ظهر جلياً في الأسابيع الماضية وجود معارضة سياسيّة شديدة للطروحات العلمية المتعلّقة بخسائر النظام المالي وآليات إطفائها. هي قوى موزّعة على طرفي انقسام الطيف السياسي وقد تمكّنت من نسف بعض المقترحات، وحالياً تعمل على إلغاء بعضها الآخر وتعدّ لعرقلة مسار النقاش في الانتقال نحو اقتصاد منتج قبل أن يبدأ. حقيقة الأمر أنّ الإجراءات الضرورية سواء أكانت مالية أم اقتصادية ستخلخل أُسس النموذج القائم في لبنان الذي لا يزال يتمسّك به معظم أرباب السياسة اللبنانية. هم يستلهمون شرعيته من سرديّات وهمية أول من صاغها كان طنّوس الشدياق، في سياق تبرير شرعية حصول جبل لبنان على هامش استقلال عن الإمبراطورية العثمانية.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

صور: من الإنتاج إلى الريع
هذه السردية مليئة بالتناقضات والأخطاء التاريخيّة. البناء عليها لإسباغ شرعيات على سياسات اقتصادية كان جريمة. فالفترة التي بدأ فيها كنعانيو الساحل السوري (ما يُصطلح عليه بالفينيقيين) بالازدهار والتوسّع الحقيقيين كانت في بداية العصر الحديدي، أي في القرن الحادي عشر قبل الميلاد. كانت فترة هيمنة صوْريّة على باقي مدن الساحل السوري في إطار ثنائيّة مدينتي صور وصيدا بعدما ضمر دور باقي المدن (مثل جبيل وبيروت وأرواد) وفقدت الكثير من سكّانها مع نهاية العصر البرونزي.
يُمكن تقسيم فترة الازدهار الصوْري هذه إلى قسمين؛ الأولى من القرن الحادي عشر قبل الميلاد إلى القرن الثامن قبل الميلاد. والثانية من القرن الثامن إلى منتصف القرن السادس قبل الميلاد. الفرق الأساسي بين الفترتَين هو نوع وزخم عمليّات الإنتاج وتوجيهها، أي النموذج الاقتصادي الذي اعتمدته المدينة. بحسب ماريا أوبيت، في كتابها «الفينيقيون والغرب»، فإن مدينة صور صدّرت السلع والحرفيات والخدمات الصناعية للدول الإمبراطوريّة في الشرق، وأقامت سلاسل توريد عظيمة بمقاييس ذلك الزمان ونسبة إلى حجم وعدد سكّانها. الهدف كان استيراد المواد الأولية لاستعمالها في عمليّات تصنيع السلع المعدّة للتجارة الشرقيّة، أي التي كان الفينيقيون قد كيّفوا إنتاجهم مع حاجاتها.
وسلسلة التوريد كانت تتمحور حول مستعمرات على شواطئ البحر المتوسط تشبه في بنيتها الشركات العائلية، كما ورد في كتب ريتشارد مايلز «قرطاجة يجب أن تُدمّر». كانت كلّ عائلة صوْريّة بارزة تحصل على حقوق بناء مستوطنات في أراضٍ يثبت أنها غنيّة بالمواد الأوليّة المطلوبة في صناعات وحرف المدينة. وتبقى العائلات على تواصل مباشر مع أفرادها في المدينة المرتبطين بالبلاط، في عملية تنسّق استيراد موارد وتوزيع الأرباح الناتجة عن فائض القيمة المضافة بعد عملية التصنيع. ومع الوقت بدأت «الشركات العائلية» بتطوير الصناعات داخل المستعمرات، ولم تعد تكتفي بإرسال المواد الأولية إلى المدينة الأم فحسب.
أوبيت رسمت خريطة للعوامل التي تضافرت لدفع الصوْريين إلى التوسع غرباً ضمن أربعة محاور:
- المحور الأول ناتج عن تقلص المساحات الداخلية وارتفاع الكثافة السكانية في المدن، بالإضافة إلى محدوديّة الإنتاج الزراعي.
- المحور الثاني ناتج عن وجود اليد العاملة المتخصصة وإتقان إنتاج السلع الرفاهية وارتفاع الطلب على السلع الفينيقية، وهذا ما أدّى إلى الحاجة المتزايدة إلى المواد الأولية.
- المحور الثالث، وهو نتيجة للمحورين الأولين بعدما ظهرت الحاجة للتوسع الجغرافي والتجارة بعيدة المدى، وإنشاء مراكز إنتاج جديدة وزيادة الإنتاج بشكل كبير.
- المحور الرابع، هو نتيجة تلاقي المحاور الثلاثة من خلال توسّع النفوذ الفينيقي (الصوريّ بالتحديد) إلى كيليكيا وقبرص ثم الغرب عبر المستعمرات والمستوطنات المنتشرة على امتداد شواطئ شرق وجنوب المتوسط وجزره.
هذه المرحلة انتهت بنهاية القرن الثامن قبل الميلاد. ورغم ازدهارها الظاهر، إلّا أن صور التي مثّلت قوّة اقتصادية مهيمنة في منتصف القرن السادس قبل الميلاد، دخلت مساراً انحدارياً أدّى إلى انهيارها بعد حصار نبوخذ نصر وإجبار ملكها على اللجوء إلى قبرص واستبداله بملك طيّع. بعد موت هذا الملك ضاعت مؤسّسة العائلة الحاكمة.
من خلال استجلاب صندوق النقد الدولي يقاتل السياسيون من أجل الحفاظ على «مكتسبات تاريخيّة» وفّرها لهم نموذج الريع قبل أن تصبح موارده وهمية


لكن كيف لقوّة اقتصاديّة أدارت سلاسل توريد وصناعات عبر المتوسط بفعّالية عالية، أن تسقط؟ السبب الرئيسي هو الانتقال من نموذج الإنتاج إلى نموذج الريع؛ فقد كان الفينيقيون يتقنون التعدين نظراً للحاجة إلى المواد الأولية اللازمة لإنتاجهم الصناعي آنذاك، وخصوصاً الحديد والنحاس والذهب والفضة. وبحلول الألفية الأولى قبل الميلاد، كانت الإمبراطورية الآشورية، والممالك المحيطة بها تتعامل بمقاييس ثابتة مبنيّة على أوزان الفضّة والذهب التي تُسعّر السلع على أساسها. بعبارة أخرى، أصبحت الفضّة والذهب بمثابة مال (وحدة قياس) يُستعمل للتبادل، ولم تعد الحاجة إليهما محصورة بصناعة المجوهرات والأواني. في ذلك الوقت كان الصوريون المورّد الأول للفضة إلى الإمبراطورية الآشورية. كانوا يستخرجون الفضّة من مناجم هويلفا جنوب إسبانيا ثم يحوّلونه إلى سبائك (في إطار عملية معقدة تتم بالاشتراك مع المجتمع المحلي) لترسل إلى صور بحراً عبر مرفأ مستعمرة جادير أو أجادير (جيم غير معطّشة - وهي تعني الجدار أو الحصن وأصبح الاسم أغادير بالبربرية وهي مدينة قادش اليوم).
الطلب الآشوري على الفضّة أغرق المجتمع الصوري بتحويل تجارة المدينة لخدمة استيراد المزيد من الفضّة. وأصبحت السلع تُبادل غرباً (من إسبانيا إلى المملكة الآشورية ومحيطها) بدلاً من توريده إلى صور وإعادة تصنيعه. بات دور صور يقتصر على توريد الفضّة، أي صناعة المال أو الريع. هكذا تحوّل النموذج الصناعي إلى نموذج ريعي وخرجت المدينة من جغرافيا التجارة الشرقيّة. الأزمة بدأت تظهر عندما تراكمت الفضّة في مجتمعات الإمبراطورية بحلول القرن الثامن. وبسبب الكمّ الكبير من المعدن الذي ضخّه الصوريون في المنطقة، انهارت قيمة الفضّة سريعاً (في القرن السابع قبل الميلاد) ما أدّى إلى تضخّم أسعار السلع نسبة إلى قيمة الفضة ولم تعد المدينة قادرة على المبادلة من خلال سلعها بسبب خروجها من عمليات الإنتاج والتجارة مع المجال الجغرافي الأقرب أو من خلال الفضة.
هذا الانهيار الاقتصادي حوّل الحفاظ على الوجود الاستعماري إلى عبء اقتصادي لم تقدر المدينة على احتماله. فانهارت المستعمرات وهُجّرت. فقدت المدينة أهميّتها بالنسبة إلى الإمبراطورية الآشورية. هذه الأخيرة بدأت تضيّق عليها وتطالبها بالمزيد من الجزية. ومع صعود البابليين حاصرها نبوخذ نصّر فسقطت كقوّة مهيمنة نهائياً في منتصف القرن السادس قبل الميلاد.
في مقابل سقوط المستعمرات الصوريّة على امتداد المتوسّط، بقيت مستعمرة وحيدة صامدة، لا بل تمدّدت وأصبحت مدينة أعظم من المدينة الأم، هي قرطاجة. يقول ريتشارد مايلز، إن قرطاجة لم تكيّف إنتاجها لخدمة استيراد الفضّة، بل استمرّت بعمليّات الإنتاج الصناعي والزراعيّ بشكل طبيعي، فأنشأت خطوط تجارة مع محيطها النوميدي ومع الشمال الإيطاليّ. ومع ضمور دور صور تحرّرت المدينة أكثر ولم تعد الشركات العائلية ترسل أرباحاً إلى المدينة الأم، بل وظّفتها في بناء الدولة التي ستجابه التوسع الإمبراطوري لروما بعد قرنين.

الشرعية الحقيقية
فيما كان الشدياق يزيّف سرديات تاريخيّة عن الفينيقيين والتاريخ الأقرب لجبل لبنان خدمة للشهابيين وتثبيت سلطتهم، كان النموذج الذي سيحكم تطوّر لبنان الاقتصادي في القرن التالي يتشكّل تدريجياً. تعود جذور لبنان الكبير بعد عام 1920 إلى معركة عين دارة عام 1711 وما تلاها. في كتابه «بيت بمنازل كثيرة» يقول كمال الصليبي إنّه بعد تثبيت الشهابيين موقعهم «كملتزمين» في جبل لبنان (الملتزم هو جابي ضرائب نيابة عن الدولة العثمانية يُجدّد التزامه كل عام ويأخذ نسبة من الضريبة)، وجدوا أنفسهم مضطرين لتعيين كانتونات ضريبيّة لحلفائهم زعماء العشائر الدرزية (آل جنبلاط وعماد وأبو نكد) لاسترضائهم، خصوصاً أن الشهابيين لم يكونوا دروزاً بل سنّة من حوران ورثوا «الالتزام» عبر المصاهرة مع المعنيين. والكانتونات الضريبية هي تلزيم من الباطن لجباية الضرائب في مناطق محدّدة لكل زعيم مقابل احتفاظه بجزء من قيمة الجباية. ثم عيّنوا شيوخ الموارنة (من آل خازن وحبيش) في الجزء الشمالي من جبل لبنان (كسروان)، ليتحوّل زعماء العشائر في جبل لبنان إلى إقطاعيين شركاء في موارد الجبل وجبايتها.
هذه العلاقة بين زعماء عشائر وموارد الجبل، تحوّلت إلى علاقة بين الطوائف والموراد بشكل تدريجيّ منذ نهاية القرن الثامن عشر، بداية مع الموارنة. وفق سمير خلف، في كتابه «لبنان في مدار العنف»، تشكّلت أولى الجماعات الطائفية في جبل لبنان من مجموعة قبائل ذات انتماء ديني واحد وأصبحت طائفة ذات خطاب سياسي جامع يبني حدوداً واضحة للجماعة وموارد اقتصاديّة خاصّة بها. فعلاقة الكنيسة بزعماء الموارنة كانت علاقة تقليدية تقوم على تقديم الكنيسة الشرعية الدينية للزعماء، في مقابل حمايتهم لها ودعمها مادياً. لكن تأسيس الرهبانيات المارونية في جبل لبنان غيّر موازين هذه العلاقة. فالرهبان الذين كانوا يعيشون حياة تقشف والتزام شديدين وإنتاجيّة عالية لم يكن مسموحاً لهم تملك الأراضي. لذا كانوا يعملون بشكل جماعي في الحيازات الزراعيّة التي سيطرت عليها رهبانيّاتهم بفضل جهودهم والتبرعات والهدايا والخدمات الدينية (التعليم الذي كانوا يتلقون أرضاً مقابله). ثم تمكّنوا من السيطرة على ربع الأراضي الزراعية في جبل لبنان في منتصف القرن التاسع عشر، ما سمح لهم بالتمدّد إلى صناعات مثل صناعة النبيذ والكحول والطباعة وتجليد الكتب. أصبحوا مع الوقت مصدراً أساسياً لفرص العمل للمزارعين الموارنة. وكانت الرهبانيات تحتكر بشكل خصوصي قطاعَي التعليم والطباعة، أي وسيلتي إعلام تلك الفترة. هذا الواقع خلق استقلالاً اقتصادياً للجهاز الديني عن الزعماء الموارنة. وبما أن المجتمع الماروني كان يتألف من مؤسّستين، الكنيسة والعائلة، أصبح الرهبان بشكل أو بآخر، يفصحون عن شكل جديد من الوعي المجتمعي، شكل يتحدى الإحساس بالولاء الشخصي-القبلي، وروابط القرابة التي شكّلت السمات المميزة للمجتمع الإقطاعي. وعزّز دورهم، كمعبرين وناقلين لأيديولوجيا مارونية جديدة، هوية وتضامن الطائفة المارونية داخل سوريا العثمانية.
وعزّز هذه العملية وجود الشهابيين في قلب إحدى المناطق الساخنة «للمسألة الشرقيّة»، أي الصراع بين القوى الأوروبية الكبرى على كيفية تفكيك الدولة العثمانية الآخذة بالضعف منذ منتصف القرن الثامن عشر. لعب الشهابيون، وخصوصاً بشير الثاني، على التناقضات السياسية في المنطقة لتوسيع سلطة «الالتزام» إلى سلطات شبه كاملة تدخل في الحياة اليومية لأهل الجبل، كما يشرح كمال الصليبي. وبنهاية فترة سيطرة الشهابيين، أصبحت التوترات بين الجماعتين الأساسيتين في الجبل جليّة؛ سلاسل الإنتاج في جبل لبنان (وسوريا عموماً) كانت قد تهشّمت بسبب إغراق الأوروبيين للأسواق السورية ببضائعهم كنتيجة لنجاحاتهم في مقاربة «المسألة الشرقيّة». لذا أصبحت الموارد من فرض الضرائب قليلة. ومع محاولة الكنيسة المارونة استثارة الفلاحين الموارنة في الشوف، للثورة على أسيادهم من الزعماء الإقطاعيين الدروز كما فعل إخوانهم في كسروان مع آل الخازن، وجد زعماء الدروز أنفسهم يرسمون حدوداً اجتماعية واقتصادية لطائفتهم. فتوحّدوا مع دروز وادي التيم وقاموا بهجوم استباقي على موارنة جبل لبنان الجنوبي، ليبدأوا ما أصبح يُعرف فيما بعد بأحداث 1860.

المكتسبات الضائعة
وعلى عكس حقيقة ازدهار الفينيقيين تحت هيمنة الصوريين، اللبنانيون يهاجرون منذ قرن ونصف لأن عمليات الإنتاج تهشّمت ولأن الموارد أصبحت شحيحة منذ فقدان الإمبراطورية العثمانية سلطتها السياسية والاقتصادية في غرب آسيا. وشرعية النموذج الذي يحكم التطور الاقتصادي للبنان منذ تأسيس دولة لبنان الكبير ليست مستمدّة من سردية وهمية اخترعها حاجب عند الشهابيين. هذا النموذج له سياق تاريخي معقّد، رسمَه تراكم سياسات الشهابيين التي أرست علاقة استغلالية وتسلطية بين موارد الدولة وزعماء العشائر. وفيما بعد تحوّلت العشائر إلى طوائف بشكل تدريجي. بالإضافة إلى ذلك ساهم في رسم المسار تحطيم سلاسل الإنتاج في سوريا.
مقاربة التحول إلى نمط إنتاجي في الاقتصاد تهدد نموذجاً عمره ثلاثة قرون. بالإضافة إلى ذلك من الطبيعي أن نرى أغلب السياسيين يقاتلون من أجل الحفاظ على «مكتسبات تاريخيّة»، أضحت وهمية اليوم في ظل انعدام الموارد. ويصبح منطقياً أن نفهم ما يحاولون فعله من خلال استجلاب صندوق النقد؛ البحث عن مصدر للموارد ليعيدوا إحياء نموذج الريع حفاظاً على «المكتسبات التاريخيّة». لكن لسوء حظّهم «المسألة الشرقية» أصبحت عبئاً على الغرب، والتاريخ يقول لنا إن الفينيقي الذي توجّه غرباً من أجل الريع كان مصيره التضخّم وفقدان الدور. وهذا يعني أن هؤلاء غير المقتنعين بأن نموذجهم سقط، سيقاتلون لأجل إبقائه حتى النهاية وبكل ما أوتوا من قوة.