الاحتجاجات المناهضة للعنصرية التي عمّت المدن الأميركية خلال الأسابيع الماضية تظهر أن شيئاً ما تغيّر في الولايات المتحدة. لا أحد يستطيع التكهّن بما ستسفر عنه هذه الاحتجاجات، لكن من الواضح أن الولايات المتحدة دخلت مرحلة جديدة لم تعرفها سابقاً رغم تشابه الأحداث الأخيرة بأحداث مماثلة خلال الستين السنة الماضية. لسنا في إطار سرد ملامح التشابه أو الاختلاف لأن الظروف السكّانية والسياسية والاقتصادية والثقافية تغيّرت بشكل ملموس خلال تلك الفترة وتجعل المقاربة من دون فائدة تُذكر.

التحوّلات في البنية السكّانية أدّت إلى تحوّلات في موازين القوّة السياسية بين الحزبين الحاكمين في الولايات المتحدة. والتحوّلات في البنى السياسية أدّت ورافقت التحوّلات في البنية الاقتصادية. وتفاعلت هذه التحوّلات لتنتج ثقافة جديدة في منظومة القيم التي تغيّرت هي أيضاً. لكن رغم تلك التحوّلات هناك بعض "الثوابت" التي استمرّت، ومنها التمييز وثقافته. فالتمييز بشكل عام والعنصرية بشكل خاص موجودان في الحمض النووي للأميركي.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

سنعرض بعض ملامح هذا التمييز لفهم ما يجري من احتجاجات. فالتمييز ليس محصوراً بالعرق الأبيض البروتستنتي الانغلوساكسوني بل موجود بشكل أو بآخر عند مختلف المكوّنات للمجتمع الأميركي ومن ضمنها العرق الأسود والأصفر والأسمر. جميع المكوّنات تمارس التمييز وإن كان بأشكال مختلفة. أما التمييز عند الأميركي الأبيض البروتستنتي الانغلوساكسوني، فهو أكثر ظهوراً وشراسة مما هو لدى المكوّنات الأخرى بسبب القوّة التي يمتلكها منذ حقبة استعمار القارة. هذه الشراسة في التعامل مع الآخر تعود إلى النظرة التوراتية التي أتت مع المتطهّرين الإنكليز في الربع الثاني من القرن السابع عشر. فقد اعتبروا أنفسهم "الشعب المختار" المكلّف تحقيق "القدر المتجلّي" الذي يجعلهم استثناء عن سائر البشر. ويقول الباحث منير العكش: إذا كان اليهود شعب الله المختار بالدم فإن الإنكليز المتطهّرين هم يهود الروح! لقد أتوا إلى "أرض الميعاد الجديدة" لبناء "المدينة على الجبل" أي أورشليم. قراءتهم للأسفار في العهد القديم برّرت قتل السكاّن الأصليين الذين احتضنوهم وعلّموهم زراعة الذرة التي كانوا يجهلونها. ولولا مساعدة السكاّن الأصليين (أي ما سمّوهم بالهنود الحمر) لفنيت تلك الجماعات المهاجرة بسبب الجوع. كافأ المتطهرون وجيوش الإنكليز الذين استعمروا القارة الشمالية، السكّان الأصليين، ونفذوا إبادة جماعية عبر استعمال الحرب الجرثومية في تقديمهم البطانات الملوّثة بداء الجدري التي لم يكن يعرفها السكّان الأصليون وبالتالي لم تكن لهم مناعة طبيعية تجاهها.
استمرّت ثقافة التمييز وازدهرت عبر استيراد الرقيق من غرب أفريقيا. فالمستعمرون الإنكليز لم يكونوا قادرين على تشغيل مزارع القطن (نفط الولايات المتحدة آنذاك) لذلك لجأوا إلى استعباد الأفارقة. تاريخ العبودية في الولايات المتحدة من أبشع التواريخ الإنسانية.
وفي حقبة التوسّع إلى الغرب استقدم المستعمرون العمّال الصينيين لبناء السكك الحديد التي لولاها لما قامت الدولة الاتحادية التي أوصلت الشرق بالغرب إذ تعامل المستعمرون مع العمّال الصينيين كما تعاملوا مع السود بكل وحشية. لولا صبر الصينيين لتمّت إبادتهم أيضاً. أما في ما يتعلّق بالجالية المنحدرة من أصول يابانية فتمّ زجّهم بمعتقلات خلال الحرب العالمية الثانية رغم أنهم كانوا مواطنين صالحين.
والثقافة العامة للمواطن الأميركي مليئة بالكلام الجارح والتحقيري لأصحاب البشرة السوداء والصفراء والسمراء. وأخيراً أُدرج العرب والمسلمون وباقي الآسيويين على قائمة المضطهدين عنصرياً كما بات واضحاً من إجراءات الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب.
التمييز ليس محصوراً بالأعراق، بل يتناول الأديان والحالة الاقتصادية والاجتماعية وحتى بعض الدول الأوروبية غير الانغلوساكسونية. فتاريخ الولايات المتحدة مليء بمعاداة المسيحيين الكاثوليك واليهود على حدّ سواء. ويسخر الانغلوساكسونيون من المنحدرين من أصول إيطالية وأيرلندية وبولندية وأكثريتهم من الكاثوليك. وحتى فترة قريبة لم يعتبر الانغلوساكسونيون تلك الشعوب الكاثوليكية من المسيحيين بل من أتباع البابا في روما! الثقافة العامة في الولايات المتحدة تقرن الإيطاليين بالمافيا، والأيرلنديين بالسكارى والبولنديين بالأغبياء العنيدين! ويستطيع أي باحث عبر الانترنت أن يكتشف صفحات عديدة من الألقاب التحقيرية التي يستخدمها الانغلوساكسونيون تجاه كل من يختلف عنهم في العرق والدين من الأوروبيين غير الساكسونيين.
أما في ما يتعلّق بالحالة الاقتصادية والاجتماعية فهناك أيضاً تمييز بين ما يسمّونهم بـ"الزبالة البيضاء" (white trash) أو كما وصفتهم هيلاري كلنتون بـ "المنبوذين" (deplorables)، وهم مواطنون بيض لكنهم فقراء وغير متعلّمين. هؤلاء يشكّلون قاعدة ترامب الانتخابية الصلبة مع الإنجيليين المتشدّدين. والفرق الطبقي يمتدّ إلى الطبقة الوسطى حيث سكّان الريف يُعتبرون من المتخلّفين بينما سكّان المدن من المتمدّنين! بمعنى آخر، يأخذ التمييز أشكالاً متعدّدة تبعاً للنظرة التوراتية للمجتمع عند ورثة المتطهّرين الذين قرأوا الإنجيل بشكل يبيح لهم اضطهاد وحتى قتل كل من هو مختلف عنهم بالشكل والمعتقد وحتى المنبت.
من مفارقات ثقافة التمييز أن التمييز الطبقي يطغى على التمييز العنصري. حتى عند الأميركيين المتحدّرين من أصول أفريقية، هناك طبقية لا تختلف عن الطبقية الموجودة عن البيض. فالنخب السوداء، وخاصة في عالم السياسة، لا تختلف عن نظيرتها البيضاء. البعد الطبقي أهم من البعد العرقي. تجلّى ذلك في الحملة الانتخابية التمهيدية الرئاسية في عام 2008 حيث النخب السياسية السود والمسمّاة "بلاك كوكس" (black caucus) دعمت هيلاري كلينتون ضد المرشح "الطبيعي" باراك أوباما. استطاع أوباما أن يتفوّق على كلنتون، إلا أنه سرعان ما انضمّ إلى فئة الشركات المالية التي كانت تدعم كلنتون. كذلك عالج أوباما أزمة 2008 المالية بدعم المؤسسات المالية من دون أي محاسبة. وفي الانتخابات الأولية الرئاسية سنة 2020 تدخّل أوباما بثقله لصالح المرشح جوزيف بايدن الذي يخرج من الحلبة الانتخابية بسبب تفوّق برني سندرز. كان يفترض أن يدلي السود في الحزب الديمقراطي بأصواتهم لبرني سندرز صاحب المشاريع التقدمية التي تنصف السود، غير أن المصلحة الطبقية فرضت التمسّك بجوزيف بايدن. أما على صعيد الانتخابات النيابية، فالنخب السوداء في مدينة نيويورك ساندت النائب اليوت انجيل ضد المرشّح جمال بومان المتحدّر من أصول أفريقية. هذه بعض الأمثلة التي تدلّ على أن التمييز الطبقي أقوى من التمييز العنصري في الولايات المتحدة. لذا نرى "تعاطف" الإعلام الشركاتي المهيمن مع الاحتجاجات ضد العنصرية طالما كانت القضايا الاقتصادية والاجتماعية بعيدة عن المنتفضين!
بعد هذا العرض السريع لأشكال التمييز، ننتقل إلى مقاربة ما يجري في الولايات المتحدة. فقد شكّل مقتل جورج فلويد وهو أميركي من أصول أفريقية على يد بوليس مدينة مينيابوليس في ولاية مينيسوتا في وسط شمال الولايات المتحدة، أي في عمق الولايات المتحدة جغرافياً، الشرارة التي أطلقت الحراك الشعبي الأخير. وجاء مقتله مشابهاً لقتل عناصر شرطة الصهاينة للفلسطينيين. وانكشفت ظاهرة تدريب قوى الأمن في الولايات المتحدة على يد الشرطة الصهيونية وأو الشركات الأمنية التابعة للكيان. هذا ما زاد من دفع تلازم معارضة شريحة واسعة من الأميركيين للعنصرية في الولايات المتحدة مع معارضة ممارسات الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلّة تجلّت أخيراً في فوز مرشّحين من الأقليّات السوداء والسمراء في الانتخابات الأولية يناهضون سياسات دولتهم وقيادات أحزابهم الداعمة بشكل مطلق للكيان.
ففي المراحل الأولى لذلك الحراك كان الشعور بالغضب لما حصل كبيراً. لكن تسارعت التطوّرات وخاصة العنيفة وبدأت أعمال العنف تعمّ التظاهرات. واليوم، من يقوم بهذه الأعمال، هي مجموعات صغيرة متطرّفة ومنظّمة جيّداً ومموّلة بشكل لافت للنظر.
ما حصل في الولايات المتحدة للحراك الشعبي حصل في العديد من الدول، أي اختطاف الحراك لصالح أجندات مشبوهة وخارجة عن السبب الأوّلي للاحتجاجات.
هنا لا بد لنا من التوقف عند نقطة مهمة. إن الاحتجاجات لم تأت من الفراغ بل كانت نتيجة تراكمات لشتّى أنواع الظلم تجاه شرائح واسعة من الأميركيين وليست محصورة بعرق أو فئة واحدة. تلاقي التمييز العنصري المرفوض أخلاقياً أوّلاً وقانونياً ثانياً، مع الظلم الاقتصادي الذي يطاول الجميع هو الوعاء للتحرّك الشعبي. النخب الأميركية الحاكمة وخاصة الشركات الكبرى المستفيدة من واقع الحال الاقتصادي والسياسي تخشى أن يتحوّل الحراك إلى مراجعة في النظام الاقتصادي والتوزيع غير العادل للثروة. لذا نرى ظاهرة فريدة من نوعها هي تبنّي النخب الحاكمة ورقة التمييز العنصري والتركيز عليه بدلاً من التركيز على الواقع الاقتصادي الاجتماعي. كذلك نرى الإعلام المهيمن الشركاتي يدعم الحراك الشعبي وخاصة المجموعات المتطرّفة كـ "بلاك لأيفز مترز" أي "حياة السود مهمّة" ومجموعات تنتسب إلى حركة "انتيفا" المناهضة للفاشية والتي تقوم بأعمال العنف ضد المؤسسات.
واللافت للنظر، أن كل هذه التحرّكات لم ترفع شعاراً واحداً حول الحالة الاقتصادية والاجتماعية بينما دخل أكثر من 40 مليون مواطن أميركي عالم البطالة، وغالبية الوظائف تبخّرت بسبب إفلاس الشركات الصغيرة والمتوسطة. أما الشركات الكبيرة فاغتنمت جائحة الكورونا لتقليص عدد العاملين فيها عبر إلغاء وظائف لم تعد بحاجة إليها. وقد أدّت إجراءات مواجهة جائحة كورونا والاحتجاجات المناهضة للعنصرية إلى تحويل الأنظار عن القضايا الجوهرية التي تهدّد الكيان الأميركي. لذا، إن الصراع الطبقي قادم رغم الادعاءات المغايرة. السبب أن هذا النظام لم يعد قادراً على توزيع شبه عادل للثروة. كما أن جائحة كورونا أتت لتزيد من ثروة الأثرياء والشركات الكبرى عبر المساعدات المالية التي ضخّها الاحتياط الاتحادي بينما لم يمنع تفاقم البطالة. والمفارقة العجيبة الغريبة تكمن في ارتفاع بورصة الأسهم والأوراق المالية بينما العجلة الاقتصادية شبه متوقفة. هذا يؤكّد ما كنّا وما زلنا نقوله عن الانفصام بين الاقتصاد الفعلي والاقتصاد الافتراضي الريعي. فالنخب الحاكمة في الولايات المتحدة عن سابق تصميم أرادت ذلك التحوّل والانفصام لكنها ستواجه النتائج الكارثية قريباً جدّاً، هذا إن لم تكن هذه الاحتجاجات بداية لمسار يصعب ضبط إيقاعه.
ما يثير القلق حول الانزلاق إلى الفوضى هو رفع شعار "إلغاء الشرطة" في العديد من المدن والدعوات إلى إلغاء أو تقليص موازناتها لاستعمال الأموال على "مشاريع اجتماعية" غير معروفة تشكّل متن الخطاب الشعبوي الذي يروّجه المنتفضون على العنصرية، فضلاً عن احتمال كبير لتوريط المؤسسة العسكرية في الصراع الداخلي المتفاقم


حتى الآن، الاحتجاجات لا تشكّل تهديداً للنظام القائم. فالإعلام الرسمي الشركاتي داعم لتلك الاحتجاجات التي يتم توظيفها في أجندات محدودة كمناهضة ترامب وإدارته. هي نوع من الاستعراض اليومي يملأ غرف التحرير بالقصص والروايات التي تلهي الجمهور. غير أن الانزلاق بدأ يأخذ مجراه. فعلى سبيل المثال، جرى التهجم على رموز الحقبة العنصرية وخاصة الآباء المؤسسين كجورج واشنطن وتوماس جفرسون الذين قادوا الثورة ضد الحكم البريطاني، إلاّ أنهم كانوا ممن امتلك الرقيق. فلا يختلفون في رأي المحتجّين عن رموز القيادات التي حاولت الانفصال عن الدولة الاتحادية بسبب سياسة إلغاء الرقّ. الخطورة هنا تكمن في شعبوية الدعوة إلى إلغاء التاريخ الأميركي بحجة الاحتجاج عليه وحتى المؤسسات التي انبثقت من حرب الاستقلال. فالمنظومة السياسية تبدو أنها مستهدفة وإن لم يتم طرح البديل. هناك مخاطر جدّية من الانزلاق إلى الفوضى.
ما يثير القلق حول الانزلاق إلى الفوضى هو رفع شعار "إلغاء الشرطة" في العديد من المدن. كما أن الدعوات لإلغاء أو تقليص موازنات الشرطة واستعمال الأموال على "مشاريع اجتماعية" غير معروفة تشكّل متن الخطاب الشعبوي الذي يروّجه المنتفضون على العنصرية. وهناك احتمال كبير لتوريط المؤسسة العسكرية في الصراع الداخلي المتفاقم، غير أنه حتى الساعة استطاعت المؤسسة العسكرية أن تحيّد نفسها. هنا نستذكر تقييم الدكتور خير الدين حسيب لشروط نجاح الاحتجاجات الشعبية أي ضرورة تحييد المؤسسة العسكرية في الحد الأدنى أو الحصول على تأييدها. يصعب التكهّن بما ستؤول إليه الأمور بالنسبة إلى المؤسسة العسكرية، لكنها ستكون حاسمة لتحديد المسارات المحتملة للحراك الشعبي الأميركي.
الكاتب والمفكّر الروسي ألكسندر دوغين يصف الحالة الأميركية بالخطرة جدّاً. وكذلك عدد من المفكرين والمحلّلين المحافظين كبيتر لافيل وفيليب جيرالدي وبات بيوكانان على سبيل المثال وليس الحصر. وفي رأينا إن ما يحصل في الولايات المتحدة يظهر بشكل واضح التناقض البنيوي بين النظام الرأسمالي المستند إلى طابع ديني كما شرحه ماكس فيبر وبين النظام الديمقراطي الذي تتكلّم عنه النخب المثقّفة في الولايات المتحدة والغرب عموماً، ولكن الذي فقد فحواه بسبب الرأسمالية وتمركز المال في يد القلّة على حساب ليس الأكثرية بل الشعب أجمع. فعلى ما يبدو أصبحت كتابات جوزيف شومبيتر عن الرأسمالية والديمقراطية، أقرب إلى الوهم من الواقع، وكذلك كتابات فريدريك فون هايك عن الحرّية المطلقة التي حاول الليبراليون ربطها بالديمقراطية. هذه قضايا لا تقلّ أهمية عن موضوع التمييز.

* *كاتب وباحث اقتصادي سياسي والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي