لفت نظري عنوان في صحيفة عن مئات آلاف السياح اللبنانيين الذين يسافرون إلى الخارج سنوياً. لا غرابة في الأمر، فالأسباب واضحة. الأسعار في تركيا أو اليونان أو مصر هي أدنى بكثير من لبنان، حيث مدخول الفرد عالٍ نظراً إلى دعم سعر صرف الليرة الذي يجعل قيمتها أعلى من مستواها الحقيقي (أي أعلى من السعر المبني على إنتاجية اقتصادنا).

فكيف تُترجم هذه الظاهرة على وضعنا الاقتصادي والنقدي؟
الجواب بسيط: تعمل البنوك اللبنانية على إغراء المغتربين بفائدة تصل إلى 15% لجذب ودائعهم، ومن ثمّ تحوّل هذه الودائع إلى البنك المركزي في مقابل فائدة تصل إلى 21%. يطلق على هذه العملية البسيطة اسم تقني مُعقّد «هندسة مالية». في تراثنا اللبناني، تُعدّ الهندسة من أرقى المهن، وكلّ لبناني مُبرمج من قِبَل أهله والمجتمع على دراسة الهندسة (أو الزواج من مهندس). انطلاقاً من هنا، لا بدّ أن تكون «الهندسة المالية» شيئاً عظيماً، وإن كان معظم الناس لا يفهمون تفاصيلها (ولا يهمّهم فهمها)؛ قد يدركون هندسة عمارة أو سيّارة أو مفاعل نووي، أمّا هندسة المال فهي أمر معقّد. وبالتالي يكفي الاقتناع بأنه شيء إيجابي ومفيد!
في هذه الأثناء، يحوّل اللبنانيون رواتبهم بالليرة إلى دولارات تُصرف في تركيا أو مصر أو قبرص. طبعاً هذه البلدان ممتنّة لسخائنا، الذي يضاف إلى سخاء آخر، وهو إدماننا على الاستيراد (نحو 20 مليار دولار في السنة)، الذي يستهلك موجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية، والتي هي بالأساس مدّخرات اللبنانيين في الخارج والداخل.
في الوقت نفسه، يظنّ المودعون أن أموالهم آمنة وباستثمار عبقري يُنتج أرباحاً بنسبة 15%، إلّا أنه هو في الحقيقة شبه «مخطّط هرمي»، أي إن المستثمر القديم يُدفع له من أموال المستثمر الجديد. وعندما لا تتدفّق أموال كافية جديدة (أو «طازجة» كما يُسمّيها «الشباب» في قطاعنا المصرفي)، يتمّ استهلاك المبالغ الرئيسة.
يصدّق المودع هذه البدعة اللبنانية، كأن الاحتمال البديل لا يمكن تصديقه! فمن الأسهل على عقلنا الساذج أن نُؤمن بأسطورة العبقرية اللبنانية التي تنتج هذه العوائد الخيالية في اقتصادنا العفن. وفي الحصيلة، يكون المودع مرتاحاً وغير قلق، والسائح سعيداً، والتاجر المستورد راضياً.
منذ فترة، قرأت مقابلة صحافية مع مسؤول رفيع المستوى من البنك المركزي. استعمل تعبيراً مهذباً وخفيفاً: «اضطراب»، لوصف الوضع الحالي، إذ شرح آلية عمل الهندسات بصراحة تامّة، مشيراً إلى أنها تدفع الليرة في مقابل الدولار. لكنّه في المقابلة، التي دامت 45 دقيقة، لم يُسْأل السؤال الحاسم: كيف سيستردّ المودعون أموالهم بالدولار ما دام المصرف المركزي لا يملك مطبعة دولار؟
قبل أيام تلقّيت اتصالاً من أحد أهمّ خمسة مصرفيين في لبنان، قائلاً إنه يوافق معي كلّياً في تحليلاتي، وإنهم يشترون الوقت، وسألني: «ماذا نستفيد إذا سرّعنا النهاية التعيسة». فكان ردّي هو التالي: «الجواب موجود في سؤالك: شراء». فعند الشراء هناك كلفة تدفع. وكلفة المسار الحالي هي المضيّ في استهلاك ودائع ومدخرات الناس. لكن إذا أوقفنا هذه التمثيلية، اليوم، فقد نردّ لكل مدّخر دولاراً من أصل كل 2 أو 3 دولارات، أمّا إذا أكملنا في «شراء الوقت» فقد يبقى دولار واحد من كلّ 10 دولارات من أموال الناس الذين وثقوا بكم طيلة هذه السنين. وكلّ ذلك لكي نموّل سفرات إلى الخارج، أو مستوى معيشة أعلى من إنتاجية اقتصادنا الريعي الاستهلاكي وغير المُنتج... أي بمعنى آخر، المزيّف.
المشكلة هي أن هذا النموذج الاقتصادي بدأ ينفد من الوقود، أي الدولار المستورد والموجود في البلد، وأصبح على شفير نهايته. فما الذي علينا أن نتوقّعه؟
الخطوة الأولى المرتقبة هي فرض ضوابط على رؤوس الأموال، أي تحديد سقف للسحوبات اليومية، ومنع أي سحوبات تتخطّى هذا السقف. في الواقع، بدأ تنفيذ هذه الضوابط «على الخفيف»، بدليل أن اللبناني العادي يشعر بالنقص الحادّ في الدولارات والإجراءات المضادّة المتّخذة. وإذا أردت فهم ما يعني ذلك عملياً، فما عليك إلّا أن ترى الإعلان الذي نشره برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي (UNDP) للإضاءة على الفقر في بلدنا، وعلى الرغم من أنه مقتبس من إعلان مماثل في دولة متطوّرة، إلّا أن فائدته أكبر في بلادنا، لكونه يفسّر ما الذي ينتظرنا في المستقبل القريب.
الخطوة الثانية المرتقبة هي «قصّ شعر» (Haircut) الودائع الأكبر بدءاً من مبلغ مُحدّد. وقد يأتي ذلك بأشكال عديدة؛ على سبيل المثال، تمتلك اليوم مليون دولار في حسابك، إلّا أنك قد تستفيق غداً ومعك 500 ألف دولار فقط. أو قد تستردّ المليون دولار بالكامل، لكن بعد 30 عاماً ومن دون أي فائدة. أو قد تأخذ قصّة الشعر شكلاً آخر بنتيجة متعادلة.

كيف سيستردّ المودعون أموالهم بالدولار ما دام المصرف المركزي لا يملك مطبعة دولار؟


لكن من هم المحظوظون الذين سيربحون ورقة اللوتو العكسية؟
يوجد نحو 103 مودعين يمتلكون حسابات تحتوي على أكثر من 50 مليون دولار، ويصل مجموعها الكلّي إلى 12.5 مليار دولار. وأقل من 1% من المودعين (أي 24 ألف مودع) لديهم حسابات فيها أكثر من مليون دولار يصل مجموعها إلى 90 مليار دولار. وطبعاً، المليونير عادة يمتلك أكثر من حساب واحد. لذلك أُقدّر عدد هؤلاء بين 6 آلاف و8 آلاف شخص. لكن السؤال المهمّ هنا، هل ستطال قصّة الشعر المودعين الذين لديهم بين 100 ألف دولار ومليون دولار؟ هذا يعتمد على «شغل الواسطة» وهروب أموال كبار المودعين قبل وقوع الساعة الصفر.
أمّا المودعون الكرماء الذين سيطلب منهم «التبرّع» بـ50% من ودائعهم فينقسمون إلى مجموعتين:
المجموعة الأولى تضمّ أولئك الذين لديهم الإمكانات لفتح حسابات في الخارج، ولكنّهم مثل طير الإكاروس (Icarus) الأسطوري في الإلياذة اليونانية، يحبّون التحليق قرب الشمس غير آبهين بمخاطر احتراقهم. يعتقد هؤلاء أن صديقهم الرئيس «فلان» الذي استضافوه خلال الـ«ويك آند» (weekend) الماضي على الـ«باربكيو» (Barbecue) في حديقة قصرهم في نادي فقرا، أو صديقهم القديم صاحب بنك «الثقة التامّة»، سيتصل بهم قبل الساعة الصفر ويحذّرهم، لينسحبوا بأمان قبل وقوع الكارثة. تماماً كما يسحب مشاة البحرية الأميركية والأسطول السادس رعاياهم. فلا يبقى إلّا المودع «المعتّر» ليتلقّى «الضرب». هذا المنطق، وإن كان غبياً، له نظرة ما. لا شكّ في أن بعض هؤلاء قد «يزمطون بريشهم»، إلّا أن عددهم سيكون قليلاً جدّاً، إذ من المستحيل لوجيستياً أن تهرب الأكثرية الساحقة من الودائع، نظراً إلى نقص الدولار في البلاد.
أمّا المجموعة الثانية فهي، لسبب أو لآخر، لا تستطيع تهريب أموالها إلى الخارج. هذا هو السجين، والمهرب الأفضل له أن يشتري شيئاً، مثل قطعة أرض بنقود المونوبولي الموجودة في حسابه، ليأخذ مكانه غبي جديد.
السخرية في الموضوع، لو هؤلاء دفعوا ضريبة على أرباح ودائعهم بنسبة مماثلة لضريبة الدخل التي يدفعها الموظّفون وأصحاب المهن الحرّة ذوي الدخل المرتفع، أي 25% سنوياً منذ نحو 10 أو 15 عاماً، أسوة بالبلدان التي تتمتّع بعدالة اجتماعية، لكانت ودائعهم أقل بكثير، لذلك السيناريو الذي أصفه، مع أنه قد يبدو شرساً من الناحية السطحية، هو بمثابة ضريبة مؤجّلة على أرباح وهمية بالأساس. أي إن الشخص الذي أودع مليوني دولار منذ أكثر من عقد وأصبح معه الآن 10 ملايين دولار، قد يخسر نصفهم ليبقى معه 5 ملايين دولار، بمعنى آخر، بدل أن يبقى مليونيراً عملاقاً سيصبح مليونيراً قزماً، أي سيبقى وضعه جيّداً، لكنّه سيضطر إلى تخفيف بعض من «استهلاكه التشبيحي» (conspicuous consumption).
ليال قاتمة أصفها هنا، ولكن لها مراد آخر في مصير دان.
هذا السيناريو قد يحصل للمرّة الأولى في تاريخ لبنان، ولكن لن يتضرّر به الفقير «المعتر» والطبقة الوسطى فقط، بل أيضاً حيتان المال. طبعاً، ما يؤسف في هذا الأمر هو أن بعض المتضرّرين هم المغتربون أو المتقاعدون الذين سيفقدون جنى عمرهم في البونزي اللبناني.
أمّا إذا كنت سجيناً لأنك غير قادر على الإجابة عن سؤال «من أين لك هذا؟»، أو غبياً تصدّق أن «بنك جورج صايغ» قادر على دفع فائدة بنسبة 15% على الدولار في بلد اقتصاده مدمّر، فيما بنوك العالم فوائدها صفر أو سلبية، ألا تستحق عندها «قصّة شعر» أو حتى «تقريعة»؟

* مصرفي متقاعد وباحث في جامعة هارفرد