هل تعتقد أن النظام المصرفي اللبناني في خطر؟
لا يتعلّق الأمر بقطاع محدّد، سواء الصناعة أو التجارة أو الخدمات. طالما أن التصنيف السيادي، الذي يعدّ سقف التصنيف لكلّ القطاعات، هو في خطر. فالعين لا تعلو فوق الحاجب.
لا شكّ أن بيئة الأعمال تغيّرت نتيجة التدهور الاقتصادي وتراجع النموّ، ما أثّر على شروط الاستثمار المصرفي الذي أصبح أكثر تشدّداً، وترافق أيضاً مع زيادة الانكشاف على القطاع العام المستمرّ في تقاعسه عن القيام بالإصلاح والتصحيح الهيكلي المطلوب منه.
خلال الفترة السابقة، تمّ التلهّي بـ«سيدر»، ومن ثمّ بالموازنة، وأخيراً بالتصنيف الائتماني، إلّا أن المشكلة الفعلية تكمن في استمرار إنكار حقيقة الأزمة. وهذا أمر مقلق.

أيّ حقيقة يجري إنكارها؟
تكمن مشكلة لبنان الفعلية في ضعف قدرته على تحقيق نموّ اقتصادي وخلق فرص عمل. وهذا يأتي أساساً من تقلّص مخزون رأس المال، أي عوامل الإنتاج، بنحو 110 مليارات دولار (وفق أسعار اليوم)، بسبب الحرب اللبنانية (1975-1990) وحرب تموز 2006 وتدفّق اللاجئين السوريين بعد عام 2011، وهو ما أدّى إلى تراجع الإنتاج، فكانت النتيجة أن فاتورة الاستيراد، منذ بداية التسعينيات، بلغت نحو 340 مليار دولار في مقابل صادرات بقيمة 58 مليار دولار. ما يعني أن الموارد التي توافرت وكان يمكن استخدامها لتمويل الاستثمار المُنتج ذهبت لتمويل الاستهلاك والاستيراد.

هل الحروب وحدها هي السبب؟ ألا تتحمّل السياسات النقدية قسطها من المسؤولية؟
أنا لا أبرئ السلطة النقدية، إلّا أن المشكلة لا تنحصر بها. فالاقتصاد هو عبارة عن طيّارة يقودها ثلاثة طيارين، الطيّار الأساسي هو السلطة التنفيذية التي تضع السياسة الاقتصادية، وتعاونها السلطة المالية الممثّلة بوزير المال المؤتمن على السياسة المالية، والسلطة النقدية الممثلة بحاكم المصرف المركزي المؤتمن على السياسة النقدية.
منذ إقرار اتفاق الطائف وحتى اليوم، لم يتمّ وضع سياسة اقتصادية، فهل كان يفترض بحاكم مصرف لبنان أن يُطفئ محرّك الطائرة؟ ربّما كان عليه أن يفعل ذلك. إلّا أن ثبات سعر الصرف في ظل غياب السياسة الاقتصادية، تحوّل إلى هدف استراتيجي لا يمكن الخروج منه، خصوصاً أن استهلاك الأسر يمثّل 80% من الناتج المحلّي، والواردات تمثّل 48% من استهلاك الأسر. وكلّ تغيّر بنسبة 1% في سعر الصرف كان سيؤدّي إلى انخفاض القدرة الشرائية بنحو 60 نقطة. في حين أن قيادة السلطة النقدية للاقتصاد أدّت إلى تحقيق فائض تراكمي بميزان المدفوعات بنحو 15 مليار دولار، بعد أن غطّت العجز التجاري الذي بلغ نحو 280 مليار دولار طوال هذه الفترة.
لكن في المقابل، رتّبت هذه السياسة النقدية تكاليف أيضاً، فنظراً إلى معدّلات الفائدة العالية التي كانت تُمنح لاستقطاب الرساميل بهدف تثبيت سعر الصرف، باتت السيولة المُتاحة أكبر من مقدرة الاقتصاد على استيعابها، لذلك كانت وزارة المال تصدر سندات خزينة بقيمة تتجاوز قيمة العجز لامتصاص السيولة الإضافية. وعلى مدار عشرين عاماً (1998-2018)، دفعت 6% من مداخيل الدولة لتسديد الفوائد على السيولة الفائضة التي اقترضتها ووضعتها في حسابات مصرف لبنان الدائنة. وهو ما يعادل 1.4% من الناتج المحلّي كان يمكن إضافتها إلى الفائض الأوّلي (الفرق بين النفقات والإيرادات قبل دفع خدمة الدين). كذلك أثّرت معدّلات الفائدة العالية، على الاستثمار المُنتج وتنافسية الاقتصاد ونموّ الناتج المحلّي. عام 1974 كان الناتج المحلّي في لبنان يشكّل 67% من الناتج المحلّي في سنغافورة، وهو بلد يتمتّع بخصائص مشابهة للبنان لناحية حجمه وعدد سكّانه وتنوّعهم الطائفي ومحيطه الجيوسياسي. اليوم، وصل الناتج المحلّي في سنغافورة إلى 364 مليار دولار، في مقابل 57 مليار دولار للناتج المحلّي في لبنان، أي ما يشكّل 16% فقط من الناتج المحلّي في سنغافورة.

هل ما زال ممكناً الاستمرار في سياسة تثبيت سعر الليرة الاسمي؟
الجواب واضح. وإلّا لماذا نلجأ إلى الهندسات المالية؟ لا يوجد أي سياسة تثبيت تدوم لأكثر من دورة اقتصادية واحدة (12-24 شهراً). سياسة التثبيت تعني أن السلطة النقدية تحيّد النقد، لتعطي السلطة التنفيذية مجالاً لفترة محدّدة لإصلاح المشكلة في الاقتصاد. نحن ثبّتنا سعر الصرف في عام 1997، ولا نزال مستمرّين بهذه السياسة حتى اليوم، لكن من دون وضع أيّ سياسة أو رؤية أو خطّة اقتصادية. وفيما يفترض بالسياستين المالية والنقدية أن تكونا متناغمتين ومساندتين للسياسة الاقتصادية، أصبحتا متناقضتين اليوم. ويشكّل إصدار سندات خزينة بفائدة مخفّضة مثالاً على ذلك، فمن جهة يسعى وزير المال إلى إحقاق التوازن في المالية العامّة عبر تخفيض النفقات من خلال خفض فوائد الدين العام، ومن جهة ثانية يهدف المصرف المركزي إلى تثبيت سعر الصرف من خلال رفع الفائدة لاستقطاب الرساميل.

ما السبيل للخروج من هذا المأزق؟
هناك تسويتان أساسيتان إن لم تحصلا لا يمكن حصول أيّ استثمار أو تحقيق أي نموّ أو خلق فرص عمل.
التسوية الأولى هي بين «الدولة» و«المقاومة»، أو ما يسمّى بالاستراتيجية الدفاعية، وذلك لتطمين رأس المال بأن البلد لن يكون عرضة لأحداث يصبح فيها الاستثمار في خطر. أي خلق بيئة حاضنة لرأس المال ليقوم القطاع الخاص بالاستثمار المطلوب منه.
أمّا التسوية الثانية فتكمن بقيام عقد اجتماعي جديد. اجتماع بعبدا المالي منذ أسبوعين، على إيجابياته، كان ناقصاً. لقد غاب عنه شركاء الإنتاج. ووجود رئيس جمعيّة المصارف على الطاولة مع السياسيين، لا يغني عن مشاركة الصناعيين والمزارعين والتجّار والنقابات المهمّة والمجتمع المدني المطلوب منهم أن يستثمروا ويعملوا ويكدّوا ويقدّموا التضحيات وأن يحرّكوا عجلة الإنتاج.
بعد إجراء هاتين التسويتين، هناك سلسلة من الإجراءات المفترض القيام بها، تبدأ بتعزيز شبكات الأمان الاجتماعي بما فيها التغطية الصحّية الشاملة وضمان الشيخوخة ورفع مستوى التعليم المجّاني، وتمويل الاستثمارات المُنتجة، فضلاً عن ربط السياسات بثلاثة مؤشّرات ومصارحة الرأي العام بها وهي: مؤشّر النمو أي التزام الحكومة بتحقيق نموّ بنسبة 20% أكثر من معدّل التضخّم لتبيان تأثيره على مستوى المعيشة، مؤشّر الفقر أي تحديد معدّلات البطالة والتضخّم والالتزام بتخفيضها للحدّ من الضغوط الاجتماعية، ومؤشّر شعبية الحكومة أي تحقيق فارق إيجابي بين معدّلي التضخّم والنموّ وإلّا اعتراف الحكومة بفشلها.
هذه مقاربة تنطلق من الأولويات، ويفترض أن يكون لها وقع على الناس أقوى من وقع خطّة الكهرباء ومحاربة الفساد.

هل تقصد أن سياسات التقشّف لا تجدي نفعاً؟
قبول الناس بالتضحية يرتبط بمعرفة الوجهة التي سيذهبون إليها. صحيح أنه لا يمكن تحقيق أي إصلاح من دون تضحيات، ولكنني ضدّ كلّ سياسات التضييق المتبعة، خصوصاً أن الضيقة كبيرة في البلد، وأدّت إلى استنفاد الناس لادخاراتهم، وهو ما قد يتسبّب بتداعيات شديدة على الصعيد الاجتماعي. يحتاج البلد لأن يحقّق فائضاً أولياً بنسبة 7.5% من الناتج (4.3 مليار دولار) لوضع المديونية العامّة على مسار انحداري والدخول في حلقة مجدية. وهو أمر ممكن الوصول له لكنّه يتطلّب قراراً سياسياً، خصوصاً أن هناك مخزوناً بنسبة 20% من الناتج، أي نحو 11.5 مليار دولار، يمكن توفيره من دون زيادة الضرائب، وذلك من خلال تحصيل الفرق بين إيرادات الخزينة العامّة الحالية والإيرادات المُمكنة، والمقدّر بنحو 9% من الناتج المحلّي، بالإضافة إلى معالجة الهدر والفساد المقدّر بنحو 11% من الناتج المحلّي. فتكون بداية الإصلاح.

لا أتوقّع أن يحصل قصّ شعر للديون لأن ذلك يؤثّر على قدرة لبنان على استقطاب الرساميل مستقبلياً. لكن الحديث يدور عن الانهيار، والمقصود به تراجع قيمة النقد


هل يتضمّن حساب هذا المخزون تخفيضات على الأجور ومعاشات التقاعد في القطاع العام؟
لا يمكن أن أتغاضى عن البطالة المُقنّعة في القطاع العام. موقفي ليس سياسياً إنما تقنياً، وجوابي على السؤال ليس عاطفياً. لقد أقرّوا سلسلة رتب ورواتب جديدة، وباتت معاشات التقاعد تبلغ ملياري دولار تقريباً، وهناك عدد كبير من الموظّفين سيحالون على التقاعد في السنوات الخمس المقبلة. هذه قنبلة موقوتة. وهم يلتزمون بأمور أكثر من طاقتهم.
السؤال: هل نبدأ من هنا؟ يتعلّق الأمر بدراسة إنتاجية القطاع العام، ومن ثمّ دراسة مساهمة الأجور ومعاشات التقاعد في الهدر والفساد على صعيد الإنفاق. من دون ذلك، لا يمكنني أن أجيب بنعم أو لا.
أنا أنظر إلى هذه المسألة من تحت لجهة التكاليف والإنتاجية، وأنظر إليها من فوق لجهة الوفر المطلوب تحقيقه. لا أعرف ما هو الوفر الذي يمكن تحقيقه، وأشك أن خيار تخفيض الأجور ومعاشات التقاعد هو الخيار الوحيد.

أين نحن ذاهبون؟ قصّ الشعر للديون أم تخفيض سعر الليرة؟
الأسواق الناشئة والقريبة منها، تمرّ بدورات سياسية – اقتصادية، تراوح بين 7 و12 سنة. وكلّ دورة هي كناية عن أربعة فصول: شتاء وربيع وصيف وخريف.
تُترجم هذه الفصول على الصعيد الاقتصادي بالركود والانتعاش والنموّ ومن ثمّ التباطؤ، وبالتأزم والتوافق والتنفيذ ومن ثمّ التلاشي على صعيد القرار السياسي، أمّا على صعيد تأثيرها على الأسواق فتُترجم بالاكتئاب، والراحة، والنشوة وأخيراً الإنكار.
يقبع لبنان في فصل الشتاء منذ عام 2010 وحتّى اليوم، أي منذ 9 سنوات، أي أنه يعيش ركوداً اقتصادياً وقراره السياسي متأزّم والأسواق مكتئبة. وهو لا يفعل شيئاً ولم يتّخذ أي قرار سياسي، إلّا أن الوضع دقيق ومُقلق. لا أتوقّع أن يحصل قصّ شعر للديون لأن ذلك يؤثّر على قدرة لبنان على استقطاب الرساميل مستقبلياً. لكن الحديث يدور عن الانهيار، والمقصود به تراجع قيمة النقد.



هل تتبخّر الودائع؟
يسجّل ميزان المدفوعات عجوزات متتالية، ويضطر مصرف لبنان إلى تمويله على حساب موجوداته بالعملات الأجنبية، إلّا أن هذه الموجودات هي ودائع توظّفها المصارف لديه، إذ تفيد التقديرات أن الاحتياطي الصافي بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان من دون الذهب هو سلبي بمقدار يتجاوز 30 مليار دولار، فهل هذا يعني أن الودائع تتبخّر؟
يجيب المصرفي المتقاعد فرادي باز أنه «يمكن النظر إلى هذه المسألة من هذا المنظار، أي من حساب الودائع الموظّفة لدى مصرف لبنان في مقابل ما يملكه من سيولة. إلّا أن ذلك ليس مشكلة بذاته. إذ لا يمكن مقارنة التزامات المصرف المركزي الموزّعة على آجال تمتدّ إلى خمس سنوات بموجوداته الحالية من العملات الأجنبية، بل يمكن محاسبته عند تاريخ استحقاق الوديعة، في حال لم يدفعها أو أملى على صاحبها إعادة تدويرها. أنا لا أحاول الإيحاء بأن الوضع جيّد، ولكن لا يمكن القول بأن الودائع تبخّرت، فلم نصل إلى هذا الوضع الانهياري بعد».


نبذة
يملك فرادي باز خبرة في العمل المصرفي تصل إلى 49 عاماً، أمضى 28 عاماً منها في بنك «عودة»، الذي انضمّ إليه في عام 1991، وتبوأ مسؤوليات عدّة فيه، فكان عضواً في مجلس الإدارة لمدة 23 عاماً، وتولّى منصب نائب رئيس مجلس الإدارة - المدير العام والمسؤول الرئيسي عن الشؤون الاستراتيجية لمجموعة بنك «عودة» لمدة 4 أعوام، قبل أن يقدّم استقالته في تموز/ يوليو الماضي ويقرّر اعتزال العمل المصرفي نهائياً. حائز على شهادة دكتوراه دولة في العلوم الاقتصادية من جامعة باريس الأولى (بانثيون - سوربون) في عام 1977. وهو أيضاً صاحب شركة Bankdata للخدمات المالية، التي تجري دراسات في الشؤون المالية والمصرفية. كما عمل أستاذاً محاضراً في كلّية الاقتصاد في جامعة القديس يوسف في بيروت. وألّف معجماً عن المصطلحات المصرفية في عام 1985 نُشر بالتعاون مع اتحاد المصارف العربية.