عانى رياض سلامة، تماماً كزملائه من حكام المصارف المركزية في العالم، الأمرّين خلال فترة العقد الماضي، وإن لأسباب مختلفة. فعندما كانت الأزمة المالية التي اندلعت في عام 2008 تؤرّق القيمين على السياستين النقدية والمالية في الغرب لاحتواء الانكماش وتحفيز النمو وخلق الوظائف، كان حاكم المصرف المركزي اللبناني ينعم بتدفق دولارات لا يعرف ما يفعل بها. لكن سرعان ما انقلبت الآية، وتحوّل النعيم اللبناني الذي جمع الحاكم بالطبقة السياسية ضمن زواج هجين، إلى كابوس.

في كلتا الحالتين المعاناة لم تكن من دون مكافأة. هناك من تمكّن من السيطرة على الأسواق النقدية والمالية وتحوّل إلى رمز في عالم هذه الإدارة، مثل ماريو دراغي، رئيس المركزي الأوروبي؛ عبارته الشهيرة في عام 2012 «سنفعل كلّ ما يتطلبه الأمر لحماية اليورو» تحولت إلى أيقونة في عالم المال والإدارة النقدية. مايك كارني، المصرفي الكندي الذي عمل مديراً للمصرف المركزي البريطاني، أضحى نجماً في عالم الإدارة النقدية، ويتحدّث اليوم بشغف عن أهمية تحديد القيمة في المجتمعات بصفة مستقلة عن القيمة وفقاً لتعريف الأسواق المالية.
أما رياض سلامة فقد عزّز قبضته على القطاع المالي ووصايته النقدية عليه. هو عرّاب نقدي لنظام الإدارة الطائفي الذي يُسيطر على البلاد منذ ثلاثين عاماً. غير أن العراب يعيش حالياً أياماً صعبة، في ظلّ أزمة مالية نقدية حادة يُعدّ هو شخصياً أحد المسؤولين عنها. أمام هذا الوضع ينبري الحاكم للدفاع عن نفسه، وأبرز محاولة في ذلك كانت البيان الشهير الصادر عن مصرف لبنان في منتصف نيسان حين يُقارن نفسه ضمنياً بزملائه من الحكام، مبرراً هندساته المالية الأخيرة وخسائره المثيرة للجدل وللريبة في آنٍ.
غير أن هذا البيان الرسمي يبدو أكثر ارتباكاً من أوراق الحسابات المزعومة التي حدّد فيها الحاكم الوضعية المالية للمؤسسة التي يديرها، وفي خلفيتها وضعيته الخاصة في المشهد السياسي العام. البيان ضعيف على أكثر من صعيد؛ وهو ضعفٌ يُهدّد جديته بل حتّى مصداقيته. شكلاً هو ركيك لجهة اللغة والمنهج المتّبع لصياغة التقديم والحجّة والخلاصة. أما المضمون فمسألة أخرى تماماً؛ ويُمكن بالحد الأدنى تحديد ثلاثة عناوين لمقاربته:
- أولاً، الحاكم ليس مهندساً مالياً بل مصرفياً يخدم المصارف
يضع الحاكم نفسه في مصاف حكام المصارف المركزية في العالم الغربي، وتحديداً الاتحاد الأوروبي، وبريطانيا والولايات المتّحدة، لناحية الإجراءات الاستثنائية التي اتُخذّت في تلك البلدان خلال الأزمة المالية العالمية، ومقارنتها بما يُعرف بـ«الهندسات المالية» التي اعتمدها المصرف المركزي منذ عام 2016. لكن هنا يقع الحاكم في الخطأ. فالإجراءات الاستثنائية التي اعتمدتها المصارف المركزية في الغرب لاحتواء الأزمة المالية تمحورت حول ثلاثة عناوين برامج: أولاً التسهيل الكمّي، حيث يعمد المصرف المركزي إلى شراء بعض أنواع الأصول من القطاع الخاص لتوفير السيولة لتمويل الاقتصاد، وهنا يبرز برنامج المصرف المركزي الأوروبي لشراء السندات الحكومية والذي اكتسب بنتيجته، ماريو دراغي لقبي «سوبر ماريو» و«منقذ اليورو»؛ وثانياً، التسيير الائتماني الذي اشتهر به الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وبموجبه رفع الاحتياطي الاحتياطات الخاصة بدعم المصارف من 13 مليار دولار إلى 850 مليار دولار في عام 2008 وحده، ليستمر بالدعم وتُصبح تلك الاحتياطات تريليوني دولار نتيجة برنامج شراء الأصول واسع النطاق؛ وثالثاً، عمليات إعادة التمويل متوسطة الأجل التي كرّست دور المصرف المركزي في العالم على أنه الملجأ الأخير للتمويل والمؤتمن على النقد والتسليف وإدارة التضخّم وصولاً إلى التأثير على وجهة السياسة المالية. كل هذه الإجراءات هدفت إلى تحفيز النمو الاقتصادي واحتواء الانكماش، وقد أسهمت، إلى جانب برامج التحفيز الاقتصادي، في عودة الاقتصادات الغربية إلى النمو، وأطلقت مرحلة نمو تاريخية في الولايات المتّحدة.
في المقابل، لم تكن إجراءات المصرف المركزي اللبناني، التي يصفها البيان بأنها «غير تقليدية»، سوى الوجه الآخر لإدارة اللعبة النقدية في البلاد، وهي لعبة مستمرة منذ عام 1993، وقائمة على جذب الأموال من الخارج، عبر ودائع المغتربين وغير المقيمين واستخدامها لتمويل نظام الزبائنية السياسية، وربط سعر صرف الليرة بالدولار الأميركي في إطارٍ أقل ما يُمكن وصفه به أنه غير شفاف. وعندما بدأ يخفّ تدفّق تلك الأموال، كانت لرياض سلامة لحظة مشابهة للأزمة المالية العالمية. ما كانت الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها؟ الهندسة المالية طبعاً، غير أن تلك الهندسة لم تؤدِّ إلى تحفيز النمو الاقتصادي وخلق الوظائف والحرص على سلامة الدورة الائتمانية، بل إلى تعزيز أرباح المصارف والاستمرار في تمويل مشاريع الطبقة السياسية ومعها الهدر وتبديد الإنتاجية. فقد حفّز رياض سلامة نشاطات إيداع وائتمان بينه وبين المصارف التجارية مغرياً الأخيرة بمعدلات فوائد وأسعار خصم خيالية، أمّنت للمصارف فائدة مدمجة وصلت إلى 17% للودائع على فترة 10 سنوات في عام 2018، وارتفعت أكثر في المرحلة اللاحقة للودائع لفترة ثلاث سنوات فقط.
كيف انكشفت اللعبة؟ في عام 2018 تراجع تدفّق ودائع القطاع الخاص، ومن ضمنها الفوائد المتراكمة في الحسابات المجمدة، إلى أدنى مستوى مسجّل منذ اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري عام 2005. ومع بلوغ نموّ هذه الودائع 3.4% فقط، أي أقل من نصف المعدّل الذهبي المطلوب من الحاكم للاستمرار بتمويل القطاعين العام والخاص، بدأت تظهر ملامح الأزمة الكامنة قبل أن تنفجر كلياً في السنة التالية، فاستمرّ تدهور نموّ الودائع بالتوازي مع استمرار الاحتياجات التمويلية للحكومة.
صحيح أن الحاكم تمكّن من أن يجذب عملات أجنبية تُقدّر بين 25 و30 مليار دولار في هذا المخطط الذي ابتدعه، وصحيح أنه أسهم مباشرة بتأمين 75% من الاحتياجات التمويلة للدولة في عام 2018، غير أنه لم يسهم أبداً في تحفيز الاقتصاد ولا في خلق الوظائف، بل على العكس تماماً، فنتائج الهندسة المالية كانت أرباحاً صافية غنيّة للمصارف بلغت 2.2 مليار دولار في عام 2018 وحده، فيما النمو الاقتصادي بالكاد كان فوق الصفر في المئة، وتراجعت القروض إلى القطاع الخاص بنسبة متزايدة، وصلت إلى 5% وفقاً لآخر بيانات متاحة من عام 2019، ومعها ارتفعت نسبة القروض المتعثّرة إلى قرابة 14%.
- ثانياً، لا يُمكن تبرير الخسائر بالعودة إلى السبعينيات
يُشدّد مصرف لبنان في بيانه، على التزامه رسالته العامة وهي: «الحفاظ على العملة الوطنية بهدف ضمان أسس النمو الاقتصادي الاجتماعي المستدام». إن أي متابعة لتصريحات حاكم المصرف المركزي منذ عام 2017 تُظهر أن العملة الوطنية أضحت آخر همّه، ويبدو أن التوجه حالياً هو لتركها وحيدة في السوق، بعدما أضحى سعر صرفها قائماً على ثلاث منصات، إحداها غير مقوننة كلياً وخفضت سعر العملة الوطنية أمام الدولار الأميركي إلى أكثر من 5 آلاف ليرة أخيراً.
غياب الشفافية أو سوء الإدارة هنا هو خطأ فادح. فقد أدّت الأزمة المالية العالمية والركود الذي أنتجته إلى تغيير جذري في وظيفة المصارف المركزية حول العالم وسلطة حكام تلك المصارف ضمن رؤية مستقبلية. فإذ يُصبح هؤلاء أكثر بروزاً على الساحة السياسية، تزداد أدوارهم تعقيداً ونفوذاً كذلك تتصاعد الأصوات المطالبة بمزيد من الشفافية في أدائهم مهماتهم، خصوصاً أنهم أضحوا يضطلعون بمهمات أكثر انغماساً بالحوكمة وإدارة المخاطر. ولكن لغاية ما في نفس مصرف لبنان، لا ينجح سوى بتقديم أمثلة من السبعينيات والثمانينيات عن أداء مصارف مركزية في كوستا ريكا والبيرو وتايلاندا، ليُثبت في بيانه أنه ليس الوحيد في العالم الذي لا يُسجّل الخسائر خسائرَ بل أصولاً أو خصوماً سلبية؛ ماذا حصل للمقارنة مع المصرف المركزي الأوروبي والفيدرالي الأميركي والبنك المركزي البريطاني؟ ربما علينا انتظار البيان رقم 2.
- ثالثاً، تكفي الملاءمة والموثوقية لنشر الحسابات المالية
يحتكم مصرف لبنان في معرض الدفاع عن النفس إلى اللغة التقنية لتبرير كيفية احتساب الأرباح والخسائر وتحديداً في مجال القيمة العادلة المحققة عبر الأرباح والخسائر. هو محقّ في أن معايير المحاسبة ليست موحّدة عالمياً، وفي حالة المصارف المركزية هناك خصوصية لافتة وبإمكانها تطريز المعايير التي تناسبها سواء من معايير المحاسبة الدولية (IFRS) أو من معايير التدقيق العامة المتّفق عليها (GAAP) في كلّ بلد، وذلك بخلاف المصارف التجارية المجبرة بمعايير موحّدة.
لكن رغم ذلك، هناك مجموعة من نقاط التوافق بشأن المعايير المحاسبية التي يتوجب على المصرف المركزي اعتمادها، ويتم الاستناد إليها لتحديد طبيعة المعلومات المالية التي يُقدّمها.
عملياً يجب الاحتكام إلى مبدأين:
* أولاً، الملاءمة. ولتحقيقها، على المصرف المركزي أن يُقدّم حسابات مالية تتمتع بالدقّة المادية والمرجعية وتساعد المستخدم على فهم الانعكاسات المالية للسياسات التي يعتمدها المصرف المركزي.
* ثانياً، الموثوقية، وهنا يتعين على المصرف المركزي في معرض تقديمه بياناته المالية أن يُركّز على المضمون أكثر منه على الشكل القانوني. وعلى البيانات عن تكون قابلة للتحقق وخالية من أي انحياز أو محاباة، ومن الأخطاء الجوهرية.
إلى أي درجة يحترم المصرف المركزي هذين المبدأين وفحواهما في تقديمه بياناته المالية؟

لغايةٍ ما في نفس مصرف لبنان لا ينجح سوى بتقديم أمثلة من السبعينيات والثمانينيات عن أداء مصارف مركزية في كوستا ريكا والبيرو وتايلاندا ليُثبت أنه ليس الوحيد الذي لا يُسجّل الخسائر خسائرَ بل أصولاً أو خصوماً سلبية


فلنبدأ بأن مصرف لبنان لا يُقدّم بيانات مالية بتاتاً. فنتيجة خليط غريب من التشريع والممارسة يمتنع مصرف لبنان عن نشر حسابات مالية مدقّقة من طرف خارجي. ورغم أنه يعتمد منذ شباط 2018 المعايير الدولية للتدقيق المحاسبي، إلا أنه لا ينشر أرقاماً متماهية مع المعيار الخاص لنشر المعلومات الذي يعتمده صندوق النقد الدولي، وفقاً لما يذكره الأخير في تقريره عن لبنان لعام 2019. كذلك فإن غياب التصنيف الدقيق للودائع بحسب المصدر، وأيضاً نتيجة السرية المصرفية، فضلاً عن الأخطاء الكبيرة المرتكبة في القيود المالية والسهو أو الامتناع المقصود عن تسجيل بيانات أخرى، جميعها عوامل تُعقّد عملية تحليل ميزان المدفوعات.
فعلياً، هناك نقاش واسع النطاق دائر على الصعيد العالمي بشأن المعايير المحاسبية وقيام الشركات بإجراءات استنسابية خلال فترات الأزمات لاعتماد مجموعات مختلفة من المعايير وفقاً لما تقتضيه احتياجاتها، وهو ما يستدعي دوراً أكبر للمدققين الخارجيين المستقلين وذلك لتجنّب موجة إفلاسات كتلك التي شهدها العالم بعد انفجار الفقاعة المالية نتيجة المضاربة على أسهم شركات الإنترنت، ومع انفجار تلك الفقاعة انكشفت فضائح محاسبية في شركات عملاقة أدت إلى إفلاسها، وأبرزها «إنرون». هل يكون مصرف لبنان منخرطاً في نقاش كهذا أم مادة فيه؟ الجواب هنا توفّره الأيام المقبلة التي ستحتدم فيها المواجهة كما يبدو، بين جزء من السلطة السياسية وبين حاكم مصرف لبنان الذي لا يزال يتمتّع بحلفاء من الماضي يدعونه إلى التطلّع إلى المستقبل.