في ظل الاستحقاقات الداهمة على مدى الأسابيع القادمة، لا يمكن فصل مسار البحث في الخيارات المتاحة عن مسار تشريح الأزمة وأسبابها. بعض أسباب الأزمة يكمن في الهوية الاقتصادية والسياسية للمسؤولين الذين طبقوا سياسات أوصلتنا إلى ما نحن فيه اليوم. شخصيات بعضها سياسيّ وبعضها الآخر موظفون تكنوقراط، شكّلوا الأداة التنفيذية للسياسيين داخل إدارات الدولة. كانوا أدوات شديدة الفعّالية بسبب التغطية السياسيّة التي يتلقونها من رعاتهم السياسيين. لكن عند وقوع الأزمات نتيجة هذه السياسات، قد يكون التكنوقراط في مأمن من المحاسبة، وخصوصاً إذا تمكّن رعاتهم السياسيون من الاستمرار في تأمين الحماية والتغطية لهم. والإفلات من المحاسبة لن يؤدّي إلى الخروج من دائرة التأثير خجلاً، لا بل يرجح في حالة انعدام المحاسبة بقاء بعض المسؤولين عن تطوّر الأزمة في قلب صناعة القرار. لعلّ تجربة تايلاند في النصف الأول من التسعينيات مع حاكم المصرف المركزي لديها، تقدّم قراءة مسبقة عن مخاطر انعدام المحاسبة.


حاكم لا يُحاكم
يُجمع الباحثون على أن نقطة بداية الأزمة الآسيوية التي عصفت بجنوب شرق آسيا وشرقها ثم انتشارها إلى العام، كانت أزمة حلّت ببنك صغير في تايلاند هو"بنك بانغوك التجاري". أزمة هذا البنك لم تكن مالية - محسابية بحتة، بل انطوت على أبعاد سياسية وإدارية متصلة مباشرة بالمصرف المركزي التايلاندي، "بنك تايلاند". بحسب أبيتشات ساتيتنيرَماي، في ورقته بعنوان "سقوط التكنوقراط ونشأة أزمة عام 1997 في تايلاند"، فإن مسار "بنك بانغوك التجاري" كان انحدارياً منذ عام 1986. يومها تدخّل المصرف المركزي التايلاندي وعيّن مديراً عاماً جديداً للمصرف من بين موظفي الصف الثاني في المصرف المركزي والذين تابعوا دراساتهم العليا عبر منحة "بنك تايلاند" التي انطلقت في عام 1961. هذه المنحة وفّرت للمصرف المركزي جيشاً من الموظفين في ثمانينات القرن الماضي. المهم، أن هذا التعيين، لم يتمكن من وقف المسار الانحداري لمصرف "بنك بانغوك التجاري"، لا بل تفاقمت أزمته مع وصول فيجيت سوبينيت (حاصل على شهادات عليا من بريطانيا عبر المنحة عينها) إلى سدة حاكمية المصرف المركزي في عام 1990.

أنجل بوليغان - المكسيك

وصول سوبينيت إلى سدة الحاكمية، كسر الكثير من أعراف المصرف المركزي التايلاندي. فهو استغل علاقاته السياسية مع مستشاري رئيس مجلس الوزراء للوصول إلى هذا المنصب، كاسراً بذلك الحاجز بين السياسة وإدارة المصرف المركزي، ما أدّى إلى ضيق هامش الاستقلالية الذي كان يتمتع به المصرف المركزي. ومع الوقت طبّق سوبينيت برنامج تحرّر مالي، رافعاً القيود بشكل كلّي عن حركة رأس المال من وإلى تايلاند وسرعان ما دخلت البلاد في حالة ازدهار اقتصادي على مدى ستة أعوام (1990 - 1996). غير أن دوافع هذا البرنامج لم تكن ماليّة بحتة بل تطابقت مع السياسة الخارجية لرئيس الوزراء تشاتيتشاي تشوناوان والقائمة على الاستثمار في السلام مع الهند الصينية وتحويل المنطقة إلى مجموعة أسواق مترابطة.
ورغم أن سياسات الانفتاح المالي هذه أمّنت ازدهاراً لتايلاند (وجاراتها التي اتّبعت السياسات نفسها)، إلاّ أنّه كان موقّتاً. فالتدفقات المالية الكبيرة، التي دخلت إلى البلاد، شكّلت عبئاً على البنية التحتية للقطاعين المصرفي والماليّ ما أدّى إلى تفجير الأزمة في عام 1997. بدأت هذه الأزمة بإفلاس "بنك بانغوك التجاري"، علماً بأنه بحسب ساتيتنيرَماي، فإن أزمة هذا المصرف كانت واضحة لمسؤولي المصرف المركزي منذ عام 1991: القروض السيئة. فالمصرف منح القروض بمبالغ طائلة من دون ضمانات حقيقية، ورغم الإنذارات الموجّهة له من المصرف المركزي إلا أنه رفض اتخاذ الخطوات التصحيحية والضرورية لمعالجة هذا الوضع. والأسوأ من ذلك، أن المصرف المركزي قدّم له تسهيلات مالية للسحب على المكشوف ثلاث مرات بين عامي 1990 و1994 بدلاً من إجباره على مواجهة أزمة سيولته المتنامية. لاحقاً، أصبح واضحاً أن سوبينيت اتخذ هذا الموقف بسبب علاقته الشخصية بالمدير العام للمصرف (بنك بانغوك التجاري)، والعلاقة المشبوهة التي ربطت المدير العام بسياسيي الحزب الحاكم. (أظهرت التحقيقات في ما بعد أن "بنك بانغوك التجاري" كان قد أقرض 16 سياسياً قروضاً ضخمة بلا ضمانات).
وفي عام 1996، وعلى أثر البلبلة التي أحدثها انكشاف الشوائب في عمليات "بنك بانغوك التجاري"، استقال سوبينيت، تاركاً خلفه وضعاً متفجّراً. وبالفعل بعد عام على استقالته، وصلت الأزمة إلى قمّتها في تايلاند، ولم يتبقّ لدى المصرف المركزي أي احتياطات أجنبية للدفاع عن سعر صرف العملة المحليّة، ما اضطره إلى تحريرها. هنا بدأت كرة الثلج تكبر وأصبحت تعرف لاحقاً بالأزمة الآسيوية.

بناء الرأي العام
المشكلة أن فيجيت سوبينيت، لم يخضع للمحاكمة على دوره في الأزمة، ولا حتى للمساءلة الجديّة، فاستمر في العمل العام من خلال رئاسته لمجموعة شركات وصناديق استثمارية بالإضافة إلى مراكز حساسة في مجموعة من المؤسّسات العامة، أهمّها رئاسة بورصة بانغوك بين عامي 2008 و2011 قبل أن يستقيل مضطراً بسبب فضيحة متصلة بمحاولة الاستحواذ على شركة خاصة مع مجموعة من شركائه.
في ظل هذا السياق لا بدّ من طرح السؤال التالي:
كيف لموظف عاث دماراً أن يستمرّ في مواقع أساسية في الحياة العامة من دون محاسبة؟
عندما يتمتع الموظف التكنوقراطي بحماية سياسية، لا بد أن يكون الضغط الشعبي أحد الأدوات لإقصائه من الحياة العامة. لكن المشكلة تكمن في كيفية صناعة رأي عام ضاغط؛ صناعة الرأي العام تحتاج إلى خبراء يقدّمون آراءهم ونصائحهم لجماعات لا تعلم التفاصيل التقنية للقضية. فيكون موقف الخبير، عبر وسائل الإعلام، هو أوّل احتكاك للجمهور مع هذا النوع من القضايا. بدورها، وسائل الإعلام، تكثّف هذا الموقف بمتابعته، فتشكّل قضيّة رأي عام. ولكن كيف نعرف إن كان رأي الخبير يحمل صدقيّة؟
في مقالة سابقة ( راجع الأخبار 16 آذار 2017 «خدعة الساحر: صناعة قضايا الرأي العام في لبنان» ) شرحت أنّه يمكن ضبط إشكاليّة صدقية رأي الخبير في قضايا الرأي العام ضمن عنصرين: الأوّل هو عملية اختيار وسيلة الإعلام للخبير ومعالجة ما قد يشوبها من تحيّز عبر إظهار الآراء المختلفة. والثاني يتعلق بكيفيّة إخراج "الحوار" الذي سيوضّح للرأي العام بشكل قطعيّ، رأي الخبير بالعنوان موضوع الشرح. وهذان العنصران يقعان ضمن مسؤوليّة الإعلام، المسؤول الأوّل عن صناعة قضايا الرأي العام.

جيش من الخبراء
بات واضحاً اليوم أنّنا نعيش في ظل سياسات مالية (بُنيت عليها سياسات اقتصادية) خطّها الرئيس الراحل رفيق الحريري، وحرصت على تنفيذها مجموعة من الموظفين والوزراء التكنوقراط، أثناء وجوده في السلطة. وبعضهم ما زال في موقعه ويحرص على الحفاظ على هذه السياسات. أقلّ ما يقال في هذه السياسات أنها توسعية حدّ التهور، وأنها صُمّمت لاستغلال زمن سلام لم يأت. ورغم كل علامات الإنذار، استمرت هذه السياسات. وهذه العلامات كانت كثيرة، من أزمة بداية الألفية التي استدعت مؤتمرات باريس المتتابعة، والوضع السيّئ في عامي 2007 و2008 الذي لم ينقذنا منه إلاّ الأزمة المالية العالمية التي أتت بتدفّقات لرأس المال الهارب من مسارح الأزمة إلى الفوائد العالية في لبنان.
يجب ألاّ ننسى أن السياسيين ما زالوا متمسكين بشراكتهم مع التكنوقراط كحاكم مصرف لبنان ويأملون أن تنتتج هذه الشراكة حلولاً تجنّبهم دفع الثمن العادل مقابل مساهمتهم في الأزمة


رغم ذلك، استمر حرّاس هذه السياسات بتنفيذها، حتى وصلوا بنا إلى عام 2016 حين بدأت تتضح معالم صورة الوضع السيئ. وبدلاً من إعادة النظر في سياسات الرئيس رفيق الحريري، أصرّ ورثته من التكنوقراط على المضي قدماً وشراء الوقت عبر الهندسات المالية المكلفة جداً.
في هذا الإطار، يكون مفهوماً دور حاكم مصرف لبنان في الأزمة الحالي. هو كان مدير محفظة استثمارات الرئيس رفيق الحريري في ميريل لينش، ثم عُيّن حاكماً لمصرف لبنان. هذه الخلفية ضرورية لتوضيح النقاش السائد اليوم حول مسؤوليته في الأزمة وأهليته في قيادة السياسات المالية في المرحلة المقبلة. ففي ظلّ تطورات الأيام الأخيرة المرتبطة باستحقاقات اليوروبوندز، وطلب الحكومة من الحاكم الكشف عن حسابات مصرف لبنان، لا بدّ من التدقيق في جيوش الخبراء الذين يدلون بآرائهم على وسائل الإعلام. هؤلاء يصنعون اليوم رأياً عامّاً في لحظة حاجة إلى تزخيم ضغط شعبيّ حقيقيّ في اتجاه تحميل التكنوقراط المرتبطين بالسياسيين مسؤولياتهم. التدقيق يعني التمحيص في تاريخ الخبراء ومواقفهم من السياسات المالية التي نشهد نتيجتها اليوم. ولا بدّ أيضاً من البحث في ارتباطاتهم السابقة بمؤسّسات محلّية أو إقليمية أو دوليّة وارتباطاتهم بالشخصيات السياسيّة وغيرهم من التكنوقراط الذين نفّذوا هذه السياسات في العقود الثلاثة الأخيرة. التدقيق يكتسب أهمية كبرى مع الازدياد الواضح لاحتمال أن يلعب بعضهم دوراً في جهود احتواء ومعالجة الأزمة.

المحاكمة وإلا
ويجب ألاّ ننسى أن السياسيين ما زالوا متمسكين بهؤلاء التكنوقراط، كحاكم مصرف لبنان. وكذلك يجب أن نذكّر أنفسنا يومياً، أنّ مراكز قوى في الحياة السياسية والاقتصادية اللبنانية لا تزال تأمّل أن تنتج شراكتهم مع هؤلاء التكنوقراط حلولاً تجنّبهم دفع الثمن العادل مقابل مساهمتهم في الأزمة. هذان الأمران قد يؤدّيان إلى جولات عنف لحماية التكنوقراط الباقين من الطاقم الذي أدار السياسات المالية والاقتصادية منذ عام 1992 إلى الآن. لذا من الواجب، إزاء هذا العنف المرتقب التدقيق في خطاب الخبراء الموجّه إلى جمهور ترهقه الأزمة؛ هل يحاولون تلقيننا موقفاً أم محاورتنا لنفهم مواقفهم؟ ما هي ارتباطاتهم وخلفياتهم؟ كيف يكتسبون رزقهم؟ بمعنى آخر يجب تفنيد دوافعهم وحججهم التقنية. لا يمكن أن نخطئ مجدداً، ونسمح بتنفيس الزخم الشعبي أو تحويله في اتجاه أشخاص غير الذين يتحمّلون الوزر الأكبر من المسؤولية. والأهم ألاّ نخطئ، فنجد أنفسنا نعيد تدوير تكنوقراط في مواقع جديدة وحسّاسة بعدما فشلوا في مواقعهم الأساسية. يجب أن يكون الهدف محاسبة المسؤولين عن السياسات المالية والاقتصادية وإدارتها ضمن ضابطين: ألاّ يُعفى عنهم، وألاّ يُسمح لهم بالانسحاب من واجهة الحياة العامّة (عبر استقالة أو طرد) من دون محاكمة. أضعف الإيمان محاكمة شعبية تمنعهم من الخروج إلى العلن مجدّداً.