تمتلئ صفحات كتب التاريخ بأخبار هنيبعل القائد العسكري الخلّاق الذي لم يُهزم في معركة على رأس جيش قرطاجي إلّا مرّة واحدة في زاما، فيما نجح سياسياً، على مدى 17 عاماً، في صوغ تحالف إيطالي معقّد في وجه تحالف روما ومستعمراتها اللاتينية ومدن إيطالية بقيت مخلصة لها. ولكن التاريخ لا يأتي على ذكر هنيبعل السياسي الإصلاحي الذي واجه الأوليغارشية القرطاجية، إلّا لُماماً.

في عام 199 (ق.م.) وصل وفد قرطاجي إلى روما، حاملاً معه تعويض الحرب السنوي، الذي نصّت عليه اتفاقية السلام - التي أنهت الحرب البونية الثانية بهزيمة قرطاجة - وألزمت قرطاجة بدفع 6 أطنان من النقود الفضّية سنوياً على مدى 50 عاماً كتعويضات حرب لروما. لكن، بعد معاينة الدفعة، صُدم الرومان بأن النقود مسكوكة بخليط معدني ربعه من المعادن الرخيصة، وفق ما يشرح دكستر هويوس في كتابه «القرطاجيون»، فاضطر الوفد أن يستدين من مرابي روما ليغطّي الربع المتبقي من قيمة الدفعة. في عام 197 (ق.م.)، وجدت السلطات المالية في قرطاجة صعوبة في جمع المبلغ المطلوب، الأمر الذي كان سيطيح باتفاقية السلام وينهي وجود المدينة كجمهورية مستقلة، لأن الاتفاقية نفسها كانت تمنع قرطاجة من تجنيد جيوش من دون إذن روماني. كانت هذه الصعوبات المالية غير مُبرّرة، وفق هويوس، إذ كان دخل الجمهورية في آخر سنوات الحرب يوازي 36 طنّاً من الفضّة. وأمام هذا الخطر، عاد هنيبعل إلى الحياة العامة، وإنّما بدور مدني، في منصب الـ«شوفيت»، وهو أعلى منصب تنفيذي وقضائي في الجمهورية، من أجل إنقاذ المدينة وإصلاح أطرها السياسية وإدارتها المالية.

كيف تشكّلت أوليغارشية قرطاجة؟
لفهم ما أصلحه هنيبعل علينا الغوص في تركيبة المؤسّسات السياسية والمالية في قرطاجة. وهي، وفق ما يشير هويوس في كتابه الآنف الذكر، وريتشارد ميلز في كتابه «قرطاجة يجب أن تدمّر»، كانت من أكثر الأنظمة السياسية والمالية تعقيداً في زمانها. فالمدينة-الدولة كانت جمهورية، يرأسها اثنان من الـ«شوفيت» يُنتخبان سنوياً، وهما بالأساس ينتميان لعائلة مرموقة وغنية. ويأتي مجلس شيوخ، وأعضاؤه أيضاً من العائلات الغنية، تحت الـ«شوفيت»، مع صلاحيات واسعة منها اتخاذ قرار الحرب وتحديد العلاقات الخارجية والثقافية وإصدار القوانين التي يقترحها الـ«شوفيت». فيما أنيطت صلاحيات السلطة المالية بـ«رب محاسبيم» المؤلّف من جهاز أطلق عليه اسم «محاسب» ومهمّته جباية الضرائب. ومن المراكز الأساسية أيضاً «رب كهنوم» وهو رأس المؤسّسة الدينية في المدينة، ويتحكّم بالأضحيات والتقديمات للمعابد. بالإضافة إلى القائد العسكري «رب محنات»، وهو مركز مؤقّت يُنتخب قائده في أيام الحرب فقط. ولمحاسبة القادة العسكريين أُنشئ مجلس المئة وأربعة قضاة، الذي أُعطي صلاحيات واسعة لتطبيق أقسى العقوبات بحق القادة المهزومين، وكانت تصل إلى الإعدام. كل هذه المراكز، بالإضافة إلى مجلس المئة وأربعة، كانت منتخبة من مجلس الشيوخ، الذي ينتخب بدوره عبر مجلس عموم من المواطنين القرطاجيين يجتمع في ساحة سوق المدينة الرئيسي.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

ويشرح هويويس وميلز أن الاقتصاد القرطاجي كان قوياً، عماده إتقان الصناعات الحرفية، ككلّ الفينيقيين، بالإضافة إلى إتقان الزراعة في سهول شمال أفريقيا الغنيّة في ذلك الزمان، وتسيّد غرب البحر المتوسط عبر أسطولين تجاري وعسكري ضخمين. سمحت هذه العوامل بسيطرة القرطاجيين على التجارة في غرب المتوسط، وامتداد تأثيرهم التجاري إلى سواحله الشرقية وسواحل أفريقيا الغربية. هذه القوة الاقتصادية كانت تعني أن كمّية مال كبيرة كانت تتداول في الجمهورية، والتي تخطّى دخلها دخل الجمهورية الرومانية التي كانت تفوق قرطاجة بأعداد السكان كقوّة عاملة وبمساحاتها الزراعية.
على الرغم من هذه البنية المعقّدة التي تعبّر عن شراكة شعبية في الحكم، إلّا أن النظام في المدينة كان من أفسد الأنظمة في زمانه. ويشرح هويوس، أنه كان بإمكان السياسي أن يجمع بين مركزين تنفيذيين أو أكثر في الوقت نفسه، حتى ولو انطوى ذلك على تضارب مصالح. وكان إثراء شاغلي مراكز السلطة من الأموال العمومية من المسلّمات، حتى القائد العسكري كان يتربّح من حروبه. وكذلك أبيح استخدام الرشوة لضمان انتخاب الشيوخ من قبل مجلس العموم، أو انتخاب مجلس الشيوخ لأعضاء مجلس المئة وأربعة وللمواقع التنفيذية الأخرى.
هذه التركيبة والآلية، معطوفة على كمية المال المتداولة في المدينة أنتجت طبقة أوليغارشية محورها العائلات التي تتوارث الثروة والمكانة من جيل إلى آخر، وتتغذّى من المال العام وتعيد إنتاج نفسها، وتتحكّم بمفاصل الدولة بما يخدم مصالحها الخاصة. فكانت طبقة التجّار هي نفسها طبقة السياسيين الذين يحتلّون المراكز في مجلس الشيوخ وما فوقه من سلطات، بينما اكتفت طبقات الحرفيين والمزارعين من المواطنين بالمشاركة عبر مجلس العموم. وعلى الرغم من أن الطبقة الأوليغارشية كانت تنقسم على نفسها في مجلس الشيوخ وتتحوّل إلى فصائل سياسية متناحرة، إلّا أن هذه الانقسامات لم تكن أكثر من تناحر على الوصول إلى مراكز السلطة.

لم انهارت مالية الدولة؟
يشرح هويوس، في كتابه «سلالة هنيبعل - السلطة والسياسة في غرب المتوسّط»، أن هزيمة عام 201 التي فرضت على قرطاجة استسلاماً مذلّاً لروما، أخرجت عائلة برقة من مفاصل السلطة، أي عائلة هنيبعل التي ركّزها في السلطة والده هميلكار الذي انتخب قائداً عسكرياً لحرب توسعية لا أفق لنهايتها في أيبيريا، ما أمّن له موارد مالية وسطوة سمحت له بتنظيم فصيل «برقي» في مؤسّسات حكم قرطاجة، فيما انطلق في توسّعه في إيبيريا. استمرّ هذا الفريق مُمسكاً بمفاصل السلطة طوال ستة وثلاثين عاماً حتى هزيمة زاما.
فتتت هذه الهزيمة الفصيل «البرقيّ»، وتصدّر مجلس المئة وأربعة الحياة السياسية على إثرها، وتحكّم أعضاؤه بمقدّرات الجمهورية من دون خوف من باقي الطبقة الأوليغارشية، ومن دون التنبّه إلى أن مدخول الجمهورية قد تضرّر كثيراً بعد خسارة كل المستعمرات الخارجية. وأمعنوا في الغرف من المال العام حتى وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه عام 197.
كانت الطبقة الأوليغارشية تنقسم على نفسها في مجلس الشيوخ وتتحوّل إلى فصائل سياسية متناحرة، إلّا أن هذه الانقسامات لم تكن أكثر من تناحر على الوصول إلى مراكز السلطة


على قرع طبول الحرب المحتملة مع روما، انتُخب هنيبعل تحت ضغط شعبي، لأحد مركزيْ الـ«شوفيت»، وانتخب في الموقع الثاني رجل موالٍ له أيضاً. أول قرار اتخذه بعد انتخابه، كان القبض على رأس السلطة المالية، وبعد أن حاول مجموعة من أعضاء مجلس المئة وأربعة أن تمنع عنه المحاكمة، استغلّ هنيبعل الحادثة لتمرير مجموعة قوانين في مجلس الشيوخ تحت ضغط شعبي، وأقرّ إصلاحات غيّرت شكل النظام السياسي في المدينة. وفرض هنيبعل انتخابات سنوية في مجلس المئة وأربعة بعدما كانت العضوية لمدى الحياة، ومنع الترشّح لدورتين متتاليتين مدمّراً بذلك سطوة أعضائه على الحياة السياسية. كذلك فتح باب الترشّح إلى مجلس الشيوخ لجميع المواطنين بما يتيح تشكيل فرق سياسية من خارج الأوليغارشية المتحكّمة بقرطاجة. وثمّ أقرّ إصلاحات مالية لتحسين الجباية ومنع الغرف من المال العام واستعادة الأموال المنهوبة، وأطلق مجموعة مشاريع لتطوير البنية التحتية في المدينة، ومنها مشروع المرفأ الدائري.
وضعت هذه الإصلاحات هنيبعل في مواجهة الطبقة الأوليغارشية بدعم من الفئات الشعبية من المواطنين القرطاجيين وحتى من المهمّشين من غير القرطاجيين الذين كانوا يسكنون المدينة ويعملون فيها. وسرعان ما تهاوت موارد معظم الطبقة الأوليغارشية واهتزّت مواقعهم السياسية والاجتماعية الضاربة القِدَم في المدينة، وظهرت نتائج الإصلاحات بشكل سريع بحيت تمكّنت المدينة من دفع مستحقّات الفضّة المترتبة عليها لروما في العام التالي.

من الصعب القول إن هنيبعل لم يدرك عمق تأثير الأوليغارشية في بنية مؤسّسات الحكم، فهو في النهاية ابن هذه الطبقة، حتى لو اختار ضربها حين وجد أنّها ستودي بالمدينة إلى الهلاك


إلّا أن تشابك هذه الطبقة مع بنية الدولة، ساهم بصمودها أمام هجمة هنيبعل، واستمرّت ارتباطاتها الداخلية والخارجية. يشرح هويويس أن الكثير من الساسة القرطاجيين كاتبوا أعضاءً من مجلس الشيوخ الروماني ليشكوا هنيبعل لدى روما واتهموه بتدبير تحالف مع أنطوخيوس الثالث ملك الدولة السلوقية للتجهيز لحرب انتقامية من روما. وفجأة من دون إنذار، حلّ وفد روماني عام 195 للتوسّط بين قرطاجة وملك النوميديين ماسينيسا. ويشرح هويويس، أن هذه المراسلات بدأت مع انطلاق الإصلاحات المالية قبل أن يغادر الوفد روما. وعندما حلّ الوفد في مجلس الشيوخ أمعن في شجب هنيبعل وطالب المجلس بمعاقبته. وبالفعل أصدر المجلس عقوبات بحق هنيبعل، حوّلته إلى منفيّ غير قادر على العودة إلى المدينة.
من الصعب القول إن هنيبعل لم يدرك عمق تأثير الأوليغارشية الحاكمة في بنية مؤسّسات الحكم في المدينة، فهو في النهاية ابن هذه الطبقة، حتى لو اختار ضربها حين وجد أنّها ستودي بالمدينة إلى الهلاك. فهروبه قبل صدور العقوبات من مجلس الشيوخ دليل على أنه كان على علم بما يدبّره له أعداؤه، ولكنّه كان مهزوماً في الحرب، ويقود دولة مجرّدة من أي قوة عسكرية. كانت خيارات هنيبعل معدومة بعدما اتّضح له عدم إمكانية هزيمة أوليغارشية قرطاجة عبر استعمال النظام. فيما كانت قدرته على استعمال العنف ضد الأوليغارشية محدودة جدّاً، وكذلك خياراته لاستعمال العنف ضد روما لمنعها من دعم هذه الطبقة.