"… الحال في الواقع الرأسمالي المختلف عن صورته الموجودة في كتب الدراسة، ليس ذلك النوع من المنافسة (على الأسعار) هو الذي يهمّ، وإنما المنافسة المنطلقة من السلعة الجديدة، والتكنولوجيا الجديدة، ومصدر التموين الجديد، ونمط التنظيم الجديد … أي المنافسة التي تتحكم بكلفة حاسمة أو أفضليّة نوعيّة، والتي لا تضرب في هوامش أرباح الشركات القائمة وناتجها، وإنما في أسسها، وحياتها ذاتها."
جوزيف أ. شومبيتر، الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية



لقد تمكّن لبنان من تصدير ما يعادل 2309 سلعات*، وذلك منذ مطلع القرن الحالي وحتى عام 2014. والجدير بالذكر أنّ الصادرات اللبنانيّة اتّخذت منحىً تطويريّاً خلال الفترة المذكورة، حيث استطاع المصدّرون اللبنانيّون تصدير منتجات أكثر تطوّراً إلى مختلف دول العالم، سواء عن طريق تطوير المنتج (Product Upgrading)، أو تحديث عملية الإنتاج (Process Upgrading). فمن جهة، يعني تطوير المنتج تحسيناً في خصائصه ووظائفه، فيُضفي عليه خاصيّة، أو جودة، أو محتوى معرفيّاً أرفع، ما يجعل المستهلك راغباً في دفع سعر أعلى للحصول عليه. ومن جهة أخرى، فإنّ تحديث عملية الإنتاج قد يعني عمليات إنتاج أكثر فعّاليّة، سواء من خلال إعادة تنظيم الإنتاج، أو إدخال تكنولوجيا متفوّقة؛ وهذا من شأنه أن يساهم في خفض كلفة الإنتاج، ورفع الإنتاجيّة، وبالتالي يُبشّر بتحسّن في القدرة التنافسيّة للمنتجات اللبنانيّة في السوق العالميّة.
وطبقاً لدراسة حديثة حول أداء الصادرات اللبنانيّة منذ بداية الألفيّة الجديدة وحتى عام 2014، فإنّ حوالى 466 منتجاً، أو ما يُقارب 20.2 بالمئة من إجمالي الصادرات اللبنانيّة، يندرج تحت إطار التطوير الناجح للمنتجات**. ومن بين هذه المنتجات ينتمي 438 منتجاً إلى عائلة الصناعات التحويليّة. ومن جانب آخر، فإنّ حوالى 270 منتجاً، أو ما يُعادل 11.6 بالمئة من إجمالي الصادرات اللبنانيّة يندرج في إطار النهوض بعمليات الإنتاج. ومن ضمن هذه المنتجات 256 منتجاً تنتمي إلى عائلة الصناعات التحويليّة. وبمعنى آخر؛ شكّلت صادرات لبنان التحويليّة التي ارتبطت بأحد نوعي الترقية ما مجموعه 694 منتجاً، أي ما يعادل 94 بالمئة من إجمالي الصادرات التي تمّت ترقيتها، والتي تنطوي على قيمة مضافة أعلى، وجودة أفضل.

94٪

من الصادرات الصناعية اللبنانية، بين عامي 2000 و2014، أو 694 منتجاً، تندرج ضمن خانة الصناعات التحويلية، وتتصدرّها المعدات الكهربائية والآلات التي تشكّل 33٪ من مجمل هذه الصادرات


أمّا بالنسبة إلى توزّع هذه الصادرات التحويليّة على القطاعات الصناعيّة ذات الصلة، فهو على الشكل التالي (انظر الرسم البياني). يحتلّ قطاع الآلات والمعدّات الكهربائية المركز الأول من حيث عدد السلع التصديريّة التي تمّ النهوض بها بنجاح، والتي شكلت حوالى 33 بالمئة من إجمالي الصادرات التحويليّة التي تمّت ترقيتها. ويليه في المرتبة الثانية قطاع النسيج والملابس والجلود*** (33 بالمئة)؛ فقطاع الصناعات الكيميائيّة والبلاستيك (14 بالمئة)؛ ثمّ المعادن (11 بالمئة)؛ والأثاث، والطباعة، واستنساخ وسائط الإعلام المسجّلة (7 بالمئة)؛ والمطّاط، والمعادن اللافلزيّة (6 بالمئة)؛ والصناعات الخشبية والورقية (5 بالمئة)؛ والأغذية والمشروبات (2 بالمئة)؛ وأخيراً صناعة المركبات ومعدّات النقل (2 بالمئة).
ويُلاحظ أنّ القطاعات الثلاثة الأولى هي قطاعات تشتمل على مستوى عالٍ نسبيّاً من المحتوى التكنولوجي؛ أي أنّها تعتمد بشكل ملحوظ على السلع الرأسمالية كآليّة لتحسين مستوى التقدّم التكنولوجي، نظراً إلى تجسيد هذه السلع للتكنولوجيا والمعرفة الجديدة، والتي تسمح للشركات بتوظيف عمليات إنتاج أكثر كفاءة. ووفقاً للتصنيف المُعتمد من قبل "منظمة الأمم المتّحدة للتنمية الصناعية" (UNIDO) حول كثافة استخدام التكنولوجيا لدى مختلف القطاعات الصناعيّة، فإنّ الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بقطاع الآلات والمعدّات الكهربائيّة تعتمد بشكل أساس على كثافة تكنولوجيّة متوسّطة إلى عالية (Medium- to- High Technology). أمّا قطاع النسيج والملابس والجلود فيعتمد على كثافة تكنولوجية متوسّطة (Medium Technology)، فيما يشتمل قطاع الصناعات الكيميائيّة والبلاستيك على أنشطة تتوزّع على طيف واسع من الكثافة التكنولوجية، بما في ذلك الأنشطة القائمة على الموارد الطبيعيّة (Resource-based)، وتلك القائمة على التكنولوجيا المنخفضة (Low Technology)، كما المتوسّطة إلى العالية. ومن جهة أخرى، فإنّ هذه القطاعات تشتمل على روابط (linkages) مع القطاعات الاقتصاديّة المختلفة كقطاعي الزراعة والخدمات والأنشطة الصناعيّة الأخرى، وقد تساهم في تعزيز انتشار التكنولوجيا عبر هذه القطاعات الاقتصاديّة، وتحفيز الإنتاجيّة، بالإضافة إلى تعميق الهيكل الصناعي لدى الاقتصاد اللبناني.


بناءً على ما تقدّم، يمكن التسليم في أنّ هذا الأداء التطويري للصادرات اللبنانيّة يشي بوجود قدرات لدى المصدّرين اللبنانيّين، وخصوصاً لدى الصناعيّين في لبنان، تمكّنهم من إنتاج وتصدير منتجات ذات محتوى معرفي وتكنولوجي أرقى نسبياً، وقيمة مضافة أعلى. وهذا بدوره لعب دوراً مهمّاً في زيادة الصادرات اللبنانية، وتحديداً الصادرات الصناعيّة التحويليّة.
وفي الخلاصة، فإنّه نتيجة للاندماج المتنامي للاقتصاد العالمي، سيجد المصدّرون اللبنانيون، ولا سيّما الصناعيّون، أنفسهم في حالة من المنافسة المتواصلة من أجل تحقيق أشكال جديدة من المزايا التنافسيّة التي تضمن لهم الاستدامة، والتوسّع في التصدير إلى الخارج. ولا بدّ من التذكير بأنّ الفائزين في السوق العالميّة هم أولئك القادرون على تطوير قدرات ديناميكيّة (Dynamic Capabilities) مثل الاستجابة إلى الطلب الخارجي وتلبيته في الوقت المناسب، وكذلك الابتكار السريع والمرن للمنتجات القابلة للتبادل، بالإضافة إلى القدرة على الإدارة السليمة، وتكييف الموارد والمهارات التي تتوافق مع بيئة الأعمال المتغيّرة باستمرار، والتي تتميّز بالتغيّر التكنولوجي السريع، وبطبيعة الأسواق المستقبليّة التي يصعب توقّعها.
لا بدّ لأي استراتيجيا صناعية في لبنان أن تُبنى على فهم للمحدّدات المعرفية والتكنولوجية لترتقي بالصادرات


وفي هذا الإطار، فإنّه لا بدّ لأيّ استراتيجيا صناعيّة في لبنان لكي تجني ثمار العولمة، وترتقي بالصادرات اللبنانية إلى الخارج كمّاً ونوعاً، أن تُبنى على فهم واضح للمحدّدات وللعوامل الكامنة وراء زيادة الصادرات اللبنانيّة، ولا سيّما تلك التي تتّسم بمحتوى معرفي وتكنولوجي أعلى، وذلك في إطار تحسين قدرة لبنان على إحداث "تغيير هيكلي معزّز للنمو"، وفقاً للتوصيف الذي جاء في ورقة ماك-ميلان ورودريك (2011).
* يتمّ تصنيف الصادرات اللبنانية بحسب التصنيف الموحّد للتجارة الدولية (SITC revision 3)، وعلى مستوى التصنيف المؤلف من خمسة أرقام.
** للمزيد من المعلومات حول المنهجية المعتمدة وكيفية احتساب مدى تطوّر الصادرات، راجع المؤلّف.
*** إن الأداء التطويري لقطاع النسيج والملابس والجلود حدث على الرغم من الانخفاض الدراماتيكي في حجم القطاع المذكور من 3004 مصانع خلال عام 1994 إلى 273 مصنعاً اليوم، ونتيجة لعقبات عدّة أبرزها إلغاء الرسوم الجمركية على منتجات هذا القطاع المستوردة، وارتفاع حدّة المنافسة الأجنبية، ولا سيّما من الصين وتركيا وبنغلادش؛ بالإضافة إلى ميل المستهلك اللبناني إلى الماركات العالمية على حساب المنتجات اللبنانية، وذلك لاهتمامه "بالصورة" الخارجية والاجتماعية، واعتقاداً منه بأنّها أعلى جودة.

* باحث اقتصادي

المراجع:
Kaplinsky, R. and Readman, J., 2005. Globalization and upgrading: what can (and cannot) be learnt from international trade statistics in the wood furniture sector?. Industrial and Corporate Change, 14(4), pp.679-703.
Sherry H.٫2019٫ Manufacturing Competitiveness and Export Performance: The Case of Lebanon٫ PhD Thesis٫ unpublished٫ SOAS٫ University of London.
McMillan, M.S. and Rodrik, D., 2011. Globalization, structural change and productivity growth (No. w17143). National Bureau of Economic Research.
UNIDO and GIZ, 2015. Tool 3: Industrial and Export Upgrading. EQuIP - Enhancing the Quality of Industrial Policies.