«إنّ أكثر الدول ثراءً ... تتفوّق عموماً على جميع جيرانها في الزراعة، وكذلك في الصناعة؛ لكنّها تتميّز عادةً بتفوّقها في الجانب الأخير أكثر من الأوّل»
آدم سميث، ثروة الأمم



لا يفتقر لبنان للمهارات والقدرات اللازمة لإنعاش قطاعه الصناعي، وخصوصاً صادراته الصناعية. فقد تمكّن الصناعيون اللبنانيون من زيادة صادراتهم التحويليّة بنسبة 9.27% (معدّل نموّ سنوي مركّب) منذ مطلع القرن الحالي حتى سنة 2014. وفي المتوسّط، سجّل لبنان خلال الفترة نفسها ارتفاعاً في مؤشّر التعقيد الاقتصادي (Economic Complexity Index) لسلّة الصادرات بنسبة 3.82% (معدّل نموّ سنوي مركّب)؛ أي أنّه استطاع أن يصدّر منتجات أكثر تطوّراً وذات محتوى معرفي أعلى (أنظر الرسم البياني الرقم 1).
وللمفارقة، حدث هذا الأداء الصناعي على خلفية ارتفاع، في المتوسّط، في مؤشّر سعر الصرف الحقيقي (Real Exchange Rate Appreciation) خلال الفترة الزمنية المذكورة (أنظر الرسم البياني الرقم 2). ووفق دراسة للبنك الدولي (2012)، يعتبر ارتفاع هذا المؤشّر نتيجة للتدفّقات الكبيرة لرؤوس الأموال الخارجية وتحويلات المغتربين التي ساهمت بزيادة الاستهلاك، وخصوصاً على السلع غير القابلة للتبادل. وفي الأدبيّات الاقتصادية التقليدية، تُقاس القدرة التنافسية الدولية، بما فيها القدرة التنافسية للصادرات الصناعية، على أساس تنافسية الأسعار (Price Competitiveness) التي غالباً ما تعتمد على تغيّر مؤشّر سعر الصرف الحقيقي؛ أي عندما يرتفع هذا المؤشّر (Appreciation) يزداد سعر منتجات البلد بالمقارنة مع أسعار منتجات البلدان الأخرى، ما يؤدّي إلى تقويض القدرة التنافسية لمنتجات البلد في السوق العالمية، والعكس صحيح.



أنقر على الرسم البياني لتكبيره

وللمفارقة أيضاً هناك ارتفاع، في المتوسّط، في مؤشّر تعقيد الصادرات في ظلّ غياب استراتيجية صناعية وطنية تدعم التنويع الاقتصادي والتصدير. إن ارتفاع المؤشّر المذكور يعكس وجود قدرات لدى المصدّرين اللبنانيين تمكّنهم من تصدير منتجات أكثر تطوّراً وتعقيداً. ووفقاً لسانجاي لال (1992) وهاوسمان ورودريك (2003) فإن إنتاج السلع ذات القيمة المُضافة المرتفعة وتصديرها إلى أسواق جديدة هي عملية محفوفة بإخفاق السوق، وتتطلّب تدخّلات تصحيحية من قِبل الدولة. غير أن الدور التنموي للدولة اللبنانية خلال العقدين الماضيين اقتصر على البرامج الرامية إلى تحسين مناخ الأعمال، والتي غالباً ما تستهدف الشركات الصغيرة والمتوسّطة، بالإضافة إلى عقد عدد من الاتّفاقيات التجارية الثنائية والإقليمية. وبمعنى آخر، لا توجد في لبنان سياسة صناعية بالمعنى الفعلي للكلمة، على الرغم من وجود حزمة من الإجراءات الهادفة إلى حماية عدد من المنتجات الوطنية، منها تلك التي تتعلّق بالمرسوم رقم 5497 الذي نُشر في الجريدة الرسميّة، عدد 45 في 26/09/2019.

9.27 %

معدّل النموّ السنوي في الصادرات الصناعية التحويلية بين عامي 2000 و2014


تدفعنا الأدلّة التجريبية أعلاه إلى التعامل مع أداء التصنيع اللبناني على أنّه حالة تستحقّ المزيد من البحث من أجل تحديد العوامل المسؤولة عن زيادة الصادرات التحويلية كما تعقيد الصادرات في ظلّ تدنّي القدرة التنافسية المبنية على الكلفة، وغياب سياسة صناعية وطنية من شأنها أن تساعد في بناء القدرات والمهارات لدى الصناعيين اللبنانيين. إن تحديد هذه العوامل من شأنه أن يفيد في صياغة السياسات الصناعية الرامية إلى تعزيز القدرة التنافسية للصادرات الصناعية اللبنانية.
وفي هذا السياق، تمّ تقديم أطروحة دكتوراه حديثاً في سواس (SOAS) جامعة لندن بعنوان «القدرة التنافسية للصناعة وأداء الصادرات: حالة لبنان». ووجدت الأطروحة أن القدرة التنافسية للصناعة اللبنانية لا تقتصر على عامل السعر أو كلفة الإنتاج، بل تتأثّر بمجموعة واسعة من العوامل غير السعرية (Non-price Factors)؛ أي أن العديد من الصناعيين في لبنان يلجأون إلى المنافسة غير السعرية، حيث يتمّ تمييز المنتجات اللبنانية عن غيرها من المنتجات المنافسة في السوق العالمية على أساس ميزات معيّنة مثل التصميم، وتنويع المنتجات، والتحسينات في جودة المنتج وسماته، بالإضافة إلى براعة التصنيع. وقد ركّزت الأطروحة على أهمّية الابتكار وريادة الأعمال كمحدّدات أساسية لأداء الصناعات التحويلية في لبنان، والقدرة على التصدير. هذه العوامل لم تسمح للصناعيين اللبنانيين بزيادة صادراتهم التحويلية فحسب، بل أتاحت خلق وتلبية الأسواق المتخصّصة (Niche Markets) أيضاً، وهي الأسواق التي تُبنى على اختيار مجموعة محدّدة من العملاء، والعمل على تلبية حاجاتهم من المنتجات التي غالباً ما تتّسم بالجودة والابتكار، كما بالأسعار المرتفعة نسبيّاً نظراً إلى صعوبة توافرها لدى شركات أخرى. وقد ساهم اللبنانيون في الشتات في لعب دور مهمّ لناحية مساعدة الصناعيين اللبنانيين في التعرّف إلى الأسواق الخارجية من جهة، ومن جهة أخرى في زيادة الطلب على المنتجات اللبنانية في أماكن الانتشار، ولا سيّما منتجات الصناعات الغذائية.

ارتفاع سعر الصرف الحقيقي يؤدّي إلى ازدياد سعر مُنتجات البلد مقارنةً مع البلدان الأخرى


وتخلص الأطروحة المشار إليها إلى أن في ترسانة الدولة اللبنانية الكثير لجهة تعزيز القطاع الإنتاجي، وخصوصاً الصادرات الصناعية، على الرغم من وجود نظام عالمي قائم على قواعد تجارية واستثمارية تقوّض قدرة الدولة على اتّخاذ تدابير صناعية واسعة النطاق مثل الحماية التجارية أو تقديم الإعانات الانتقائية وغيرها. في البداية، يتوجّب على الدولة توفير السلع العامّة، والتي ينتج عنها منافع عامّة تستفيد منها القطاعات الاقتصادية كافّة، ولا سيّما القطاع الإنتاجي. وقد تأخذ هذه السلع شكل استثمارات في المختبرات العامّة والبحث والتطوير العام، والبنى التحتيّة الصحّية والمادية، كما معايير الصحّة والصحّة النباتية، بالإضافة إلى التعليم والتدريب المهني والتقني. ومن الضروري أيضاً تطوير الجهود المعنية بتعزيز التآزر والتعاون بين القطاع الصناعي من جانب، والأوساط الأكاديميّة ومراكز البحوث من جانب آخر، لأن في ذلك تشجيعاً للابتكار التكنولوجي وبناء القدرات، ما يساهم في تغذية عملية الإنتاج، وتحسين القدرة التنافسية للصناعات اللبنانية. أخيراً، إن تطوير الأطر المؤسّسية التي تهدف إلى تعزيز شبكات المعلومات وتوسيعها، وتعزيز الروابط بين الصناعيين والمغتربين أمران بالغا الأهمّية من أجل ديمومة الصناعات اللبنانية، وضمان انتشارها في الأسواق العالمية.

المراجع
Hausmann R. and Rodrik D.٫ 2003. Economic Development as Self-discovery٫ Journal of Development Economics72 (2)٫ pp.603-633.
Hidalgo C.A. and Hausmann R.٫2009٫ The Building Blocks of Economic Complexity٫ Proceedings of the National Academy of Sciences106 (26)٫ pp.10570-10575.
Lall S.٫1992٫ Technological Capabilities and Industrialization٫ World Development20 (2)٫ pp.165-186.
Sherry H.٫2019٫ Manufacturing Competitiveness and Export Performance: The Case of Lebanon٫ PhD Thesis٫ unpublished٫ SOAS٫ University of London.
Smith A.٫1776٫ An Inquiry into the Wealth of Nations٫ Strahan and Cadell٫ London٫ pp.1-11.
World Bank٫2012٫ Republic of Lebanon - Using Lebanon's Large Capital Inflows to Foster Sustainable Long-term Growth٫ Report No. 65994‐LB٫ Poverty Reduction and Economic Management Network٫ Middles East and North Africa Region٫ Washington DC: World Bank.