كيف ننتقل من اقتصاد يتّسم بهيمنة رأس المال ويعزّز المصالح المالية للطبقة الحاكمة إلى اقتصاد منتج؟ لا يحدث هذا الأمر إلّا إذا كانت لدى المصرفيين وسواهم من الرأسماليين والأثرياء ذوي الصلة، قوّة هائلة بحسب الخبير اليوناني كوستاس لابافيتساس. يعتقد أن أسوأ الخيارات هو صندوق النقد الدولي. كلامه يستند إلى تجارب عديدة مثل اليونان والأرجنتين. فلبنان اليوم مفلس وهناك خسائر يجب توزيعها. يتم الأمر عبر الفعل السيادي، أي التخلّف الأحادي عن السداد، أمّا طلب الإنقاذ من صندوق النقد الدولي فهو خطأ فادح لأن برامج الصندوق «لن تدفع نحو تعديلات جذرية في بنية الاقتصاد مثل تقليص حجم القطاع المصرفي والحدّ من القطاع العقاري وتعزيز القطاعَين الأولي والثانوي. ليس للصندوق سجلّ حافل في تحقيق هذا التغيير، وليس هناك سبب للاعتقاد بأنه سيأتي به إلى لبنان».


لبنان يستورد أكثر ممّا ينتج. هل الأمر مرتبطٌ باتّجاه عالمي حيث يتركّز رأس المال في النشاط الاقتصادي؟
ــ لبنان يعاني من عجز كبير في الحساب الجاري يتضمن عجزاً في الميزان التجاري. يستورد أكثر مما يصدّر. لذا من الأفضل القول إنه غير قادر على المنافسة، وأن لديه عجزاً كبيراً في حسابه الجاري، ولا يولّد مدّخرات كافية لدعم الاستثمار. الوضع ليس شائعاً في جميع أنحاء العالم. ففي إيطاليا فائض في الميزان التجاري وفي الحساب الجاري أيضاً. كذلك تمكّنت اليونان من تقليص عجز حسابها الجاري (حتى في البداية لم يكن بحجم العجز في لبنان) ثم تراجع إلى مستويات أدنى بكثير مما هو عليه اليوم في لبنان.


في لبنان، هناك أزمة في سعر الصرف والتحويلات الخارجية. هي أزمة كلاسيكية في البلدان النامية في عصر الأموَلة (تركّز النشاط المالي ورأس المال في القطاعات الاقتصادية). ترتبط هذه الأزمة ارتباطاً وثيقاً بسياسة تثبيت سعر الصرف التي أثبتت أنها مدمّرة والتي اختارتها الطبقة الحاكمة تحت إدارة مصرف لبنان والحكومة لفترة طويلة. فاقتصاد لبنان يقع تحت ضغط كبير لأنّ العملة الأجنبية القويّة ضربت قدرة لبنان التنافسية وأفسحت المجال أمام نموّ الإقراض الداخلي.
تثبيت سعر العملة هو أحد خصائص سياسة «الأموَلة» التي تُمليْها مصالح رأس المال في عدد من البلدان النامية. إنّها السياسة المفضّلة للمصارف ولكبار المموّلين. تثبيت سعر الصرف مرتبطٌ بشكل وثيق بالتحكّم في التضخّم، ما يتيح لرأس المال تأمين الأرباح وإخراجها من البلاد بأمان، فيما يدفع رأس المال الصناعي عقوبة التنافسية المنخفضة. هذه الظواهر هي سمة من سمات التبعيّة المالية في البلدان النامية التي تعكس الدور المهيمن لرأس المال. لبنان في حالة تبعية مالية شديدة واقتصاده تدمّر على حساب تعزيز المصالح المالية.

إن لم يتمسّك لبنان بثبيت سعر الصرف بشدّة، فهل تعتقد أنه قد ينافس وتسمح له السوق العالمية بذلك؟
ــ أنا لا أقترح للحظة أن تعديل سعر الصرف سيؤدّي ببساطة إلى معالجة الأزمة. فلبنان يعاني أيضاً من مشاكل حادّة في اقتصاده الحقيقي: ضعف في قطاعَي الزراعة والصناعة مقابل توسّع مفرط للقطاع العقاري… هناك الكثير من القضايا التي تتطلّب إقرار سياسات مستدامة، إلّا أن الحكومات اللبنانية، على مرّ السنين، جعلت هذه المشاكل أسوأ. اللافت أن المشترَك الوحيد بين كلّ ذلك هو سياسة تثبيت سعر صرف الليرة لمدّة طويلة. السبب أن رأس المال المحلّي يفضّل سياسة تثبيت العملة لأنها تسهّل الاقتراض الكثيف من الخارج بأسعار منخفضة، وإيداعها في الداخل لتحقيق الأرباح من أسعار الفائدة المرتفعة. هناك حرص على تثبيت سعر العملة المحليّة مقابل الدولار لمصلحة رأس المال والأعمال التجارية المرتبطة به. في الواقع، هناك العديد من الدول الناشئة التي تبنّت هذه السياسة ظاهرياً، لكن شدّتها في لبنان مذهلة. في تلك البلدان هناك ممارسات عمليّة تسمح بانزلاق العملة ما يساعد على تنافسية الصادرات ويخفّض الضغوط على رأس المال الصناعي. الدول تُدرك حجم الضغوط الهائلة الناتجة عن تثبيت دائم لسعر العملة، لكنّ لبنان استثنائي. فمن الواضح أن التثبيت يعكس المصالح السياسية والاجتماعية للبلد. لا يحدث هذا الأمر إلا إذا كانت لدى المصرفيين وسواهم من الرأسماليين والأثرياء ذوي الصلة بهم، قوّة هائلة. وإذا استمرّ لبنان بثتبيت سعر العملة فسيجد صعوبة أكبر في مواجهة الأزمة، وسيكون التأثير على الاقتصاد المحلّي أكثر حدّة. هذا يعني حصول تغييرات هيكلية في بنية السلطة والحفاظ على امتيازات الأثرياء.

هل تعتقد أن نمط عيش اللبنانيين دفع تثبيت سعر العملة ليبقى دائماً؟
ــ من الواضح أن الربط في لبنان سمح للطبقة المتوسطة باستهلاك السلع الفاخرة والسفر والدراسة في الخارج. أعلم أن هناك طبقة متوسطة لبنانية واسعة تحبّ الحياة الرفيعة وتنفق بما يفوق قدراتها، لكن المجتمع اللبناني أكثر تعقيداً من ذلك، إذ هناك العديد من المصالح القويّة. ففي ظلّ هيمنة رأس المال وسياسة تثبيت سعر العملة المحلية، عندما تدخل الدولة إلى السوق العالمية تشجّع الرساميل النقدية القابلة للإقراض على التحرك بحريّة عبر الحدود. لقد اتخذت النخبة اللبنانية الحاكمة هذا القرار منذ فترة، ونجم عن ذلك تحوّل المصارف إلى الطرف الأقوى المموّل بالتدفقات الرأسمالية الخارجية، لذا كان ضرورياً ضمان عائد مرتفع للغاية على هذه التدفقات من خلال رفع أسعار الفائدة المحلية، وضمان حرية الانتقال.
هكذا نشأ اقتصاد غير متوازن جذب تدفقات كبيرة الشتات اللبناني في الاغتراب ومن أصحاب الدولارات الأخرى في العالم العربي الباحثين عن ربح مالي آمن. تلقائياً، تضخّمت المصارف أكبر بكثير من الاقتصاد (موجودات المصارف تصل إلى أربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي)، لكن المصرف المركزي (مصرف لبنان) أسهم في تعقيد الأمر عندما بدأ يقترض من المصارف بالعملة الأجنبية فيما استمرّ عجز الموازنة.
يمكن اعتبار الأمر برمّته بمثابة مخطّط بونزي هائل يستمر طالما تدفّقت رؤوس الأموال إلى لبنان. كذلك يمكن اعتباره آلية غير مستقرّة للغاية تسمح للبنان بالحفاظ على عجز في الحساب الجاري من خلال وجود فائض في حساب رأس المال.
إن الأرباح المرتفعة التي حقّقها المودعون على ودائعهم بالدولار لم تكن انعكاساً للعوائد الحقيقية التي يمكن تحقيقها في النشاطات الإنتاجية في الاقتصاد الوطني. لقد موّلوا هذه الأرباح من الودائع الجديدة. هذه العملية لم تكن مستدامة، ففي النهاية، بات واضحاً أن هناك التزامات بالدولار على الدولة إيفاؤها إضافة إلى الحاجة لتمويل ثمن الواردات واستحقاقات الديون بالدولار أيضاً. وعندما ظهرت الشكوك حول سيولة المصارف وملاءتها المالية، بدأ يتردّد المودعون الجدد في إرسال الأموال، ثم بدأت المشاكل. أوضح دليل على ذلك، انخفاض احتياطات مصرف لبنان بالعملة الأجنبية، وهي علامة حقيقية على الأزمة. هذا هو واقع لبنان الذي يثير سؤالاً أساسياً: ماذا نفعل؟

يعتقد الاقتصاديون اللبنانيون أنه «يجب ألّا نسير في طريق فنزويلا». ألا يجب أن نسير في هذا الطريق؟
هناك القليل من القواسم المشتركة بين لبنان وفنزويلا، والهدف من المقارنة بينهما بثّ الخوف عند الشعب اللبناني. المقارنة مع فنزويلا في سياق لبنان هو أمر مضلّل. خلال الأزمة اليونانية، استمرّ المحافظون في الحديث عن الأرجنتين ووجوب عدم اتّباع اليونان لهذا المسار «الكارثي»، ما خلق التباساً عند اليونانيين. تتمتّع فنزويلا بتجربة مختلفة عن لبنان، ويُعزى ذلك جزئياً إلى سوء إدارة إنتاج النفط، وإلى حدّ ما، بسبب العقوبات الأميركية القاسية. رغم ذلك، فمن ناحية سياسية، إذا كان الهدف من التحذير بشأن تكرار التجربة الفنزويلية في لبنان، أن يوقف لبنان أيّ قرار أحادي يتعلّق بوقف دفع الديون، عندئذ يكون العكس صحيحاً. يحتاج لبنان إلى اتّخاذ إجراءات أحادية وأن يتجنّب الاعتماد على صندوق النقد الدولي.

ما رأيك في اقتراحات الخبراء التي تدفع في اتّجاه الاستعانة بصندوق النقد الدولي؟
ــ إنها نصيحة سيئة. لا شك بأن لبنان أفلس بالفعل. فالدين غير قابل للاستمرار، واحتياطات البنك المركزي منخفضة للغاية، وهناك مدفوعات سندات اليوروبوندز التي يتعيّن سدادها في شهر آذار (اليوم) وليس واضحاً إن كانت الدولارات متوافرة لذلك، وليس هناك نموّ اقتصادي. في هذه الحالة، ترتكب الدولة اللبنانية خطأ فادحاً في طلب الإنقاذ من صندوق النقد الدولي واعتماد سياسات التكيّف الهيكلي الخاصة به.
ربما يكون هذا الطلب أسوأ شيء يمكن أن يفعله لبنان، لأن برنامج صندوق النقد يركّز على التقشّف بهدف الاستدامة المالية. سيضغط ذلك على الطلب الكلّي ويدفع الاقتصاد نحو الركود، فضلاً عن أنه يخلق جميع أنواع المشاكل الاجتماعية. برنامج الصندوق لن يدفع نحو تعديلات جذرية في بنية الاقتصاد مثل تقليص حجم القطاع المصرفي والحدّ من القطاع العقاري وتعزيز القطاعَين الأولي والثانوي. ليس للصندوق سجلّ حافل في تحقيق هذا التغيير، وليس هناك سبب للاعتقاد بأنه سيأتي به إلى لبنان.
فعلى سبيل المثال، وقّعت اليونان برنامجاً مع صندوق النقد الدولي (والاتحاد الأوروبي) من عام 2010 إلى عام 2018 علماً بأن مفاعيله لا تزال سارية إلى اليوم من دون أن يحصل تغيير بنيويّ في الاقتصاد اليوناني على الإطلاق: قطاعات الزراعة والصناعة ضعيفة جداً، مقابل تضخّم في قطاع الخدمات، ونموّ متواضع في الإنتاج، إلى جانب معدلات بطالة مرتفعة، وفرص نموّ متدنية. الاقتصاد اليوناني في حالة نموّ منخفض ويتمتّع بنوع من الاستقرار من دون الكثير من التوقعات المستقبلية. يمكن للبنان أن يتوقّع تطوّرات مماثلة إذا سار على طريق صندوق النقد الدولي.
المصارف مملوكة من أثرى الناس وأكثرهم نفوذاً وهم أكثر من استفاد وعليهم تحمّل العبء الأكبر في تخفيف الديون


ماذا يجب أن نتوقّع من صندوق النقد الدولي؟
ــ لا يمكن توقّع أيّ شيء جيّد من صندوق النقد الدولي. إنّها قاعدة موثوقة أن البلدان النامية يجب أن تكون متشكّكة للغاية. لا ينبغي دعوة الصندوق إلى التدخل في السياسات المحلية، ويجب التعامل مع نصيحته بحذر شديد.
ورغم أن الصندوق عدّل طريقة عمله في السنوات العشر الماضية وأَقرَّ، على سبيل المثال، بأن ضوابط رأس المال قد تكون ضرورية في بعض الحالات، وأن الديون قد لا تكون مستدامة ويجب على الدائنين القبول بإعادة الهيكلة (منذ أيام قالها عن الأرجنتين، إلا أنه لا يجب الثقة به، لأنه لا يحترم السيادة الوطنية ولا يعمل لمصلحة العمال. سجلّ الصندوق كارثيّ وآخرها في الأرجنتين. سيفرض الصندوق سياسات تشمل تقييد الأجور والقدرة التنافسية، وخفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية إلى جانب التقشّف والتحرير (الخصخصة).
يجب على لبنان تبنّي نهج أحادي، وأن تطالب القوى التقدميّة بمجموعة جذريّة من السياسات من ضمنها التخلّف انتقائياً عن سداد الديون وفرض الخسائر على المصارف. تبنّي هذا النهج يترك للبنان فرصة وضع سياسات صناعية تنشّط الاقتصاد وتعزّز القطاع الأساسي والثانوي وتقليص حجم القطاع المالي.

يعتقد بعض الاقتصاديين، أن لبنان بحاجة إلى ضخّ نقدي من صندوق النقد الدولي لمساعدته على تجاوز الأزمة، فإلى أيّ مدى هذا الأمر صحيح؟
ــ قد يزوّد صندوق النقد لبنان «بضخ نقدي» لتعزيز احتياطات البنك المركزي بالدولار، لكن هذا «الحقن النقدي» يأتي بشروط وتعديلات هيكلية؛ سيطلب الصندوق قمع الأجور، وسيدفع نحو تدهور ظروف العمل، وإلغاء دعم السلع الاستهلاكية، والمحروقات، ومساعدات الرعاية الاجتماعية، وما إلى ذلك، فضلاً عن الانفتاح السريع للبلاد على المنافسة الدولية.
يُرجّح أن «الضخ النقدي» يتيح للبنان شراء المزيد من الوقت ويجنّبه التخلّف الفوري عن السداد، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في إعادة هيكلة الاقتصاد وتقليص الدور المهيمن للمصارف. الصندوق لن يساعد لبنان على وضع الاقتصاد على طريق النمو وخلق فرص العمل وزيادة المداخيل، بل الأرجح أنه بعد سنوات على هذا «الضخ النقدي» سيجد لبنان نفسه في وضع مماثل لما هو عليه اليوم.
تبنّت الأرجنتين بقيادة ماكري الذي انتُخب في كانون الأول 2015، سياسات نيوليبرالية وسرعان ما تدهور أداء الاقتصاد الأرجنتيني. ففي عام 2018 استدعت حكومة ماكري صندوق النقد الدولي الذي قدّم 57 مليار دولار، وطلب التقشّف ومزيداً من التحرير. اليوم الأرجنتين مفلسة بالتأكيد. ما حدث هو أن ماكري اشترى لنفسه بعض الوقت. يجب على لبنان ألّا يسير في هذا الطريق.

اقتصاد لبنان عبارة عن مخطّط بونزي غير مستقرّ للغاية لأنه ينتج عجزاً في الحساب الجاري من خلال فائض في حساب رأس المال


يقول الوزير السابق جبران باسيل وسياسيون آخرون إن استغلال احتياطات النفط سيحلّ جميع مشاكلنا. هل تعتقد أن هذا صحيح؟
ــ هذا تفكير بالتمنّي. كان لدينا الكثير منه في اليونان. إن عائدات النفط والغاز في البحر الأبيض المتوسط هي بعيدة في المستقبل إذا تحققت. إفلاس لبنان سيبدأ قبل وقت طويل من أن تصبح هذه الأموال متاحة. إيرادات النقط والغاز قد تثبت أهميتها إذا حدثت إعادة هيكلة جذرية للاقتصاد، بعد التعامل مع الديون، أي اقتصاد موجّه نحو الإنتاج في ظلّ حكومة غير فاسدة ونظام حكم ديمقراطي يدافع عن مصالح العمال. عندئذ يمكن أن توفر احتياطيات النفط والغاز حيوية. لكن يجب على لبنان حلّ أزمته أولاً.
هناك أمر أساسي وهو أن لبنان أحد أكثر الاقتصادات المالية في العالم، وهو نموذج شديد التبعية المالية مع نظام تثبيت للعملة، وتدفقات رأس المال الحر وقطاع مالي مهيمن. في الواقع لقد تدمّر النسيج المنتج للاقتصاد، فيما يحتاج لبنان إلى تطوير قطاعَي التعليم الابتدائي والثانوي. لقد خسر نشاط التمويل باعتباره اتّجاهاً عالمياً منذ عام 2007-2008، ولم تعُد لديه الديناميكية نفسها. هناك ركود راسخ في القطاع الإنتاجي في البلدان المتقدّمة، والقطاع المالي لم يعد يولّد الأرباح السابقة، وهناك أيضاً فقاعة سوق الأسهم العالمية بسبب الأموال الرخيصة التي ضخّتها الحكومات. يسود العالم الغربي نوع من الرأسمالية المريضة التي لا يمكنها البقاء لفترة أطول. هناك حدود لمدى تحقيق الأرباح اعتماداً على رأس المال وليس على الإنتاج. في هذا السياق يحتاج لبنان إلى إلغاء الأموَلة وإعادة تنظيم اقتصاده لصالح العمال.

ماذا عن فرض قصّ الشعر (هيركات) والتخلّف عن سداد الديون؟
ــ إذا لم يلحق لبنان بصندوق النقد الدولي، فعليه التفكير في التخلّف عن سداد الديون وإعادة هيكلتها. التخلّف عن السداد فعل سيادي وأحادي، لكن ما هي الخيارات المتاحة؟ إذا أرادت الحكومة أن تتخلّف عن السداد، سيترتب على مصرف لبنان التخلّف عن السداد أيضاً إلى جانب قّص الديون، فمن سيتحمل الخسائر: المودعون، الدائنون، المصارف، المساهمون في المصارف؟
المصارف اللبنانية مملوكة لبعض أثرى الناس وأكثرهم نفوذاً في لبنان وهم أكثر من استفاد من السياسات الاقتصادية السخيفة ولديها معدلات عالية من كفاية رأس المال. بجب أن تقع الخسائر على مساهمي المصارف وأصحاب السندات المصرفية أولاً وليس على المودعين. من المهم أن نتعلم من الأزمة القبرصية في 2013 المشابهة لأزمة لبنان لجهة التوسّع المفرط للقطاع المصرفي، والأنشطة المالية المضاربة، والاقتصاد غير المتوازن. لكن قبرص فرضت قصّ الودائع وسلبت مدّخرات آلاف الناس من دون تغيير هيكل الاقتصاد. على لبنان تجنّب هذا الطريق.



تعريف
كوستاس لابافيتساس خبيرٌ اقتصادي من اليونان حالياً يدرّس الاقتصاد في جامعة لندن انتُخب عضواً في البرلمان اليوناني لحكومة سيريزا في كانون الثاني 2015 غادر من أجل تشكيل الوحدة الشعبية في آب 2015 عندما وقّع سيريزا خطّة إنقاذ مع الاتّحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي من أعماله The Left Case Against EU Polity Press 2018، الربح بلا إنتاج: كيف يستغلّنا المال جميعاً (2013)، الأزمة في منطقة اليورو (2012)، المؤسّسات الاجتماعية للسوق، المال والائتمان (Routledge 2003) يُعرف لابافيتساس بمقاربته الماركسية لمسألة «الأموَلة» كمفهوم يعكس التاريخ الحديث للنيوليبرالية (المستمدّة من المفهوم الماركسي لرأس المال، الذي طوّره رودولف هيلفردنج). الأموَلة مؤشّر على التباين المتزايد بين الإنتاج ورأس المال خلال العقود الأربعة الماضية من الخصائص البارزة للأموَلة ارتفاع الأرباح المحقّقة بواسطة العمليات المالية. أمّا تجربة البلدان الناشئة في عصر الأموَلة فكانت قاسية وبمثابة مديح للبلدان المتقدّمة، وخصوصاً للولايات المتحدة الأميركية المهيمنة المصدّرة للدولار