«قد تستعين الدولة في بعض الحالات بالمصرف المركزي، لكنه اليوم يحلّ محلّ الدولة»


حاكم المصرف رياض سلامة، 2015



«انتقاداتي للمصرف المركزي لا أعلنها إنّما أقولها للمسؤولين عنه»
الرئيس سعد الحريري، جلسة مناقشة الموازنة،

2019

يتربّع رياض سلامة على كرسي حاكم مصرف لبنان منذ أكثر من ربع قرن، لا ينازعه في ذلك بين أقطاب الطبقة الحاكمة سوى رئيس مجلس النوّاب نبيه بري. وبينما يُعتبر طول ولاية بري برهاناً على انعدام مداورة السلطة والحاجة إلى الإصلاح الديمقراطي، غالباً ما كانت تُساق ولاية سلامة كدليل على استقرار النظام المصرفي واستقلالية قرار المصرف عن الحكومة. لقد تمتّع سلامة حتّى وقت قريب جدّاً بهيبة وتقدير قلَّ نظيرهما، حيث لم يُجمع على ذلك أصحاب المصارف فقط، وهو أمر مفهوم، بل تضمّن مجمل الطبقة السياسية ومعظم القنوات الإعلامية وغالبية الرأي العام اللبناني، بمن فيهم قطاعات مجتمعية واسعة من المتضرّرين من سياسات المصرف. وحتّى في أوقات تعثّر السياسات المالية في البلد في السنوات الأخيرة، بقي انتقاد المصرف وحاكمه خجولاً إلى حين انتفض الناس هذا الشهر، فبتنا نسمع الهتافات تصدح ضدّه في الساحات، من طرابلس إلى رياض الصلح ووصولاً إلى تسيير مظاهرات خارج مبنى المصرف في الحمراء، وإن كانت لا تزال قليلة مقارنة باستهداف السياسيين. لا يمكن تفسير هذه الهيبة بكاريزما الرجل أو حتّى طول مدّة ولايته. لقد ارتبطت هذه الهيبة بمنظومة متكاملة من الهيمنة، بالمعنى الغرامشي، التي تمارسها الأولغارشية المالية، منذ ما قبل تعيين سلامة، في سبيل خلق قدسية مُطلقة حول موقع الحاكم خصوصاً، والمصرف المركزي عموماً، والتي تعزّزت إلى أقصى الحدود في عهد سلامة.

المصرف العابر للطوائف
وإن تمكّنت الانتفاضة الشعبية العارمة من كسر هيبة شخص الحاكم حتّى الآن، وهو إنجار يُحسب لها، إلّا أن الطريق لا يزال طويلاً، لكن ليس مستحيلاً، نحو كسر هيمنة اللوبي المصرفي في لبنان المتمثّلة بالمصرف المركزي وجمعيّة المصارف معاً، والأخيرة بالمناسبة لا تزال بمنأى عن الاحتجاجات. أهمّية هاتين المؤسّستين والعلاقة بينهما في الصراع الحالي أنهما، وعلى عكس المؤسّسات الرئيسية للسلطة كالمجلس النيابي أو المحاكم الشرعية أو القضاء، ليستا طائفيتين بالمعنى البنيوي. هذا لا يعني أن المناصب المصرفية العليا، وخصوصاً في مصرف لبنان، غير موزّعة طائفياً. لكنّه يعني أن جوهر السلطة المصرفية يعكس التناقض الطبقي لا الطائفي، مقارنة بالمؤسّسات الأخرى كالحكومة أو المجلس النيابي، وإن كان ما يحكم عمل القيّمين على هاتين المؤسّستين هو بالدرجة ولاؤهم لرأس المال لا انتماءاتهم الطائفية. من هذا المنطلق، إن المصرف المركزي وجمعيّة المصارف عابران للطوائف وأساس لإنتاج السلطة المادية للطوائف ككيانات سياسية في آنٍ، ما يجعل كسر هيمنتهما شرطاً ضرورياً - ولعلّه الأقل عُرضة للتحريف الطائفي - لإنهاء سيطرة الطبقة الحاكمة.

أنجل بوليغان - المكسيك

والهيمنة وفق أنطونيو غرامشي، وباختصار وتبسيط شديدين، ملازمة للسيطرة كوسيلتين أساسيتين لترسيخ سلطة الطبقة الحاكمة بطرق مختلفة في المجتمعات الرأسمالية الليبرالية. تعتمد السيطرة على الإرغام أو العنف، من خلال الأجهزة القمعية للدولة كالجيش والشرطة والقضاء، بينما تعتمد الهيمنة على الإقناع من خلال التبعية الأيديولوجية التي يتمّ بناؤها عبر المؤسّسات غير الحكومية كالمدارس ودور العبادة والإعلام. والإقناع هنا لا يعني غسيل دماغ أو خلق وعي زائف، بل يرمز إلى تبنٍّ فعلي من قِبَل الفئات المقهورة لخطاب الفئات القاهرة. وجزء من هذا التبنّي له أساس مادي/ اقتصادي لا أيديولوجي فحسب. أي أن الهيمنة مرتبطة بمنافع حقيقية . ليس صدفة أن أهمّ حدث هو كسر هيبة سلامة، لم يكن تراكم الدَّيْن العام أو زيادة معدّل البطالة أو حتى تراكم أرباح المصارف نتيجة الهندسات المالية، بل هبوط سعر الصرف. لقد بنى سلامة هيبته على هذه المقولة التي هي في الأساس الركيزة الأم لأيديولوجية الطغمة المالية من تأسيس لبنان. وهي تؤثّر على حياة الناس بشكل مباشر عبر تحديد ثروتهم - من عدمها - وقدرتهم الشرائية، وتشكّل في الوقت نفسه فعلاً إيمانياً راسخاً. ولم تكن لتتحوّل أزمة المصرف كراعٍ للاستقرار عبر الدولرة إلى فكر مُهيمن لولا دور المؤسّسات الأخرى المعنية بتوطيد هذ الهيمنة، حيث باتت الدولرة أمَّ وأبا الاستقرار المالي. على رأس هذه المؤسّسات مؤسسة الإعلام، لما لها من باعٍ في صقل وعي الناس اليومي حول المصرف وسياساته.

حصان طروادة الإعلامي
في حالة مصرف لبنان، لعب الإعلام بالتواطؤ مع القيادات السياسية دوراً مفصلياً في صناعة هذه الهيمنة منذ تأسيس المصرف. عند افتتاح المصرف في 1 نيسان/ أبريل 1964، اعتبرت السلطات السياسية اللبنانية، ممثّلة بحاكم المصرف الأوّل آنذاك فيليب تقلا ورئيس الحكومة حسين العويني، أن المصرف هو الرمز الرئيس للسيادة الاقتصادية والخطوة الأخيرة نحو الاستقلال الكامل. وقد وصفته الصحافة آنذاك كوسيلة لبسط هيبة الدولة وتعزيز الشعور الوطني. ولم تتوانَ جمعيّة المصارف في السنة نفسها عن لجم الإعلام عندما حاول التشكيك في قوّة القطاع المصرفي. فأبرمت اتفاقاً مع الصحافة برعاية رئيس الجمهورية شارل حلو لفرض رقابة على التغطية الصحافية لأخبار المصارف. ومع استلام الياس سركيس سدّة الحاكمية عام 1967 على أثر أزمة إنترا، تعاظمت السلطة السيادية التي بات يتمتّع بها الحاكم، فنشرت جريدة «النهار» كاريكاتوراً لبيار صادق بعنوان «مصرف حاكم لبنان»، بدلاً من حاكم مصرف لبنان يظهر سركيس وهو على وشك دخول المصرف. مع الوقت، تحوّلت الحاكمية إلى طريق سركيس للرئاسة الفعليّة للبنان.
كسر الهيمنة يعني كسر الارتباط التبعي بين المصرف المركزي وبين رأس المال المصرفي المتمثّل بجمعيّة المصارف، وهو غير ممكن من دون قرار سياسي يضع ميثاقاً مالياً جديداً للمصرف

وإن كانت هيبة الحاكم قد اهتزّت عند الطبقة السياسية والمصرفية في آنٍ أثناء ولاية إدمون نعيم خلال السنوات الأخيرة للحرب الأهلية، بسبب تمسّك الأخير بصلاحيّاته في وجه الحكم الميليشياوي للقوى السياسية وممارسات المضاربة المالية للقطاع البنكي، فإن هؤلاء لم يتمكّنوا على الرغم من وسائل الترغيب والترهيب، الذي وصل إلى حدّ قصف المصرف بالـ«أر بي جي» والتعدّي جسدياً على نعيم، من كسر شوكة الحاكم وتهميش دور المصرف. ولعل تشبّث نعيم بسلطاته في وجه الميليشيات، في وقت كانت فيه معظم مؤسّسات الدولة مرهونة لزعماء الطوائف، عزّز من صفة المصرف كحاكم للدولة وبديل عنها عند عامّة الناس.

دولة ضمن الدولة
في عهد سلامة، عاد المصرف ليؤدّي دور العرّاب الرئيس لسلطة رأس المال النيوليبرالي. بعد اغتيال الحريري الأب وازدياد تناحر القوى السياسية الطائفية، تحوّل المصرف بشخص سلامة إلى رمز لهيبة الدولة المفقودة في المؤسّسات الأخرى وتحوّل القطاع المصرفي إلى الملاذ الأخير لتمويل الدولة وإنقاذ الاقتصاد من الانهيار. وعليه ضُخّت أموال كثيرة دعائية للمصارف لرعاية العديد من النشاطات الاجتماعية ووضعت الإعلانات في الطرقات وتصدّرت الفواصل الإعلانية على التلفاز، حتّى بات المواطن اللبناني مُشبعاً حتّى التُّخمة بالدعاية المصرفية. لم تتحمّل السلطة المصرفية أي صوت معارض، فتمّ إغراء أكثر الصحف نقداً لسلطة المال، أي جريدة «الأخبار»، لكن لم يمنع ذلك ملحق «رأس المال» الصادر عن الصحيفة من الاستمرار في تحدّي تلك الهيمنة وفضح التناقضات التي تحكم عمل المصارف وعلى رأسها مصرف لبنان.
لعب المصرف المركزي نفسه دوراً مباشراً في توجيه الإعلام لصياغة أسطورة الحاكم الذي لا يُقهر والمصرف - الدولة. وقد تمّ تتويج هذه المرحلة في ذكرى اليوبيل الذهبي لتأسيس المصرف عام 2014 عبر إصدار وثائقي بعنوان «الحاكم بأمر الليرة» لجورج غانم، وبثّه على شاشات خطوط طيران الشرق الأوسط المملوكة من المصرف، والتي فرضت على ركّابها مشاهدة إعلانات عن المصارف أثناء الإقلاع من دون خيار إطفاء تلفاز المقعد. وقام المصرف بتفويض جريدة «السفير»، صوت الذين لا صوت لهم، بإصدار كتاب تذكاري بعنوان: «50 عاماً: مصرف لبنان ضمانة استقرار الوطن - ضمان الدولة». وقد طغى على الكتاب شهادات مليئة بالمديح والإطراء، وصف فيها رئيس تحرير «السفير» طلال سلمان الحاكم سلامة بـ«الضمانة المذهبة» واعتبر وزير المال علي حسن خليل مصرف لبنان «كفالة الحماية والاستقرار» ووصل الأمر إلى درجة اعتبار عدنان القصّار، رئيس مجموعة «فرنسبنك»، أن سلامة يستحقّ بجدارة لقب «أفضل حاكم مصرف مركزي في العالم» (يقول القصّار: إن مصرف لبنان كان أوّل مصرف مركزي في المنطقة، وهو قول طبعاً عار من الصحّة). وإن كانت شهادات خبراء اقتصاديين مشهود لهم بالكفاءة والنزاهة كسليم الحصّ وجورج قرم بعيدة عن المديح المبتذل، ولم تتطرّق إلى شخص سلامة لا سلباً ولا إيجاباً، إلّا أنها أتت لتعزّز هيمنة المصرف، فاعتبر الحصّ أن المصرف يقوم بالأدوار المنوطة به «خير قيام»، وأشاد قرم بقانون النقد والتسليف من دون الإشارة إلى النهج المُحافظ للقانون فيما يخصّ تفعيل التنمية الاقتصادية أو تواطؤ المصرف مع البنك لمصلحة الأخيرة. لم يشذّ عن القاعدة سوى وزير المال السابق الياس سابا، الذي لم يتردّد في نقد السياسة النقدية للمصرف المبنيّة حول تثبيت سعر الصرف بالدولار. لقد وضع سابا قلمه على الجرح حين ربط سياسة ثبات سعر الصرف بعدم قدرة المصرف على لعب دور في تحريك عجلة التنمية الاقتصادية، التي بدورها ترتبط بفلسفة الاقتصاد النيوليبرالي الحرّ للطغمة المالية والتي يجسّدها سلامة.

المعادلة غير الذهبية: المصرف والجمعيّة والسلطة السياسية
سلامة ليس أوّل حاكم مصرف مركزي قد يهتزّ عرشه نتيجة التمسّك بفلسفة تثبيت سعر الصرف مهما كلّف الثمن. لقد تبوّأ نورمان مونتاغو منصب حاكم بنك إنكلترا لربع قرن أيضاً بين الحربين العالميتين، حتى بات اسمه ملازماً لحكم المصرف. بقي مونتاغو مصرّاً على ربط الإسترليني بالذهب عملاً بقاعدة الذهب من دون أن يتنبّه إلى التحوّلات المصيرية التي عصفت بالاقتصاد العالمي، وعلى رأسها الركود الاقتصادي الكبير في الثلاثينيات الذي تطلّب إنفاقاً حكومياً يستوجب الخروج عن قاعدة الذهب. لم يأبه مونتاغو لتأثير سياساته على معيشة البريطانيين أو البطالة أو النموّ الاقتصادي. لكن مونتاغو واجه آنذاك معارضة مستمرّة من موظّف الخزينة البريطانية المعاند جون ماينارد كينز، الذي وصف مونتاغو بأنه «المتألّق دوماً والمخطئ دوماً». وقد تطلّب الأمر اندلاع حرب عالمية ثانية وسطوة الولايات المتّحدة وتبدّل السلطة السياسية في لندن ليصبح الفكر الكينزي هو المهيمن، ما أدّى إلى خلع مونتاغو عام 1944 وتأميم مصرف إنكلترا عام 1946.
لا مشكلة تأميم في لبنان. المصرف ملك الدولة. المشكلة في تفريغ المصرف من دوره التنموي والرقابي على المصارف، لا الداعم لربحيّتها، وهو دور تحميه السلطة السياسية وتروّج له وإن بشكل غير مباشر عبر معظم منابر الإعلام السائدة. كسر الهيمنة يعني كسر الارتباط التبعي بين المصرف وبين رأس المال المصرفي المتمثّل بجمعيّة المصارف، وهو غير ممكن من دون قرار سياسي يضع ميثاقاً مالياً جديداً للمصرف. تلك هي المعادلة المثلّثة غير الذهبية. هناك بدأت الحكاية، وهناك عساها أن تنتهي.

* أستاذ جامعي

* صدر للكاتب كتاب:
Banking on the State: The Financial Foundations of Lebanon
(Stanford University Press, 2019)