في 17 كانون الثاني 2020 أصدرت جمعية مصارف لبنان تعميماً يوصي المصارف بخفض أسعار الفائدة المرجعية في السوق على التسليفات اعتباراً من مطلع كانون الثاني 2020 إلى 8.50% على الدولار مقارنة مع 10.39% في تشرين الأول 2019، وإلى 11.50% على الليرة مقارنة مع 13.49%. وأوضحت الجمعية أن هذا الخفض يأتي بعد تعميم مصرف لبنان الأخير الرامي إلى خفض الفائدة المدفوعة على ودائع الزبائن وفقاً لسقوف محدّدة، وأن معدلات الفائدة المذكورة لا تحلّ مكان معدلات الفوائد المدينة الفضلى بل تشكّل أساساً لاحتسابها بعد إضافة مخاطر الائتمان وهوامش الربحية.

وكان مصرف لبنان قد أصدر التعميم 536 في 4 كانون الأول 2019 بالاستناد إلى «الحفاظ على المصلحة العامة في الظروف الاستثنائية» والحفاظ على «مصلحة المودعين بعدم انتقاص ودائعهم المصرفية»، وخفض الفوائد على الودائع بالليرة إلى 8.5% وعلى الدولار إلى 5%، كما أبلغ المصارف أنه سيدفع، ولمدة ستة أشهر وبشكل استثنائي، قيمة الفوائد على شهادات الإيداع بالدولار الصادرة عنه مناصفة بين الليرة والدولار. وبما يشبه التمنّي، طلب مصرف لبنان من المصارف أن «تعكس خفض معدل الفوائد الدائنة (على الودائع) الناتجة عن تطبيق هذا القرار في احتساب معدلات الفوائد المرجعية لسوق بيروت BRR».


قرار خفض الفوائد جاء بعد اجتماع عُقد في القصر الجمهوري برئاسة رئيس الجمهورية اتُّفق خلاله على خفض الفوائد من أجل خفض الكلفة على المصارف وعلى الدين العام وإتاحة تحرير بعض الودائع لتحويلها إلى قروض تستفيد منها القطاعات الاقتصادية. إلّا أنّ مصرف لبنان لم يخفّض الفائدة التي يدفعها على شهادات الإيداع وعلى ودائع المصارف لديه ما سيكبدّه أكلافاً مرتفعة، وهو أتاح للمصارف دفع نصف الفوائد على الودائع بالليرة اللبنانية وبسعر الصرف المحدّد منه بقيمة 1515 ليرة مقابل سعر صرف الليرة في السوق الموازية عند الصرافين بقيمة تفوق 2000 ليرة للدولار الواحد، أي أنه نفّذ عملية اقتطاع جزئية من فوائد الودائع (عملية هيركات مستترة).
بعد نحو شهر، عمدت المصارف إلى خفض الفوائد على القروض. ربما يكون هذا التأخّر مبرّراً لمصالح المصارف التي تريد أن تخفض كلفة الودائع قبل أن تعمد إلى خفض ربحيتها من القروض بما يترك لها هوامش واسعة من الربحية. وهذا الأمر قد لا يكون مستغرباً طالما أن المصارف حظيت طوال العقدين الأخيرين بدعم سخيّ من مصرف لبنان أدّى إلى تضاعف موجوداتها وأرباحها مرات ومرات، لكن المثير للاستغراب أن يكون تحديد أسعار الفائدة المرجعيّة بيد جمعية المصارف.
فالجمعية، بوصفها تكتلاً لأصحاب المصلحة، لا يجوز لها، بأيّ شكل من الأشكال، التحكّم بواحدة من أهم الأدوات الاقتصادية، أي أسعار الفائدة. فالفائدة المرجعية، بحسب جمعية المصارف، تشكّل قاعدة لاحتساب فوائد القروض بعد إضافة كلفة المخاطر والربحية. والقروض للأفراد والمؤسسات، هي عنصر أساسي في تحديد كلفة الإنتاج في أيّ بلد، لا بل إن بعض القطاعات الاقتصادية في لبنان عانت لفترة طويلة من هذه الفوائد المرتفعة التي تزيد أكلاف الصناعيين والمزارعين والخدمات التجارية. وحركة التسليف هي عامل مهم في الدورة الاقتصادية. كلما ارتفعت أسعار الفوائد انخفضت القدرة التنافسية للمنتجات المحلية، سواء قدرتها على منافسة السلع المماثلة في الأسواق الخارجية، أو قدرتها على منافسة المنتجات المماثلة المستوردة إلى لبنان. هذه الأداة كانت واحدة من الأدوات التي استُعملت من أجل تغليب الريع على القطاعات الاقتصادية، ومن أجل زيادة تركّز الثروة بيد القلّة المتحكّمة بمفاصل لبنان سياسياً ومالياً. فمن السذاجة والوقاحة ترك هذه الأداة بيد كارتيل يملك النفوذ السياسي الأكبر في لبنان، ويستحوذ على جزء مهم من القرار السلطوي.
وفيما بدأت الأزمة المالية تنعكس تصدّعاً في منظومة النفوذ السياسي ــ المصرفي، فإنّ ترك قرار تحديد الفائدة المرجعية بيد المصارف يخفّف من وتيرة التفكيك الضروري لهذه المنظومة ويحدّ من القدرة على إعادة صياغة عقد اجتماعي جديد يقوم على إعادة توزيع الثروة. حتى في أكبر الدول الرأسمالية لا يتم التعاطي مع الفوائد بهذا النوع من الفساد المتماهي مع مصالح المصارف. عالمياً، تُحدّد الفائدة على الودائع في السوق والقروض استناداً إلى «الفائدة المرجعيّة» (Base Rate) التي تُحدّد من خلال احتساب الكلفة التشغيلية للمصارف مضافاً إليها الفائدة المعطاة للمودعين. وبوجود طرفَي العقد، أي المصارف من جهة والعميل من جهة ثانية، ولأنّ مؤشر الفائدة المرجعية على قدر عالٍ من الأهمية الاقتصادية، يجب أن يكون خارج سيطرة طرفي العقد.
إليكم كيف يتم تحديد أسعار الفائدة في ثلاث منظومات مقارنة مع لبنان:
ــ في بريطانيا، تُحدّد الفائدة الأساسية أو المرجعية من قبل لجنة السياسة النقدية (MPC).
المصارف المركزية حول العالم تحدّد أسعار الفائدة عبر لجان متخصصة تشارك فيها المصارف بشكل نسبي خلافاً لما يحصل في لبنان حيث تحدّد المصارف أسعار الفائدة


ــ في الولايات المتحدة، تقع مهمّة تحديد الفائدة على عاتق لجنة متخصصة في بنك الاحتياط الفيدرالي. تستهدف هذه اللجنة معدلات فائدة مستقبلية وتجتمع 8 مرات في السنة لتحديد أسعار الفائدة انسجاماً مع تطوّرات الاقتصاد الأميركي. وتحتسب اللجنة الناتج المحلي الإجمالي ومعدلات نموّه، ثم تقيس معدلات البطالة وتضخّم الأسعار، وتأخذ في الاعتبار الظروف الاقتصادية والسياسية وحجم الكتلة النقدية وسواها من مؤشرات لتحدّد معدلات فائدة مبنية على جهد كبير وعلى رؤية اقتصادية واضحة.
ــ في أوروبا، يتولى مجلس البنك المركزي الأوروبي تحديد الفائدة المرجعية لدول الاتّحاد الأوروبي بناء على دراسة من لجنة مالية متخصصة تحدّد أيضاً مجموعة مؤشرات ومعادلات تقنية لقياس التضخّم والودائع والقروض ضمن المدى الزمني والقيم والقطاعات والشرائح.
ــ في لبنان، إن التركيبة السياسية والطبقية تقتضي أن يُترك تحديد الفائدة المرجعية لجمعية المصارف، وسط تغييب كلّي لمصلحة الدولة والاقتصاد الكلّي، إلا كما تراه الجمعية، أو كما يتم بالتنسيق الشفهي بينها وبين مصرف لبنان، ولا سيما في اللقاءات الشهرية التي تُعقد بينهما.
على هذا الأساس، قفزت أسعار الفائدة المرجعية في لبنان بسرعة قياسية منذ سنوات. كانت الفائدة المرجعية على الليرة في مطلع 2011 تبلغ 7.3%، إلا أنها قفزت لأول مرّة في نيسان 2012 لتبلغ 8.66%، ثم ارتفعت إلى 10.65% في كانون الأول 2017 وارتفعت مجدداً في كانون الثاني 2019 إلى 11.90% وفي تموز 2019 بلغت 13.94% وهذا كان أعلى مستوى لها قبل أن يصدر التعميم الأخير ليخفضها إلى 11.50%.
أما الفائدة المرجعية على الدولار، فكانت 4.68% في كانون الثاني 2011، وقفزت إلى 5.77% في نيسان 2012، ثم إلى 7.55% في تشرين الأول 2018 قبل أن تسجّل 9.52% في نيسان 2019 وصولاً إلى أعلى مستوى لها في تشرين الأول 2019 مسجلة 10.39% لتعود إلى 8.50% بالقرار الأخير الصادر عن جمعية المصارف.

في مطلع 2011 كانت الفائدة المرجعية على الليرة 7.3% وعلى الدولار 4.68% ثم ارتفعت إلى 13.94% و10.39% في نهاية 2019


يجب دائماً إضافة ما بين 2% أو 2.5% على الفائدة المرجعية لمعرفة الكلفة الفعلية على الاقتراض التي يتكبدّها القطاع الخاص لأسباب متعلّقة بكلفة المخاطر وأرباح المصارف. أسوأ ما في هذا المسار لأسعار الفائدة أنه لا يترك مجالاً للشكّ بأن الأزمة عميقة رغم العوارض الحادة التي ظهرت أخيراً مثل ازدواجية وثلاثية أسواق سعر صرف الليرة وفرض المصارف قيوداً وضوابط على عمليات القطع والسحب والتحويل بشكل غير مشروع وغير قانوني... إلا أن أسعار الفائدة هي المرآة الحقيقية لما يحصل في القطاع المالي عموماً وعلاقته بالاقتصاد الكلّي، ففي اقتصاد يعتمد على توسيع هوامش الفائدة بين الدولار المحلي والدولار الخارجي، وبين الليرة المحلية والدولار المحلّي بهدف جذب التدفقات من الخارج، فإن ارتفاع فائدة الاقتراض للقطاع الخاص تكون حتمية إلى جانب ارتفاع كلفة الاقتراض للقطاع العام أيضاً. لذا، فإنّ تضاعف معدلات الفائدة المدينة والدائنة خلال بضع سنوات (علماً بأن الفائدة الفعلية على القروض تجاوزت 20% لدى بعض المصارف ثم تلاها توقف شبه كامل للإقراض وسط لهثة المصارف بحثاً عن السيولة بكل الطرق المتاحة) لا يترك مجالاً للشكّ بأن الأزمة المالية تضخّمت بسرعة وباتت تهدّد القطاع المصرفي بكامله نظراً لانكشافه الكبير على الديون السيادية. اليوم صارت مصارف لبنان بحكم المفلسة بدليل ارتفاع أسعار الفائدة إلى مستويات قياسية، إلا أن قرار إشهار الإفلاس مرتبط بالقرار السياسي وبالهيئة الناظمة للقطاع (مصرف لبنان). إن استمرار الكابيتال كونترول غير الرسمي يعني تأجيل قرار إشهار الإفلاس إلى حين.