في خطوة كانت متوقّعة، كشفت جمعية المصارف عن خطّة معالجة ماليّة خاصّة بها تتطابق مع الرؤية التي عبّر عنها بشكل غير مباشر ممثلو مصرف لبنان في الفريق اللبناني في مفاوضات صندوق النقد الدولي. وإضافة إلى انحيازها لأصحاب المصارف، فهي لا تقدّم في جوهرها أي مقاربة اقتصادية حقيقيّة، بل تسعى للحفاظ على النموذج الاقتصادي السائد منذ ثلاثة عقود وإطفاء الخسائر من أصول الدولة، أي من جيوب عموم اللبنانيين. هنالك إصرار شديد على تجنّب الخوض في نقاش الانتقال إلى نموذج اقتصادي آخر، علماً بأن أيّ نموذج مختلف عن السائد حالياً يجب أن يغوص في الفضاءات الجغرافية - السياسية للبنان.

لكن تصعب مقاربة الفضاء الجغرافي - السياسيّ بشكل موضوعيّ من دون تسرّب المواقف والمواقع السياسيّة إلى النقاش، بحسب إيريك شيبارد في ورقة بعنوان «الاقتصاد الجغرافي السياسي». هنا تولد ضرورة الجمع بين حاجة الاقتصاديين للتجمّعات الصغرى ونماذج التوازن والتطابق الرياضيّ من جهة، وتفضيل الجغرافيين للهيكلة وعدم التوازن والمقاربات غير الكميّة من جهة أخرى. أفضل الطرق للجمع بين هذه الحاجات والتفضيلات العمل انطلاقاً من منهج يستمدّ أسسه من الاقتصاد السياسي الإقليمي الذي يشكّل فرعاً من فروع الاقتصاد الجغرافي- السياسيّ.

الاقتصاد السياسي الإقليمي
تقدّم التحليلات الرياضيّة الاقتصاديّة الماركسيّة صورة عن عدم استقرار الاقتصاد الرأسمالي الحرّ، بسبب خضوعه لمصالح أصحاب العوامل المؤثّرة في عمليّة الإنتاج. في المقابل يضيف الاقتصاد السياسي الإقليمي بُعداً جديداً من خلال دراسة تأثير جغرافيات الرأسماليّة على عمليّة الإنتاج. فالجغرافيا تتطوّر بشكل مشترك مع عمليّات إنتاج السلع والتبادل التجاريّ والتراكم. وأوّل العوامل التي تجعل الجغرافيا (وتطوّرها) مهمّة هو إنتاج «إمكانيّة الوصول» بشكل محليّ. هذا يتمّ عبر إنتاج عمليات النقل وتكنولوجيا التواصل والبنى التحتيّة. هو عامل يضيف تعقيداً إلى عمليّة الإنتاج، ويصعّب على الأدوات - الوكلاء الفرديين - تحقيق أهدافهم، بسبب تشعّب وتعقّد العلاقات بين الفضاءات والقطاعات. وهذا يؤدّي إلى خلق اختلالات في عمليّة الإنتاج بسبب عدم القدرة على توقّع نتائج وأرباح عمليّات الإنتاج بشكل حاسم. وعامل آخر يجعل الجغرافيا مؤثّرة في اختلال الاقتصاد الرأسماليّ هو التفاوت في الفضاء الجغرافي، فالتماثل الجغرافي ضروريّ لخلق أسواق وبنى اقتصادية متجانسة.

«تبعية المسار»
يشير داني ماكينون، في بحثه «تطوّر جغرافيا الاقتصاد»، إلى أنّ تطوّر الاقتصاد السياسي الإقليميّ يمرّ من خلال «تبعيّة المسار». أيّ إن هنالك مساراً معيّناً سيحكم تطوّر الاقتصاد يمليه «حمَلَة التاريخ» عبر فرض استمراريّة ما يؤمنون به. يُقصد بـ«حملة التاريخ» المؤسّسات والشركات والتكنولوجيا والأفراد والجماعات المتمسكون بعادات معيّنة. و«تبعية المسار» في هذه الحالة إقليميّة ثنائيّة البعد، حيث إن العمليات التي تنتج المسار هي عمليّات محليّة المنشأ والتطور، وفي الوقت عينه المسار (الذي أصبح إقليمي الطابع) سيتحكّم بمستقبل هذه العوامل.
يعدّد رون مارتين في ورقة عمل بعنوان «تبعية المسار وتطور الاقتصاد الإقليمي» العوامل والعمليات التي تنتج عنها «تبعية المسار»؛
- أوّلاً، الموارد الطبيعيّة التي تشكّل مواد أولية للإنتاج وتفتح الأبواب للاحتمالات التقنية لتطوير صناعات مشتقّة.
- ثانياً، الكلفة الثابتة للأصول المحليّة وللبنى التحتية.
- ثالثاً، الصناعات المحليّة المتخصّصة التي تشكّل عمليات اقتصاديّة وسلاسل توريد خاصة بها ومترابطة بالإضافة إلى أنّها تشكّل تجمّعات العمالة المتخصّصة.
- رابعاً، الارتهان أو التكبيل الإقليمي بتكنولوجيا معيّنة بسبب انتقال المعرفة الجمعي في صناعات متخصّصة أو بسبب التخصّص البحثي فيها.
- خامساً، التكتّلات الاقتصادية وما ينشأ عنها من تجمّعات عمّالية وشبكات علاقات وسلاسل توريد وخدمات ومعلومات.
- سادساً، المؤسسات الناظمة للحركة المالية والاقتصادية وللبنى التحتية الاجتماعية وللتقاليد والعادات.
- سابعاً، العلاقات بين الاقتصادات الإقليمية المختلفة من خلال تشابك بعض الصناعات أو التمويل أو الارتباط بالسياسات والأنظمة المالية.
كل هذه العوامل تسهم في تطوير المسار الحاكم لتطور الاقتصاد السياسي الإقليميّ، ضمن عملية معقّدة تجعل «تبعية المسار» سبباً ونتيجة في الوقت نفسه. وتأثير هذا التطوّر يدفع الاقتصاد السياسي الإقليمي نحو واحد من اتجاهين: التكبيل الإقليميّ، أو التكيّف الإقليميّ؛ التكبيل الإقليمي هو جموح الهيكليات الاقتصادية لإظهار ثبات تاريخي للأنماط المحليّة والإقليمية للتخصص الاقتصادي، ولتعزيز التنمية غير المتكافئة. فتصبح هذه الأنماط ذاتية التعزيز والتكاثر، على مدى فترات طويلة جداً من الوقت. وتبقى هذه الأنماط وتتمدّد إلى حين لا تعود مفيدة اقتصادياً. أمّا التكيّف الإقليمي فهو القدرة على خلق مسارات إقليميّة جديدة قادرة على إخراج الاقتصاد من التبعيّة للمسارات التي تبقيه في موضعه المأزوم.
وللخروج من التكبيل الإقليمي عدّة خطوات يمكن اعتمادها على حدة أو مع بعضها البعض: ظهور تكنولوجيا أو صناعات جديدة كليّاً ومحليّة المنشأ، تنويع التكنولوجيات والصناعات والمنظّمات المحليّة بما يسمح بظهور إبداع مستمر وتطور القدرة على إعادة تشكيل الاقتصاد عند الحاجة، استزراع تكنولوجيات وصناعات من أقاليم أخرى بما يسمح بتطوير المسار والنمو الإقليميين، استغلال التكنولوجيا الموجودة لنقلها إلى صناعات جديدة بعد استنفاد الصناعات التي توجد فيها حالياً، وتحديث الصناعات الموجودة حالياً من خلال ضخّ تكنولوجيا جديدة أو تنويع السلع والخدمات.

التوجه شرقاً
عندما نقارب الاقتصاد اللبناني من هذه الزاوية، سنجد أن الفضاء الجغرافي للبنان محدود جداً، لأن «إمكانية الوصول» المحليّة إلى المحيط الإقليمي ضعيفة جداً. فالحكومات اللبنانية المتعاقبة منذ ما بعد الحرب الأهلية، لم تعمل على إنتاج نقل وبنى تحتية تستهدف ربط لبنان بالإقليم عن طريق المعبر الوحيد سوريا. لم تقم أي حكومة بالعمل لوصل المدن اللبنانية الرئيسية بتلك الرئيسية في سوريا، سواء عبر خطوط سكك حديد (ساحلية وداخلية) أو عبر مشاريع بنى تحتية حقيقية في سهل البقاع والشمال حيث المعابر الحدودية الرئيسية مع سوريا. حتّى أن أياً من الحكومات لم تناقش مشروع حفر نفق في السلسلة الغربية لتسهيل النقل والتنقل من وإلى البقاع وتالياً سوريا، وهو أضعف الإيمان. علماً بأنه طوال السنوات الثلاثين الماضية كانت سوريا المعبر الأكثر فعالية لتصدير البضائع اللبنانية رغم سوء البنية التحتية والطرقات في الأطراف بعيداً عن الخط الساحلي الممتدّ من طرابلس إلى صور. ويُضاف إلى هذه العوامل الداخلية عامل الحرب السورية، التي أغلقت البوابة السورية لسنوات عديدة، لأسباب أمنية بداية، ثم لأسباب سياسيّة بعدما استتب الوضع الأمني على الطرقات التي تصل سوريا بالعراق والأردن. وكذلك الأمر يمكن ملاحظة أن السوق اللبنانية لم تكن متجانسة مع الأسواق الإقليميّة المحيطة، سواء لجهة الإنتاج وأنواعه واستغلاله للجغرافيا الخاصة به، أو لجهة الاستيراد وأنماطه.

سياسات ما بعد 1992 أرست مساراً سامّاً حكم تطوّر الاقتصاد اللبناني ليصبح مكبلاً بدوّامة الإدمان على الاستدانة لإشباع نمط عمل وربحية المؤسّسات المالية والمصارف


تتيح مراجعة سياسات الحكومات اللبنانية منذ أول حكومة للرئيس رفيق الحريري، الاستنتاج بأن محدودية الفضاء الإقليمي الاقتصادي اللبناني ليست وليدة الصدفة. مراجعة كهذه، ستبيّن بوضوح «تبعيّة المسار» الإقليمي (في هذه الحالة الإقليم كان لبنان فقط) التي حكمت كل السياسات الاقتصادية منذ عام 1992. فقد تمّ إهمال الموارد الأولية القليلة الموجودة في البلاد، وأي صناعات مشتقّة عنها، وتشكّلت تكتّلات اقتصادية من المصارف والمؤسسّات المالية ونشأت حولها سلاسل توريد وشبكات علاقات وخدمات. بالإضافة إلى ذلك تم التركيز على تكنولوجيا المعلومات بشكل كبير، حتّى ظهر اختلال كبير في اليد العاملة المتخصّصة لصالح هذا القطاع. ورُبط النظام المالي في لبنان بأنظمة وقوانين فضاءات إقليمية قريبة وبعيدة تحت عنوان ضمان تدفق للأموال والاقتصاد الحر. كلّ هذه السياسات أرست مساراً سامّاً حكَم تطور الاقتصاد اللبناني في العقدين الماضيين، فأصبح مكبّلاً غير قادر على الخروج من دواّمة الإدمان على الاستدانة لإشباع نمط عمل وربحية المؤسسات المالية والمصارف.
اليوم، تكمن الخطوة الأولى في بناء اقتصاد لبناني منتج، في توسيع الفضاء الاقتصادي الإقليميّ للبنان. فمن دون إمكانية الوصول إلى سوريا، بداية، لا يمكن الحديث عن تصريف إنتاج صناعيّ أو زراعيّ. فالإنتاج اللبناني سيكون مناسباً للتصريف في أسواق الفضاء الإقليمي المحيط، بسبب التماثل الجغرافي معه، حيث يمكن مع الوقت بناء أسواق متجانسة. وهذا الأمر يحتاج إلى قرار سياسيّ بالدرجة الأولى، سواء مع الدولة السوريّة أو في ما يخصّ البنى التحتية اللبنانيّة.
وبعد توسيع الفضاء الاقتصادي السياسي الإقليمي للبنان، يمكن البحث في السبل للتناسق مع المسار الإقليمي لهذا الفضاء الجديد، والبحث في كيفية كسر التكبيل في المسار اللبناني. سواء عبر المساهمة في عملية استزراع تكنولوجيات جديدة في عمليات الإنتاج في الفضاء الإقليمي أو عبر تنويع الإنتاج اللبناني من سلع وخدمات ليناسب ما تطلبه الأسواق الأخرى في هذا الفضاء الجديد. أيّ اقتراح يولد اليوم للإبقاء على محدودية الفضاء الاقتصادي الجغرافي للبنان هو دعوة للإبقاء على دوّامة النموذج الاقتصادي المتهالك، بينما الدعوات للإنتاج والبحث عن أسواق في الغرب فهي مزحات سمجة تهدف إلى إضاعة الوقت أو إطلاق مواقف شعبوية. الاتجاه الوحيد الممكن شرقاً.