لا شيء يتغيّر عالمياً في القطاع المالي، على الرغم من التأثير الكارثي للمصارف على الاقتصاد الرأسمالي للعالم في ظل الأزمة المالية العالمية و«الركود العظيم» الناجم عنها.

في مقالات سابقة، تناولت الجشع والفوضى وعدم الاستقرار التي يتّسم بها القطاع المالي وقادة عمليّاته. وكما قال ماركس، الإدارة المالية هي تكريس للولع بالمال، وتعتمد بشكل متزايد على الاستثمار في رأس مال وهمي ليس له أي علاقة بأي قيمة يخلقها الاقتصاد ناهيك عن أي حاجة اجتماعية شاملة. ووفق كبير الاقتصاديين السابق في بنك إنكلترا، أندي هالداني، «الإدارة المالية غير مُنتجة اجتماعياً».
طرح هالداني سؤالاً: «بأي معنى تعتبر المخاطرة المتزايدة من قبل المصارف، خدمة ذات قيمة مضافة للاقتصاد ككل؟». وأجاب «باختصار، لا تعتبر كذلك». ويخلص بعبارات تعكس نظرية القيمة لدى ماركس، «يعتبر استثمار رأس المال في أصول خطرة، خصوصية أساسية لأسواق رأس المال. مثلاً، يخاطر المستثمر في التجزئة بشراء سندات تصدرها شركة ولكنه لا يساهم بواحد في المئة في النشاط الاقتصادي القابل للقياس. وعلى هذا المنوال، فإن الأسرة التي تقرّر استخدام ودائعها المالية لشراء منزل بدلاً من اقتراض بعض المال من المصرف وعدم المسّ بكامل ودائعها المصرفية، تخاطر بالسيولة التي تملكها. وكلا الفعلين لا يمكن القول إنهما يعزِّزان النشاط الاقتصادي أو إنتاجية الاقتصاد، بل يعيدان توزيع الخطر داخل النظام من دون أن يغيّرا جذرياً حجمه أو شكله. لذلك، فإن معدّي الإحصاءات لا يحتسبون هذه النشاطات في الأسواق الرأسمالية بين الأنشطة المساهمة في النشاط الاقتصادي أو الرفاه. وهم محقّون في ذلك».

أنجل بوليغان ــ المكسيك

يمكن العثور على المزيد من الأدلّة على ممارسات ذات طبيعة جرمية في القطاع المصرفي العالمي في الأخبار عن توجيه الحكومة الماليزية اتهامات إلى 17 مديراً حالياً وسابقاً في ثلاثة فروع لمصرف «غولدمان ساكس»، على خلفية فضيحة صندوق الثروة السيادية الماليزي «1 إم دي بي»، الذي تبلغ قيمته مليارات الدولارات، والذي أتاح لرئيس الوزراء الماليزي السابق نجيب رزاق سرقة المليارات بغطاء من «غولدان ساكس» على ما يبدو، أكبر مصرف استثماري في العالم. وكان الأخير يقوده لويد بلانكفين الذي كان يدّعي أنه يقوم بعمل الله.
حسناً، يبدو عمل الله في هذه الحالة قيام غولدمان بترتيب إصدار أسهم بقيمة 6.5 مليار دولار لصندوق «1 إم دي بي» حيث اختلست أموال حكومية طائلة (2.7 مليار دولار) خلال العملية.
في مكان آخر في سويسرا، أقرّ مدير تنفيذي سابق لمصرف «إتش إس بي سي» السويسري الخاص، بالذنب في مساعدة زبائن أثرياء في إخفاء أصولهم المالية البالغة قيمتها 1.6 مليار يورو (1.8 مليار دولار). وغرّم بيتر براونوالدر 500 ألف يورو وحكمت عليه محكمة باريسية بالسجن عاماً واحداً وهو حكم مخفّض نتيجة اعترافه بالجريمة. وأقرّ الرجل البالغ من العمر 68 عاماً بأنه شارك في مساعدة زبائن بالتهرّب الضريبي في عامي 2006 و2007 عبر فتح حسابات مصرفية سرّية في سويسرا أو تأسيس صناديق في الخارج أو منح قروض. ولكن لم يصدر حكم بالسجن بحقّه.
جاءت قضية «إتش إس بي سي» إثر إدانة وزير سابق واضطرار مصرف «يو بي إس» السويسري لدفع غرامة قياسية بقيمة 4.5 مليار يورو عن أعمال إجرامية «ذات طبيعة خطيرة بشكل استثنائي». وكان «إتش إس بي سي» دفع 300 مليون يورو فقط لتسوية اتهامات في القضية نفسها. ومجدّداً، تفادى جميع المدراء في قضية «يو بي إس» السجن. ووافق مصرف «سوسييتيه جنرال» الفرنسي أيضاً العام الماضي على دفع 250 مليون يورو لإنهاء قضية رشوة، وقالت شركة إدارة الصناديق الفرنسية «كارمينياك جستيون» في حزيران/يونيو إنها ستدفع 250 مليون يورو لتسوية قضية احتيال ضريبي.
ولكن في قطاع المصارف كما في الرأسمالية بشكل عام، ثمّة قاعدة تسري على النخبة وأخرى تسري علينا جميعاً. ففي يوم قرّر «دوتشه بنك» تسريح آلاف الموظّفين، وفي اليوم التالي ظهر بعض المدراء الإداريين في مكتب الشركة في لندن يرتدون بزّات تبلغ قيمتها 1200 جنيه إسترليني على الأقل. وقد شوهد خيّاطون من علامة «فيلدينغ أند نيكولسون» الفاخرة يخرجون من مكتب المصرف يحملون أكياساً خاصّة للبزّات. وكان مؤسّسا العلامة آيان فيلدينغ كالكات وألكس رالي هناك، عند تجربة كبار المدراء في المصرف البزات، على الرغم من الخطّة لتسريح 18 ألف موظّف. وقال المدير التنفيذي لـ«دوتشه بنك» كريستيان سوينغ بشكل متكرّر إنه يأسف لقرار تسريح خُمس الموظّفين. ولكن ذلك لم يمنعه من دفع تعويضات تقاعد بقيمة 50 مليون يورو لكبار المدراء منذ عام 2018.
في «ستاندرد تشارترد»، لم يشعر بيل وينترز، الرئيس التنفيذي الأميركي، بأي وخز ضمير وهو يقبل مساهمة تقاعدية تبلغ 40% من راتبه السنوي وامتيازات بقيمة 6 ملايين جنيه إسترليني، أي 79 ضعف متوسّط راتب الموظّف العادي. وحين سُئِل عن ذلك، قال إن مساهمي البنك «غير ناضجين». وأضاف: «أعتقد أنه من المناسب تماماً ألّا يطلب مني مجلس الإدارة تخفيض تعويضي. ولم يفعلوا ذلك ولا أعتقد أنه حدث سابقاً أن طلبوا ذلك من أحد».
وهكذا دواليك. فها هو أندريا أورسيل الرئيس السابق للاستثمار المصرفي لدى مجموعة «يو بي إس» السويسرية، يرفع دعوى قضائية ضد بنك «سانتاندر» الإسباني يطالب فيها بتعويض 100 مليون يورو (113 مليون دولار) بعدما تراجع الأخير عن اتفاق لتوظيفه كمدير تنفيذي. في المقابل، اتّهم المصرف الإسباني أورسيل بـ«سلوك أدبي وأخلاقي مريب». وكان عُرض على الرجل الإيطالي البالغ 56 عاماً أن يتبوّأ المنصب الأعلى في «سانتاندر» العام الماضي. وترك وظيفته السابقة كرئيس الاستثمار المصرفي في «يو بي إس» قبل أن يغيّر المصرف الإسباني رأيه في كانون الثاني/يناير بحجّة أنه لا يستطيع تلبية طلباته المالية المرتفعة.
الإدارة المالية هي تكريس للولع بالمال، وتعتمد بشكل متزايد على الاستثمار في رأس مال وهمي لا علاقة له بأيّ قيمة يخلقها الاقتصاد أو أيّ حاجة اجتماعية شاملة


في الوقت نفسه، في المملكة المتّحدة، كشفت أكبر جمعية تعاونية في بريطانيا (وهي ليست حتى مصرفاً بموجب القانون) أن رئيسها التنفيذي السابق غراهام بيل، حصل، بالإضافة إلى راتبه البالغ 885.000 جنيه إسترليني، على علاوة تقاعدية سنوية قدرها 292.000 جنيه إسترليني، ومكافأة قدرها مليون جنيه إسترليني و500 جنيه إسترليني في اليوم لتغطية تكاليف السفر والأمن والنفقات الطبية. وحصل على نحو 400 ألف جنيه استرليني من الامتيازات منذ انضمامه إلى «نيشن وايد». وقال لوك هيلديارد المدير التنفيذي لمركز «هاي باي» إنه «من النفاق بالنسبة إلى «نيشن وايد» أن تقوم بتسويق نفسها كمنظّمة مختلفة عن البنوك الكبرى، ثم تغدق الأموال على مديريها التنفيذيين. من الصعب تصديق أن هذه المدفوعات كانت ضرورية لنجاح الشركة».
من ثمّ يأتي الاندفاع المتهوّر نحو تحقيق الربح. فقد وجد بنك إنكلترا نقاط ضعف واسعة النطاق بين المنافسين الجدد للبنوك في المملكة المتّحدة في اختبارات الضغط، حيث تبيّن أن هؤلاء المقرضين الجُدد يتّبعون أساليب ملتوية في سعيهم الحثيث للنموّ. وكتب أحد كبار المنظّمين في البنك المركزي البريطاني إلى هذه البنوك يأمرها بتشديد معاييرها وتصحيح نماذج المخاطرة «المُفرِطة في التفاؤل». ووجد بنك إنكلترا أن العديد من المقرضين الجُدد أظهروا «عدم قدرة على شرح الافتراضات» في نماذجهم لاختبارات الضغط، وتركيزاً «عدوانياً» على النمو، على الرغم من ميلهم إلى تقديم قروض أكثر خطورة. ويأتي ذلك بعد فضيحة في بنك «مترو» الذي اضطر إلى خفض خطط النموّ والتوجّه إلى المستثمرين لإصدار أسهم طارئة بقيمة 375 مليون جنيه إسترليني بعد اعترافه بأنّه أساء تصنيف قروض ولم يحتفظ برأسمال كافٍ.
ومع تباطؤ الاقتصاد العالمي، يبدو القطاع المصرفي أقل ربحية بالنسبة إلى من هم في المراتب الدنيا. فبنوك الاستثمار العالمية تتخلّى عن عشرات الآلاف من الوظائف بعد أن يتسبّب تراجع أسعار الفائدة وضعف أحجام التداول والأتمتة بصيف قاسٍ للقطاع. فمنذ نيسان/ أبريل تمّ الإعلان عن تسريح نحو 30 ألف موظّف في بنوك، من بينها «إتش إس بي سي» و«باركليز» و«سوسييتيه جنرال» و«سيتي غروب» و«دوتشه بنك»، ومعظم ذلك حصل في أوروبا حيث كان لـ«دوتشه» أكثر من نصف الحصّة في حين كانت مكاتب التداول الأكثر تضرّراً.
إذاً لم يتغيّر أي شيء في المواقع العليا في البنوك على مستوى العالم: رواتب كبيرة ومكافآت ومعاشات تقاعدية لكبار المديرين التنفيذيين، في مقابل الإشراف على عمليّات تهرّب ضريبي واحتيال وفساد. ومن ثمّ، يأتي الخطر الحقيقي والمتنامي من عدم الاستقرار والانهيار مع استمرار البنوك في المضاربة في «رأس المال الوهمي» لأدوات مالية «غريبة». وهناك دائماً المزيد من الأدلّة على أن «التنظيم» لن ينجح وأن الملكية العامّة للقطاع المالي في ظل إدارة ديموقراطية هي التي ستوفّر خدمة مصرفية للاستثمار وتلبّي احتياجات الناس.

* Michael Robberts Blog
* ترجمة: لمياء الساحلي