ينطلق بعض مناقشي الأزمة القائمة في البلاد من استخدام تعبير «نحن». هم يستخدمون هذه للإشارة بالصفة إلى أنهم يتحدّثون باسم اللبنانيين عموماً. يقولون نحن اللبنانيين. هم يحاولون فرض منهجهم على النقاش، وهذا خطأ حقيقي. هناك طبقات لها موقفها ولها حصّتها من الأزمة. هناك «نحن» وهناك «هم». فلا الهوية اللبنانية متماسكة، ولا الهوية الطائفية متماسكة. لقد تم تركيب هذه الهويات بهدف إلغاء الهوية الحقيقية، أي الهوية الطبقيّة. وهي عبارة عن علاقة إنتاج واستهلاك واستئثار بالثروة. بلا لبس، هناك شريحتان، واحدة تنتج وتستهلك، وأخرى تستأثر بالمنتج وتستهلك البشر والحجر.

الاقتصاد عندنا مثل خزان كبير للمياه. فإذا أخذنا من مياه الخزان أكثر مما نضع فيه، فسنصل إلى لحظة لا يعود فيه شيء. وهذا هو حالنا. نحن نسحب من الخزان ما يكفي لخدمة الدين وللاستيراد، وما تبقى من قاعدتنا الإنتاجية هو في حالة انكماش، كما إننا لا نقوم بأيّ عملية ادّخار. توقفت تدفّقات الدولارات من الخارج ما أوصلنا إلى اللحظة التي نحن فيها، حيث قيل إن الأزمة ثلاثية الأبعاد:
- أزمة ميزان المدفوعات.
- أزمة عجز الدولة نتيحة تراجع العائدات.
- أزمة القطاع المصرفي، حيث تدنّت الأصول، وتراكمت الديون السيئة، وزاد الضغط على السحوبات إلى حدّ يتخطى اختبار الإجهاد بحسب بازل ثلاثة «basel 3».
عملياً، كلّ ما سبق هو ظواهر لأزمة اجتماعية. والـ«نحن» هي صفة استترت خلفها الطبقة التي لا تزال تستحوذ على الثراء من خلال تسييل الموارد، بما في ذلك الموارد البشرية.
منذ ثلاثين سنة، و«نحن» نعمل في سياق الاستدانة بفوائد عالية، ما يؤدي إلى ارتفاع كلفة خدمة الدين، ثم نعود للاستدانة حتى نخدم الدين نفسه. بدلاً من الذهاب نحو سياسية مالية ونقدية تقوم على خفض الفوائد، وبدلاً من اعتماد سياسات مالية مقرونة بضرائب تصاعدية على الدخل والأصول، وبدلاً من دفع الناس إلى الاستثمار في الزراعة والصناعة والبنى التحتية، إنما دُفع الجميع نحو الاستدانة من أجل خلق الفقاعات، وتثبيت سعر الصرف لليرة خدمة للطبقة المثريّة. الليرة هنا لم تثبت من أجل دعم رغيف الخبز، هذا عمل محال، ولا يرتجى من هكذا طبقة حاكمة.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

لكن حال السياسة المعتمدة من قِبل الدولة عندنا، تجعل رأسمال الدولة يخدم الدين وفوائده. وبدلاً من أن ندفع القطاع الخاص إلى تحمّل مسؤولياته في مشاريع التنمية، تلجأ السلطة عندنا إلى سياسة الفوائد العالية التي تضعها بقصد جلب الدولارات لخدمة الدين، أو لمنع هروب الأموال من الداخل إلى الخارج. ما يقود عملياً إلى محاصرة الأموال في هذه الدورة، وبالتالي لا يبقى هناك من يستثمر في الاقتصاد الحقيقي المنتج. بل يتفرّغ أصحاب الأموال للاستثمار في اقتصاد المضاربة والمدّخرات طويلة الأمد. وهذا يعني ببساطة، المزيد من الانكماش في السياسات النقدية والمالية، وهو أمر معتمد منذ ثلاثين سنة على الأقل.
انكماش السياسات يؤدّي بدوره إلى انكماش الناتج الكلّي، وإلى الإخلال بتوزيع الدخل لصالحهم «هم». لأن كعكة الاقتصاد يتقاسمها صاحب رأس المال بالأرباح والفوائد من جهة والعمال بالأجور من جهة ثانية. وتمظهرت هذه السياسات باختلال أكبر لمصلحة رأس المال. فـ«هم» كانوا يقتسمون الريع من رغيف العمل لأنّهم كرّسوا الريع المبني على الإنتاجية. وللتذكير، إن كلّ الأرباح في الطور الرأسمالي هي عبارة عن ريوع. فمثلاً، عندما يجري ابتكار تقنية جديدة يُكتسب الربح/ الريع. وباستخراج النفط، كذلك يُكتسب الربح/ الريع. لكن لبنان في طوره الرأسمالي هذا، لا هو ابتدع تقنية جديدة ولا استخرج نفطاً. ورغم هذا فقط حصل النمو. فماذا باع؟
عملياً، لبنان قام بتسييل موارده، لقد باع بيئته وشبابه، واستولى على العقول بأيديولوجية «نحن» و«هم» وهدر الرزق المقترن بإعادة إنتاج المجتمع، المجتمع الحقيقي. وبالتالي إعادة إنتاج الـ«نحن» الحقيقية. والتي من الأفضل أن تعيش في بيئة اجتماعية ناجعة. لكن الحقيقة أنّ حصة الأجور توزّعت مجدّداً وبطريقة مختلفة. انكمشت حصة الأجور، وصار عندنا نظام ذو شطرين من الأجور؛ فئة موظفي الدولة بأجور مرتفعة نسبياً مع ضمانات صحية وتقاعد، مقابل فئة بأجور متدنية ومن دون ضمانات، وفئة ثالثة مهاجرة.
لكن هذه الأجور تخرج من البلاد. فهي تُستهلك بالاستيراد وتدعم ديوناً خيالية جُلّها يتم تهريبه إلى الخارج. والأجور هذه، تُستثمر في أجيال قلّة ما تستفيد منها البلاد، لأن الانكماش ومقاييس خلق فرص العمل يقعان تحت أمرتهم «هم». ولم تكن يوماً سياسة خلق فرص العمل مرتبطة بالربحية لأن المكننة تختزل العمل الحي. فرص العمل تتأتّى بقوة العمل السياسي وأساسها مقياس اجتماعي. وبالتالي فإنّ السياسات طبقية. والسياسات المالية والنقدية ما هي إلا أدوات لجني الأرباح، خصوصاً عندما تكون هذه السياسات تحت سلطتهم «هم». لكن تصريف موجودات الخزان الاقتصادي، يصيبنا «نحن» الشعب الحقيقي. ويصيبنا بقلّة الكهرباء وكثرة الأمراض والفقر. أي يصيبنا بأساس وجودنا وإعادة إنتاج وجودنا. فـ«نحن» الحقيقية ليست تلك المغلفة بالهويّة الوطنية أو الطائفية. فهذه «نحن» وهمية. أما الـ«نحن» الحقيقية، فهي الجماهير التي تعاني من الفقر والأمراض الناجمة عن سياساتهم التوزيعية «هم».
منذ ثلاثين سنة و«نحن» نعمل في سياق الاستدانة بفوائد عالية من أجل خلق الفقاعات وتثبيت سعر الصرف لليرة خدمة للطبقة المثريّة


لقد كانت الهويّة الوهمية الستار الذي تولّدت خلفه الأزمة الوجودية. ما عادت الأزمة أزمة هذه الهوية أو تلك. لقد صارت أزمة صحيّة بالحرف، وأزمة تقصّر من عمر الإنسان. وما جنوه «هم» من حصيلة الدخل، ارتبط عضوياً مع ما انتقص من عمرنا «نحن». حيث هدر الأعمار سعرٌ وربحية. وليس على صعيد لبنان فقط، بل على صعيد الكون كله. ولذلك فإن حربنا «نحن» هي حرب وجود ضدهم «هم». لكن علاقة الربحية باختزال الإنسان، تضعنا أمام أمر أكثر تعقيداً. ألا وهو الحروب والاقتتال. وهما أكثر الصناعات التي تختزل الإنسان. ولذلك فهي أكثر الصناعات ربحية. وفي ظل غياب عمل تنظيمي يدرك خطورة هذا المنزلق. ومن دون أيديولوجية تضع نصب أعينها مقارعة الإمبريالية، أي مقارعة صناعة الحرب الأكثر إدراراً للأرباح، سيكون استهلاك الذات نزهة أمام ما قد يأتي. عندئذ ستتحول الطبقة الحاكمة، أي «هم» من طبقة برجوازية ريعية نقدية، إلى برجوازية حرب نقدية. وسوف تخلق فرص العمل في بروليتاريا حربية وبهويات خرافية تستهلك نفسها ضمن عملية صناعة القتل الجماعي. بهذا المعنى، يمكن إدراك أن النفط لم يكن وحده غاية القوى الإمبريالية في العالم، لأن أرباح النفط تتقزّم أمام أرباح الحروب.
وبالعودة إلى أولئك الذين يصرّون على القول بـ«نحن نعاني من أزمة»، فمن المفيد التوضيح، إننا بالطبع «نحن»، أي الجماهير من يعاني من الأزمة. لكنها أزمة وعي، أي إننا لا ندرك مدّة وعمق الأزمة ومسارها. لا ندرك أن استهلاك الإنسان والبيئة في الحرب أكبر من استهلاك هؤلاء من المديونية وأكثر درّاً للربحية. والأسوأ من ذلك، نحن لا ندرك الـ«نحن الوجودية». لو لم يعِ (Sisyphus) ظلم الآلهة لما تألّم (تروي الأسطورة الإغريقية أنه كان ماكراً إلى حدّ خداع إله الموت، ما فرض معاقبته من قبل كبير الآلهة زيوس، فألزمه بحمل صخرة من أسفل الجبل إلى أعلاه، فإذا وصل القمة تدحرجت إلى الوادي، فيعود إلى رفعها إلى القمة، ويظل هكذا حتى الأبد، فأصبح رمز العذاب الأبدي). وإن لم تعِ الجماهير ظلمهم «هم» فلن يتألموا كذلك. لا زالوا «هم» قادرين على دفع نصف رواتب الطبقة العاملة فكيف ينقضّون على النصف الآخر من الطبقة العاملة. وما هذه الرواتب إلا استثمار آخر في صناعة الحرب الريعية.
عودة أيضاً إلى مسألة المديونية والحلول. الدين اليوم هو دين داخلي وليس خارجياً. الدين الخارجي يجبر المدين على معالجته بتفاهمات مع البنك الدولي ومع صندوق النقد الدولي، من خلال برامج تقشّف تجعل من الممكن سداد قسم كبير من هذا الدين بطريقة تستلب أكثر فأكثر من حيوات الجماهير. أما الدين الداخلي وهو الأكبر، فيمكن معالجته من قِبلنا «نحن». أي أن نرصد مقابلَه قدراتنا الإنتاجية المستقبليّة وبشروط أسهل. المصارف أخطات عندما منحت الدين لمن هو غير قادر على السداد. وهي المسؤولة عن عملها. ومن المفروض ألا تتم رسملتها بالضرائب على الشعب وبغطاء من صندوق النقد الدولي. ثم لماذا تتم دعوة صندوق النقد لكي يكون شمّاعة ومبرراً لإنقاذ مصارف أفلست بسبب سياساتها الخاطئة.
يجري الحديث هنا عن قصّ شعر «hair cut» وخلافه من المقترحات. هذه مصطلحات مشبوهة تريد أن تلقي باللوم على المنهوب المسلوب الإرداة بحكم تبنّيه لسياسة هوية تتبنّى الـ«نحن الخرافية». بدلاً من الـ«نحن الوجودية». لحسن الحظ إن التلوث البيئي والسياسات المفقرة تأتي على كلّ الطوائف. لأن البيئة كما البيئة الاجتماعية تشكّل كلّاً لا يتجزأ.
التحوّل الإيجابي اليوم يفترض أوّلاً إعادة الائتمان. فالاقتصاد الرأسمالي لا يتحرك من دون ائئتمان، والمصارف انتكست وأغلقت فعلياً. والبقاء على حالنا اليوم، يعني أن لا شيء سيتحرك. والعلاج يجب أن يكون خاضعاً لنظرة ومصلحة لبنانية وليس وفق وصفة دولية، لأن النظام العالمي ومن ضمنه المؤسّسات المالية الدولية ستهتمّ فقط بإعادة ترتيب الوضع من أجل مصالح نفس الطبقة، أي من أجل مصالح الـ«هم»، يعني نفس الطبقة المصرفية والسياسية أصحاب العلاقات النقدية الدولية. وهؤلاء يحلمون بتجربة اليونان للقول بأنه يمكن لنا الخروج من الأزمة من دون تنازلات من قبلهم ومن دون تغيير في السياسات. علماً بأنه، لا اليونان ولا البرتغال خرجا من الأزمة. في اليونان اليوم، لا يزال الناتج يساوي ثلثي ما كان عليه من قبل، برغم ارتهان اليونان في سياساتها الخارجية لمصلحة الصهيونية.
مسألة الدين لا تعالج تحت الضغط. لن يكون أحد منّا ملزماً بسداد الدين الآن، «نحن» أمام مهمّة أولى وهي إعادة الائتمان من أجل الإنتاج. والقطاع المصرفي هو من يتحمّل المسؤولية كاملة. ومن غير المعقول، أن يماطل كي يأتي صندوق النقدي لترتيب إعادة رسملته بنحو 25 مليار دولار. هذه الكمية من الأموال كافية لإعادة تأهيل كل البنية التحتية للبلاد، بما فيها الأمن والماء والكهرباء بمشاركة الصين لو أردنا.
مشكلة القطاع المصرفي، أنه قام بدور معاكس لوظيفته. يفترض به خلق الائتمان للإنتاج. لكنهم تورّطوا في عملية إغراق البلاد في أزمة ربما أدّت إلى صناعة حربية جديدة. وذلك لأن المصارف كطبقة اجتماعية لا تنتمي إلينا «نحن»، إنما تنتمي إلى رأس المال النقدي الدولي الذي يتوسّع بالحروب. الـ25 مليار دولار، تكفي لشرب مياه معدنية من الحنفية. ولكهرباء مولّدة بالطاقة الشمسية، إضافة إلى رحلات استجمام إلى كوبا!

*باحث في الاقتصاد السياسي والاجتماعي