من احتواء المرض إلى الانتشار ثم إقرار الحكومة التعبئة العامة ومنع التجمعات... مسار قاد نحو العمل من المنزل. لا أحد يستطيع انتقاد القرار أو الوقوف ضدّه، لكنه يفرض علينا أن نستشرف واقعنا المأساوي. فالعمل من المنزل في ظلّ هذا الواقع سيكون كذلك. تسيير أعمال الإدارات والمؤسسات عن بعد، يحتاج إلى عناصر أساسية ليكون عملاً منجزاً من أهمّها:

- الأجدى أن تكون لدى الدولة حكومة إلكترونية أقامت الربط الإلكتروني مع كل مناحي الخدمة العامة ومع كل مواطن أو مقيم أو زائر، ليستطيع كلّ واحد إنجاز حاجته عن بُعد بواسطة التواصل الإلكتروني. كانت العقود الماضية مناسبة وكافية ليستطيع لبنان نقل تجارب الغير في إقامة الحكومة الإلكترونية، إلا أن الأمر لم يحصل بل لم نتقدّم في اتجاه مقاربته بشكل شامل وواضح.
- لكي يستقيم العمل من المنزل يجب على الأقل أن تتوافر شبكة إنترنت قادرة على استيعاب الكمّ الهائل من الضغط لتكون بمثابة مساعدة لمسار العمل من المنزل. الشبكة القائمة في لبنان لا تؤدّي مثل هذه الوظيفة وتفرض ظروفاً صعبة لتأدية الأعمال. الاستثمار في الشبكة القائمة كان يفترض أن ينجز منذ فترة طويلة، لكن لأسباب متعلّقة ببنية النموذج اللبناني التي تسمح بتعطيل الاستثمارات في البنية التحتية مقابل سعي أطراف السلطة إلى الفوز بحصّة من كعكة هذا القطاع أو ذاك، انغمس الجميع في تقاذف المسؤوليات وتحويل الإدارة العامة إلى أدوات زبائنية. وقع قطاع الاتصالات بين مسارَين: الخصخصة بما فيها من منافع كامنة لأطراف سياسية ورأسمالية، وتحويله إلى موقع نفوذ وانتفاع لهذه الفئة أو تلك.
شبكة الإنترنت هي العدّة المطلوبة للموظّفين المكلّفين قسراً بالعمل من المنزل في ظلّ تفشي فيروس كورونا الذي يهدّد الموظف في مكتبه والمواطن في مراجعاته في المؤسسات. هنا يحضر سؤال أساسي: إلى أيّ مدى تستطيع شبكة الإنترنت في لبنان تسهيل عمل الموظفين في القطاعَين العام والخاص لإنجاز ما هو مطلوب منهم؟
- يحتاج العمل من المنزل إلى كهرباء. التيار الكهربائي عنصر أساسي لكلّ التفاصيل المتّصلة بحلقة العمل في ظلّ الحجز المنزلي. الإنارة أولاً، ثم الحاجة إلى تشغيل الأجهزة، والولوج إلى شبكة الإنترنت... بمقدار أهمية توافر التيار الكهربائي، من المهم أيضاً أن يكون هذا التيار متواصلاً لا يتقطّع بحيث ينقطع كليّاً لساعات أو حتى لفترة انتظار النقل من شبكة الدولة إلى تيار يزوّدنا به مولّد شخصي أو تجاري.
في حال توافرت هذه العوامل بشكل يناسب الموظف، فهذا لا يعني أن العمل من المنزل سيكون إيجابياً بشكل مطلق. هناك أبحاث عدّة تتحدّث عن جدوى العمل من المنزل ونتائجها متباينة؛ هناك دراسات تشير إلى أن العمل من المنزل يزيد الإنتاجية، وأخرى تقول العكس.
في ورقة بحثية لـ«غلين داتشر» صادرة في عام 2012، يدرس الباحث مسألة العمل من المنزل مشيراً إلى أنه أكثر إنتاجية في حال كانت المهمّات المطلوبة تحتاج إلى إبداع. أما في حال كانت المهام التي كُلّف فيها الموظّف «مملّة»، فإنّ العمل من المنزل يكون أقل إنتاجية. يعود هذا الفرق بحسب «داتشر» إلى أنه في حال كانت المهمّات «مملّة» يجد الموظف أن الإلهاء المعتاد، مثل متابعة التلفاز أو تمشية الكلب، يكون ممتعاً أكثر من إتمام هذه المهمات، فيتّجه إلى التراخي في تطبيقها ما يجعل إنتاجيته أقل. أما بالنسبة إلى المهام الإبداعية، فيقول الباحث إن البيئة المنظمة، أيّ المكاتب، تقتل إبداع الموظف ولهذا السبب تكون إنتاجية الموظّف من المنزل في ما يخصّ هذا النوع من المهام أفضل. أما على المقلب الآخر فبعض الدراسات تقول إن العمل الجماعي في المكاتب له تأثير مهم على الإبداع وإيجاد الحلول.
وفي دراسة أخرى لـ«نيكولاس بلوم» عام 2014، وبعد تجربة أجراها على شركة سفريات صينية لديها 16000 موظف، وجد أن الإنتاجية ارتفعت 13% للموظفين الذين يعملون من المنزل مقارنة مع الموظفين الموجودين في المكاتب، و9% من هذا الارتفاع هو نتيجة عمل هؤلاء لدقائق أكثر (استراحات أقل، إجازات مرضية أقل)، أما الـ4% الباقية فهي نتيجة ارتفاع إنتاجيتهم في الدقيقة الواحدة من العمل. هذه الدراسة تركّزت على عمل موظّفي مركز الاتصالات في الشركة، أي أن نوع عملهم مناسب للعمل من المنزل.

شبكة الإنترنت هي العدّة المطلوبة للموظّفين المكلّفين قسراً بالعمل من المنزل في ظلّ تفشي فيروس كورونا


إذا أردنا تقويم الأثر الاقتصادي لإقفال المؤسسات في لبنان وانتقال نسبة مهمة منها للعمل من المنزل ولا سيما في ما يتعلّق ببعض الأعمال التي يمكن القيام بها عن بُعد، فمن الطبيعي الاعتقاد بأن النتائج ستكون سلبية بشكل كبير. لكن الأمر مرتبط بعاملَين: توقف الدورة الاقتصادية التي تعاني أصلاً من أزمة، وتداعيات انتشار «كورونا» بما فيها التباعد الاجتماعي المفروض على المجتمع بما يؤشّر إلى تراجع حركة الاستهلاك، وإقفال العدد الأكبر من المؤسّسات المتوسطة والصغيرة في قطاعات الخدمات وسواها. وجود هذين العاملين معاً سيكون له أثر مدمّر، نوعاً ما، على الشركات العاملة في لبنان، لكن العمل من المنزل قد يخفّف هذه الانعكاسات. فمن جهة ستكون كلفة تشغيل المكاتب في أقل مستوياتها وهي كلفة لا يُستهان بها، ومن جهة لم تتوقف الشركات عن القيام بأعمالها بشكل كامل، بل ستتمكّن من القيام بأعمال وإن كانت محدودة وبإنتاجية إجمالية متدنية.
قد تكون هذه الفترة نقطة تحول للمستقبل في مجال تقبّل أرباب العمل لفكرة العمل من المنزل، وربما سيكون تقييمهم لإنتاجية هذه الفترة، مع الأخذ في الاعتبار الظروف الاقتصادية، مفصلياً لتحديد موقفهم من هذا الموضوع. لكن الأهم أن نجاح تجربة كهذه يعتمد على ما تقدّمه الدولة من بنى تحتية وخدمات بالإضافة إلى قدرة أرباب العمل في القطاع الخاص على التأقلم مع الظروف الراهنة. ولا يمكن القول بأنّ ما تقدّمه الدولة اللبنانيّة كافٍ، ولكن بإمكان القطاع الخاص محاولة استغلال ما هو متوافر، سواء من الدولة أو من الموارد البشرية لتحصيل أعلى مستوى ممكن من الفعاليّة في ظلّ الظروف الراهنة. فمن يعلم، قد يجد هؤلاء أن لديهم وظائف يمكن القيام بها من المنزل مستقبلاً.