّيْن تستنزف 50% من إيرادات الدولة وثلث الإنفاق الحكومي، وهي النسبة الأعلى في العام على الإطلاق، استناداً إلى بيانات البنك الدولي!
ربّما لا يدرك المسؤولون أن المشكلة ليست في الدولة بل في غيابها وعجزها. فتحجيم الدولة والقطاع العام، يفاقم المشاكل بدلاً من حلّها. فيما المطلوب تمكين الدولة ومدّها بالقدرات الضرورية مالياً واقتصادياً لكي تتمكّن من القيام بالمسؤوليات المتعدّدة الملقاة على عاتقها. فوفقاً لعالم الاقتصاد السياسي فرانسيس فوكوياما، إن دول الحدّ الأدنى التي تتمتّع بفردوس ضريبي مثل الصومال وغيرها من دول جنوبي الصحراء الأفريقية، حيث الإيرادات الحكومية لا تتجاوز نسبة 20% من حجم الناتج المحلّي، (في لبنان تصل إلى 20% بينما ترواح في معظم الدول المتقدّمة بين 40% و50%) تكون دولاً عاجزة عن تمويل الخدمات العامّة الأساسية لمواطنيها كالصحّة والتعليم، وتفتقد إلى بنية تحتية جيّدة وعصرية، وضرورية لبناء اقتصاد حديث ومُنتج (مثل الكهرباء والطرق والنقل والاتصالات).

عودة إلى الشهابية
كان عهد الرئيس فؤاد شهاب تأسيسياً بامتياز ومدخلاً لبناء الدولة الديموقراطية الحديثة والانصهار الوطني الحقيقي، إذ اعتبر أن المشكلة الاقتصادية - الاجتماعية والتفاوت الاقتصادي بين المناطق والشرائح الاجتماعية المختلفة هي أساس الانقسامات السياسية والطائفية والحزبية، فأوكل مهمّة إعداد الدراسات والتخطيط ووضع الأهداف والأولويات إلى بعثة «إيرفد» برئاسة الأب لوبريه.

19%

حجم الإنفاق الحكومي من الناتج المحلّي في لبنان وهي نسبة قريبة للبلدان الضعيفة مثل الموزامبيق، حيث يبلغ الإنفاق الحكومي 18% من الناتج المحلّي


تميّزت سياسة تمويل الإنماء في العهد الشهابي «بالجرأة والإقدام»، فبعد أن كانت إمكانات الخزينة تحدِّد ضرورات الإنماء، أصبحت الأولوية خلال العهد الشهابي للإنماء والعدالة الاجتماعية. ركّزت الشهابية على الإنفاق على البنية التحتية لإيصال الخدمات العامّة إلى القرى والمناطق النائية وتحسين بناها التحتية، بعد أن بيّنت بعثة «إيرفد» أنّ هناك نحو 600 قرية لبنانية تفتقر إلى الطرق وشبه معزولة، ولا يصلها التيار الكهربائي، وتفتقر إلى الخدمات الصحّية والاجتماعية، وأيضاً لا تستطيع تصريف إنتاجها الزراعي. فصدر المرسوم 6630 في عام 1961 مخصِّصاً مبلغ 84 مليون ليرة لإيصال الطرق إلى جميع القرى اللبنانية، وأتبع بقانون ثانٍ في العام نفسه، يخصّص مبلغ 450 مليون ليرة لتعميم الكهرباء على القرى كافّة، فتمّ تأسيس مصلحة كهرباء لبنان، وعُهِد إليها إنتاج الطاقة ونقلها وتوزيعها في جميع الأراضي اللبنانية، وتحوّلت كل الإنشاءات الكهربائية المستثمرة من القطاع العام أو القطاع الخاص إلى مصلحة كهرباء لبنان، فازدادت القدرة المجهّزة للإنتاج في المعامل الكهربائية المائية والحرارية في لبنان من 144.3 ألف كيلواط إلى 284 ألف كيلواط بين عامي 1958 و1964.
وخلال الفترة نفسها، ارتفعت الاعتمادات التي أنفقت عبر وزارة الأشغال أربعة أضعاف، وأدّت إلى إنجاز سلسلة من الطرق بطول 900 كيلومتر. ووزّعت هذه الاعتمادات وفقاً لحاجات المناطق، فنالت منطقة البقاع الحصّة الأكبر نظراً للحرمان التي تعاني منه ولكبر مساحتها. وازداد على أثرها عدد المركبات من 60 ألفاً إلى 140 ألفاً بين عامي 1960 و1968.

الهجوم على القطاع العام
بعد الحرب اللبنانية، أشاعت البروباغندا النيوليبرالية المُهيمنة تضخّم حجم الدولة في الاقتصاد، وحمّلته مسؤولية الأزمات التي نعيشها. لكن إذا نظرنا في الأرقام، نجد أنّ المشكلة تكمن في ضعف الموارد المالية لدى القطاع العام نتيجة شحّ الإيرادات الحكومية وذهاب القسم الأكبر منها لتمويل خدمة الدَّيْن (50%).
إذا أخذنا حجم الدولة بالإنفاق الحكومي نسبة إلى الناتج المحلّي في عام2017، نجد أنه يقارب 29% وفقاً لإحصاءات وزارة المالية وإدارة الإحصاء المركزي، علماً أن مدفوعات الفائدة على الدَّيْن الحكومي تشكّل ما يفوق ثلث الإنفاق الحكومي. أمّا إذا استثنينا مدفوعات فوائد الدَّيْن الحكومي باعتبار أنه لا يقابلها أي إنتاج أو خدمة، فيمكن أن نأخذ صورة أقرب إلى الحجم «الفعلي» للدولة في الاقتصاد، إذ يصبح يقارب 19%، بينما يصل إلى 54% في فرنسا، و35% في قبرص، و18% في الموزامبيق. ما يعني أن حجم الدولة في الاقتصاد في لبنان هو قريب من الدول العاجزة عن توفير الخدمات العامّة الأساسية لمواطنيها وتطوير وصيانة بناها التحتية.


من الواضح أن هناك علاقة بين مستوى التقدّم الاقتصادي وحجم الدولة في الاقتصاد، ويعود ذلك إلى سببين مترابطين. أوّلاً، إن زيادة المداخيل تزيد من الطلب على التقديمات الاجتماعية والخدمات العامّة والبنية التحتية الحديثة، فضلاً عن أن توفير الخدمات العامّة الأساسية للمواطنين، بالإضافة إلى بنية تحتية حديثة، يحسّن الإنتاجية، ويزيد من القدرات الإنتاجية للاقتصاد، فيزداد النموّ الاقتصادي. وهو ما يجعل الإنفاق الحكومي جاذباً لاستثمارات القطاع الخاص أيضاً، التي من الصعب أن تأتي من دون هذه المقوّمات الأساسية. وهذا ما تؤكّده دراسات وتقارير عدّة صادرة عن المؤسّسات الدولية، تبيّن اهتراء البنية التحتية وتراجع الخدمات العامّة في لبنان، بما يشكّل عائقاً أساسياً أمام استثمار القطاع الخاص فيه وتحقيق النموّ الاقتصادي المستدام، فهو يحلّ في المرتبة 113 من أصل 137 بلداً لناحية جودة بناه التحتية وفقاً لتقرير التنافسية العالمية لعام 2017، أي بعد بنغلادش ومالي، ما يجعله في مصاف الدول الفاشلة في هذا المجال!

دولة المصارف
ساهمت السياسة النقدية التي جعلت من تثبيت سعر الصرف الهدف شبه الوحيد لها، بارتفاع معدّلات الفائدة لزيادة الطلب على الليرة واستقطاب الودائع بالعملات الصعبة لتعزيز احتياطي المصرف المركزي بالعملات الأجنبية.
بين عامي 1993 و2003، بلغ المعدّل الوسطي للفائدة على سندات الخزينة بالليرة اللبنانية لاستحقاق السنتين نحو %17.5 وفق بيانات مصرف لبنان. فتحوّلت المدخّرات إلى التوظيف في الأوراق المالية، بدلاً من القطاعات الإنتاجية والاقتصاد الحقيقي. حتّى أصبحت توظيفات المصارف في سندات الخزينة وشهادات الإيداع لدى مصرف لبنان تفوق نحو 60% من مجمل توظيفاتها. وبالتالي، باتت معظم مداخيل وأرباح القطاع المصرفي تأتي من الأموال العامّة. ما يعني ببساطة، أن القطاع المصرفي هو القطاع الأكثر دعماً من الدولة، وقد أصبح فعلياً جزءاً من القطاع العام. وإن كان من بدٍ للتقشّف فيجدر أن يبدأ من هذا القطاع الذي يستنزف أكثر من 50% من إيرادات الدولة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الكلفة التراكمية لخدمة الدَّيْن الحكومي، بين عامي 1993 و2017، بلغت نحو 77 مليار دولار، أي أكثر من أربعة أضعاف الأموال التي رصدها مؤتمر «سيدر» والتي تبلغ نحو 17.5 مليار دولار.

الدولة هي الحلّ وليست المشكلة
في عام 1969 خلال مناقشة مشروع الموازنة، عارض كمال جنبلاط بشدّة موازنة التقشّف التي تقدّم بها وزير المالية، آنذاك، بيار إدة، ووصفها بموازنة الفقر والحرمان الشامل ورعاية جيوب الأغنياء، وبأنها محاولة لهدم الدولة والإدارة اللبنانية. وكذلك حذّر جنبلاط من صرف صغار الموظّفي باعتبارها قطع للأرزاق التي ترتقي إلى قطع الأعناق، مشيراً إلى أنها ستزيد من البطالة وأزمة العمل. وأيضاً طالب بتنفيذ مخطّط واسع للأشغال العامّة مذكّراً بإنجازات الرئيس فؤاد شهاب، قائلاً: «تمكّن العهد الشهابي من أن يصرف نحو 1400 مليون ليرة لإيصال المياه والطريق والكهرباء والمدرسة والمستوصف والمستشفى (...)، وشقّ الأتوسترادات وحقّق مشروع الليطاني ومشاريع الريّ الكبرى في البلاد وسواها من المشاريع، من دون أن تصاب الموازنة بأي عجز يذكر».
أمّا البلدان المتقدّمة، لا سيّما في أوروبا وشرقي آسيا، فقد اعتمدت نموذج «قيادة الدولة للتنمية الاقتصادية»، ونجحت في التحوّل إلى اقتصادات صناعية حديثة، خلال فترة قصيرة نسبياً، من خلال تدخّل الدولة في الأسواق وحمايتها، وصولاً إلى توفير التمويل اللازم للقطاع الخاص بفوائد متدنية، وتوجيه الاستثمارات إلى القطاعات الواعدة التي تنطوي على فوائد اقتصادية واجتماعية مرتفعة وقابلة للتصدير أو الحلول مكان المستوردات، وكذلك أنشات شركات مملوكة من الدولة في المرافق العامّة، مثل فرانس تيلكوم وشركة كهرباء فرنسا التي تعدّ من أضخم الشركات في العالم. وقد كان الهدف توفير بنية تحتية حديثة وخدمات عامّة بأسعار مقبولة، أي بخلاف التجربة اللبنانية خلال فترة الإعمار التي حجّمت الدولة وضربت مؤسّساتها.
لا تتجاوز الإيرادات الحكومية 20% من الناتج، وهناك إمكانية لزيادتها إلى 30% عبر مكافحة التهرّب الضريبي


لا شكّ أن تحقيق ذلك في لبنان يبدو صعباً جدّاً في ظلّ ميزان القوى الحالي الذي يميل بشكل كبير لصالح رأس المال على حساب العمّال وذوي الدخل المحدود والدولة. يقول الاقتصادي ألبر داغر «الإصلاح ليس مجرّد مسألة تقنية»، ونشاطره رأيه بأن الإصلاح الذي اختبرناه خلال العقود الأخيرة أدّى إلى انحلال الإدارة العامّة وخصخصة الوظائف السيادية للدولة وعمّق التخلّف الاقتصادي والسياسي. وكشرط ضروري، ولو لم يكن كافياً، للخروج من الأزمة، يُفترض العمل لإرساء نظام ضريبي تصاعدي يوفّر موارد مالية كافية لتحقيق العدالة الاجتماعية. حالياً، تقدّر نسبة الإيرادات الحكومية إلى الناتج المحلّي بنحو 20% فقط، بينما تبيّن التقديرات أن هناك إمكانية لزيادتها إلى 30%، أي بنحو 3.4 مليار دولار سنوياً، عبر ضبط التهرّب الضريبي وفرض ضرائب ورسوم إضافية على الربح العقاري وفوائد الودائع ورؤوس الأموال المنقولة، فضلاً عن رفع الضريبة التصاعدية على المداخيل والأرباح، وخفض الفائدة كمقدّمة لخفض خدمة الدَّيْن العام وبالتالي العجز وتشجيع الاستثمار.
لا شكّ أن هذه الإجراءات لا ترتقي إلى مستوى الإصلاح الجذري في النظام الضريبي، ولكنّها تشكّل خرقاً للنموذج الحالي. فالمطلوب هو تنفيذ مشروع إصلاحي حقيقي يقوم على قيادة الدولة لعملية النهوض الاقتصادي والتنمية على غرار تجارب البلدان المتقدّمة والتجربة الشهابية المميّزة، لا عبر الإمعان في ضرب قدرات الدولة وإفراغ القطاع العام والخصخصة لدرجة أن ينتهي الغلو في خصخصة العام، بجعل العام يختفي تماماً.

المصادر والمراجع:

بالعربية
جبرايل يونس، «بعثة إيرفد، الفرصة الإنمائية الضائعة»، 2016، دار نوفل.
كمال جنبلاط، «آراء و كلمات في البرلمان اللبناني»، الجزء الثاني، 2017، الدار التقدمية، الطبعة الأولى.
ألبر داغر، «أزمة بناء الدولة في لبنان»، 2012، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى.
ندى حسن فياض، «الدولة المدنية، تجربة فؤاد شهاب في لبنان»، 2011، منتدى المعارف.
توفيق أنيس كفوري، «الشهابية مدرسة رؤيوية»، 2012.
مروان حرب، «الشهابية حدود التحديث السياسي في لبنان»، 2012، دار سائر المشرق، الطبعة الأولى.
عبد الرؤوف سنو، «حرب لبنان 1975-1990، التحولات في البنى الإقتصادية و الإجتماعية و المعرفية»، المجلّد الثاني، بيرون 2015، دائرة منشورات الجامعة اللبنانية.
فرانسيس فوكوياما، «أصول النظام السياسي (1)»، ترجمة مجاب الإمام ومعين الإمام، 2016، منتدى العلاقات العربية والدولية، الطبعة الأولى.
منصور بطيش، «إيرادات الدولة اللبنانية واقع وتطلعات»، 2017، دار سائر المشرق.

بالإنكليزية
Fukuyama Francis, «The Origins of Political Order», 2011, Farrar, Straus And Giroux, New York, First edition.
Fukuyama Francis, «Political Order and Political Decay», 2011, Farrar, Straus And Giroux, New York, First edition.
Lerner Abba, «Functional finance and the federal Debt», 1943, The Johns Hopkins University Press.
Mitchel and Fazi, «Reclaiming the State, A Progressive Vision of Sovereignty for a Post-Neoliberal World», 2017, Pluto Press.
World Bank, «The East Asian Miracle, Economic Growth and Public Policy», 1993, Oxford University Press.

مواقع إلكترونية
صندوق النقد الدولي: https://www.imf.org/external/index.htm
وزارة المالية اللبنانية: http://www.finance.gov.lb/en-us
مصرف لبنان: http://www.bdl.gov.lb/
بيانات البنك الدولي: https://data.worldbank.org/indicator
إدارة الإحصاء المركزي: http://www.cas.gov.lb/

* أستاذ جامعي
* باحث في الاقتصاد السياسي



عن توصيات صندوق النقد
عندما كانت الحكومة تبحث عن مخارج لخفض العجز المالي من خلال خفض سعر الفائدة على سندات الخزينة والاكتتاب بسندات بفائدة 1%، أتت المفاجأة من صندوق النقد، الذي ألقى «حرماً» على هذا الاكتتاب على رغم أنه من غلاة المطالبين بخفض العجز. وكانت الحجّة أن هذا الاكتتاب سيضعف ميزانية المصرف المركزي، وكذلك حذّر من الضغط على المصارف للاكتتاب بها.
من هنا، يبدو أن صندوق النقد يعطي الأولوية لمصالح القطاع المصرفي، قبل مصلحة الدولة بخفض عجزها من خلال خفض فائدة الدَّيْن، وقبل مصلحة الاقتصاد بانخفاض معدّلات الفائدة الذي من شأنه تشجيع الاستثمار! والمفارقة أن هذه «التحذيرات» تأتي بالتوازي مع إقرار الصندوق بانخفاض النمو إلى 0.3% خلال عام 2018.
وهنا نتساءل لماذا يكون المصرف المركزي كريماً إلى هذا الحدّ مع المصارف سواء من خلال الهندسات المالية أو الفوائد على شهادات الإيداع أو ضخّ السيولة فيها، ولماذا لا يتعامل بشكل مماثل مع الدولة التي هي بأمسّ الحاجة إلى خفض خدمة الدَّيْن وإلى الإنفاق المجدي على تحديث البنية التحتية المهترئة وهو أمر ضروري لجذب الاستثمارات؟