في سياق السياسات الانكماشية والتقشّفية التي تنتهجها الدولة اللبنانية لحماية سعر الصرف ومواجهة النزف المتواصل في العملات الأجنبية، انسحبت من القيام بوظائفها الاجتماعية والاقتصادية، وتوقّفت عن دفع المستحقّات المتوجّبة عليها، فتراكمت عليها متأخّرات لصالح الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والمستشفيات والمقاولين تتجاوز قيمتها 3.9 مليار دولار. أمّا النتيجة فأتت مأساوية بالفعل، العديد من مرضى السرطان توقّفوا عن تلقّي علاجهم لعدم قدرة الضمان على تأمين كلفة هذا العلاج، وكذلك هناك نحو 10 مستشفيات متأخّرة عن دفع رواتب موظّفيها، ونحو 155 مستشفى متوقّف عن تسديد فواتير المورّدين الذين أوقفوا بدورهم إمدادها بالأدوية إلّا في حال دفع ثمنها نقداً، في حين أن معظم شركات المقاولة صرفت نصف موظّفيها، وتعاني من تراجع في نشاطها الاقتصادي الذي يرتدّ على قطاعات اقتصادية أخرى ويساهم في مفاقمة حلقة الركود الاقتصادي. في الواقع، لا تعبّر هذه المستحقّات عن كلّ المتأخّرات المتراكمة على الدولة، إلّا أنها تشكّل القسم الأكبر منها، وهي بكلّ الحالات لا تدخل في حساب الدَّيْن ولا تسجّل ضمنه في محاولة لتجميل هذه الحسابات. في حين أن المتأخّرات المستحقّة في عام 2019 وحده، تصل إلى 1.2 مليار دولار، ما يعني أن الحديث عن تخفيض عجز الموازنة هو حديث وهمي حتى الآن على الرغم من كلفته الباهظة على المجتمع




المورّدون يمتنعون عن تسليم الأدوية
1.3 مليار دولار هو مجموع الديون المتراكمة على الدولة لصالح المستشفيات حتى نهاية حزيران/ يونيو 2019، بعضها يعود إلى عام 2012 ويقدّر بنحو 139 مليون دولار. إلّا أن الجزء الأكبر منها، أي نحو 87.5%، يعود إلى عام 2018 الذي لم يتمّ تسديد سوى ربع المستحقّات المتوجبة خلاله ويُقدّر بنحو 232 مليون دولار من أصل 929 مليون دولار، وإلى النصف الأول من عام 2019 الذي لم يتمّ تسديد أي من المستحقّات المتوجّبة خلاله وتبلغ 464 مليون دولار.
يقول نقيب أصحاب المستشفيات سليمان هارون لـ«الأخبار» إن «الدولة تعدّ زبوناً أساسياً للمستشفيات، فهي تنفق سنوياً أكثر من 930 مليون دولار، سواء من خلال وزارة الصحّة أو تعاونية موظّفي الدولة أو الأسلاك العسكرية. وبالتالي تأخّرها بدفع المستحقّات المتوجّبة عليها تنجم عنه أزمة في قطاع الاستشفاء يدفع ثمنها المرضى أوّلاً، ولا سيّما مرضى السرطان نتيجة عدم حصولهم على الطبابة اللازمة، وكذلك القطاعات الاقتصادية المرتبطة به».
سليمان هارون: العديد من المستشفيات لم تعد توفر علاج السرطان


ويتابع هاورن: «هناك أزمة فعلية في قطاع الاستشفاء ناتجة عن التأخّر في دفع هذه المستحقّات. لقد أقفلت مستشفى في سن الفيل خلال هذا العام، فضلاً عن إقفال أقسام السرطان في العديد من المستشفيات نظراً إلى انعدام القدرة على تأمين كلفة علاج السرطان المرتفعة جدّاً. أيضاً، هناك 10 من أصل 127 مستشفى متأخّرة في تسديد رواتب الموظّفين لديها، وعدد أكبر اضطر لتسريح موظّفين لتخفيف الأكلاف، بالإضافة إلى نحو 115 مستشفى متأخّرة عن دفع فواتير مورّدي الأدوية الذين باتوا يمتنعون عن إمداد المستشفيات بالدواء، إلّا في حال تمّ الدفع نقداً».

مرضى السرطان يوقفون علاجهم
2.332 مليار دولار هي قيمة الديون المتراكمة على الدولة لصالح الضمان الاجتماعي، نحو 2.1 مليار دولار متراكمة من سنوات سابقة تعود إلى ما قبل 2006 وحتى نهاية 2018، في حين تصل قيمة الديون في عام 2019 إلى 232 مليون دولار وفق الاعتمادات المرصودة في قانون الموازنة.
يقول مدير عام الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي محمد كركي لـ«الأخبار» إن «الدولة لم تدفع خلال 5 سنوات سوى 33 مليون دولار من أصل 235 مليون دولار متوجّب عليها دفعها سنوياً، وهو ما أدّى إلى سحب 1.3 مليار دولار من صندوق نهاية الخدمة حتى الآن من أصل 7.3 مليار دولار موجودة فيه، لتمويل صندوق المرض والأمومة وبالتالي تأمين الطبابة والاستشفاء للمضمومنين».

محمد كركي: في حال لم تدفع الدولة، سنوقف تقديمات المرض والأمومة


ويتابع كركي «هذا الوضع يؤدّي إلى استنزاف أموال صندوق نهاية الخدمة، وهي ليست إلّا مدّخرات المضمونين، وكذلك أوجد أزمة فعلية في الضمان الاختياري الذي يستفيد منه نحو 10 آلاف مضمون، إذ بات يموّل راهناً من اشتراكات المضمونين فقط، ولا سيّما مرضى السرطان، الذين باتوا يتقشّفون في علاجهم كون أدوية السرطان غالية وتتجاوز قيمتها 6 إلى 7 ملايين ليرة شهرياً للمريض، ما قد يؤدّي إلى ازدياد حالتهم المرضية سوءاً وربّما وفاتهم. وأيضاً انعكست أزمة الدولة على المتقاعدين ويبلغ عددهم نحو 8 آلاف مضمون، فهؤلاء وبعد أن أصبحوا يستفيدون من التغطية المرضية لمدى العمر بموجب قانون صدر في عام 2017، امتنعت الدولة عن دفع حصّتها من اشتراكاتهم، أي أنها لم تلتزم بالقانون الصادر عنها وراكمت ديوناً عن عامي 2017 و2018 بنحو 87 مليون دولار، بما يحول دون حصولهم على الطبابة اللازمة».
ويضيف كركي «تمّ الاتفاق مع الدولة على أن تقسّط ديونها على 10 أقساط، وأن تسدّد القسط الأوّل في نهاية أيلول/ سبتمبر المقبل مع مستحقّات عام 2019، ويبلغ مجموعها 445 مليون دولار. لكن في حال لم تلتزم بذلك، سنوقف تقديمات المرض والأمومة تماماً كما حصل في عام 2006، لأن الضمان لم يعد باستطاعته التحمّل».

شركات المقاولة صرفت نصف موظّفيها
270.5 مليون دولار هي قيمة الديون المتراكمة على الدولة اللبنانية لصالح المتعهّدين والمقاولين، نحو 18% منها أي 48 مليون دولار تعود لعام 2019 مستحقّة على مجلس الإنماء والإعمار ووزارة الأشغال. أما القيمة المتبقية وتبلغ 222.5 مليون دولار فهي تعود لسنوات سابقة وتشكّل 82% من مجمل الديون المتراكمة.
يقول نقيب المقاولين مارون الحلو لـ«الأخبار» إن «هذه الديون المتراكمة على الدولة اللبنانية ليست إلّا أموالاً اقترضها المقاولون من المصارف واشتروا بها المعدّات والمواد اللازمة لتنفيذ أشغال لصالح الدولة، وهم نفّذوها وسلّموها بالفعل. وبالتالي عدم دفعها من قِبَل الدولة حوّلتها إلى ديون متراكمة على المقاولين للمصارف، ويتحمّلون أعباء خدمتها، فهم اقترضوا هذه الأموال بفوائد منخفضة لا تتجاوز 7%، واليوم ارتفعت الفائدة إلى 12%».

مارون الحلو: الديون المتراكمة هي أموالٌ اقترضها المقاولون لتنفيذ أشغال لصالح الدولة، وهم نفّذوها بالفعل


ويتابع الحلو «لدى الدولة همّ الحفاظ على النقد وسعر الصرف، ما أدّى إلى رفع الفوائد إلى مستويات عالية لاستقطاب الرساميل التي تسمح لها بتنفيذ هذه السياسة، إلّا أن ذلك انعكس سلباً على القطاع الخاص الذي لن يستثمر بفوائد مرتفعة إن لم تكن أرباحه أعلى، فضلاً عن أن أي استثمار في الاقتصاد الحقيقي لن يدرّ عوائد مماثلة لتلك التي تمنحها المصارف. ما يحصل اليوم أن القطاع الخاص متوقّف ولا توجد أشغال لتنفيذها، والقطاع العام يعاني من أزمة سيولة، وهذا لم يحصل يوماً بتاريخ لبنان، وهو ما أدّى إلى تراجع نسبة الأشغال في قطاع المقاولة والبناء وتجارة مواد البناء الذي يشكّل 25% من الناتج المحلّي، ودفع معظم شركات المقاولة إلى صرف نحو نصف موظّفيها، ما يجعل مستقبل القطاع غامضاً جدّاً».