خلال الأسبوع الماضي، برز خبر اقتراب الصين وإيران من توقيع اتفاقية تعاون اقتصادي وأمني بقيمة 400 مليار دولار على مدى 25 عاماً. في ظلّ الصراع الأميركي- الصيني الآخذ في الاتساع، فإن اتفاقاً كهذا يتخطّى قيمته المعلنة، ولا يمكن فهمه إلا من خلال مسار يمتد عميقاً في الزمن ومرتبط بضمور طريق الحرير في غرب آسيا. هو سياق تاريخي يسمح بفهم المستقبل وجدوى الانخراط في المبادرة الصينية.


إيران: خسارة الأرض والسيادة
يقول ريتشارد باين في بحثه «طريق الحرير والاقتصاد السياسي الإيراني في العصور القديمة المتأخرة»، إن الساسانيين طوّروا إنتاج سلع مرتفعة القيمة في مراكز الإنتاج الحضري من أجل تسويقها على طول طريق الحرير. لذا، فإن إيران لم تعد مجرد ممرّ للحرير والسلع الشرقية الأخرى من شرق آسيا، بل أصبحت موقعاً لتحويل المواد الخام إلى سلع مطلوبة عند النخب الإمبراطورية الإيرانية والصينية والرومانية.
هذه البنية التحتية الصناعية، استمرت حتى الاجتياح المغولي. بحسب «شينرو لو» في كتابها «طريق الحرير في التاريخ العالمي»، فإن المغول نقلوا الحرفيين والصناعيين الإيرانيين من المدن الحضرية الإيرانية إلى منغوليا. بنتيجة ذلك، لم تتعاف القدرات التصنيعية والزراعية الإيرانية من هذا النزوح القسري، بل فقدت إيران جزءاً أساسياً من قدرتها على إنتاج قيمة مضافة من السلع التي تمر عبر طريق الحرير في مدنها. لكن الخسارة الكبرى في القيمة المضافة على تجارة طريق الحرير، تمثّلت في سيطرة الأوروبيين على ممراته الجنوبية.
ومع صعود الدولة الصفوية كان النقل البحري قد بدأ يلعب دوراً حاسماً في التجارة الدولية العابرة للقارات، بحسب محمد علي رنجبار ورضا مانِش، في «الطرق الجديدة لتجارة إيران الدولية في الحقبة الصفوية». فقد امتلكت الدول التي يمكنها الوصول بسهولة إلى الممرات المائية الدولية، الميزة النسبية للعبور بشرط امتلاك سلاح بحري فعّال وآمن ومنضبط ومعدات نقل أكثر تطوّراً.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

وكان البرتغاليون قد احتلوا عمان ومملكة هرمز عام 1507، ما حرم الدولة الصفوية الفتية من السيطرة على ممرات التجارة عبر المحيط الهندي والخليج. ووفق جون فوران في بحث بعنوان «السقوط الطويل للسلالة الصفوية»، فإنه ابتداءً من القرن السادس عشر ولغاية القرن السابع عشر، تدفقت الفضة، وبدرجة أقل الذهب، من مناجم أميركا اللاتينية إلى إسبانيا، ومنها إلى جميع أنحاء أوروبا. وحملت الأساطيل الأوروبية هذه المعادن إلى الشرق لاستبدالها بالسلع القيّمة، مثل الحرير والتوابل. يومها كان الإيرانيون يبيعون إنتاجهم من الحرير عبر طرق بريّة تمرّ بالأراضي العثمانية نحو شرق المتوسط. ورغم احتكار الصفويين لتجارة الحرير وقدرتهم على توجيهها في الطريق الملائم لهم، إلا أن الفضة والذهب المحصلين مقابل المبيعات في الأسواق العثمانية (وخصوصاً حلب)، كانا يُنفقان على شراء سلع الشرق كالتوابل والمخدرات والقطنيات التي يأتي بها الأوروبيون عبر المرافئ الهندية.
محاولة الصفويين استعادة السيطرة على الممرات التجارية عبر الخليج وطرد البرتغاليين من هرمز عبر الاستعانة بالإنكليز، كبّدتهم تنازلات اقتصادية. ففي عام 1622 نجح التحالف بين الطرفين في تحرير هرمز، إلا أنه بحسب رنجبار ومانِش، حصل الإنكليز على إعفاءات ضريبية وقسم من أرباح مرفأ بندر عباس، فضلاً عن مزيد من التسهيلات للشركات الإنكليزية في أسواق شيراز وأصفهان. هذا أسهم في دخول الشركات الإنكليزية على خط تجارة الحرير الإيراني من داخل الأسواق الإيرانية. ومع اكتشاف الإنكليز، عام 1650، لمصادر حرير أرخص في البنغال بعيداً عن احتكار الشاه، انخفضت المداخيل من التجارة مع الأوروبيين بينما ازداد نزف الفضة والذهب لشراء السلع القادمة من الشرق.
ويصف فوران ما حصل بعد عام 1650 بأنّ إيران أصبحت كممر قوافل للفضة والذهب وكانت الشركات الأوروبية تستفيد مرتين؛ لأنّها تورّد الحرير الإيراني إلى الأسواق الأوروبية، ولأنها ترفد الأسواق الإيرانية بالتوابل وسلع آسيوية أخرى. وفي العمليتين كانت الشركات الأوروبية تخلق قيمة مضافة، فتضيف تكاليف على استيراد التوابل، وتقتطع من أرباح تصدير الحرير. وهكذا كانت أي أموال تحصّلها إيران من التصدير غرباً تخرج منها لشراء السلع من الشرق.
وفي الوقت الذي كانت الخزينة الصفوية تنزف العملة بسبب اختلال ميزان التجارة الخارجية، كانت الأسعار داخل إيران ترتفع بسبب التضخّم في الإمبراطورية العثمانية. وهذه الأخيرة أصيبت بالتضخم بسبب ارتباطها بالأسواق الأوروبية التي تأثرت بدفق الفضة والذهب الأميركيين، كما يشرح فوران. وتسبّب هذان العاملان بفقدان العملة من الأسواق الإيرانية واضطراب التجارة والمزيد من ارتفاع الأسعار. فكانت النتيجة تضرّر كل فئات المجتمع، وخصوصاً البيروقراطية الصفوية التي كانت تعتمد على الدخل الثابت، والفقراء من سكان المدن. كما دمّر الاضطراب التجاري طبقة التجار والصناعيين. كل هذا أدّى إلى انهيار الدولة الصفوية في القرن الثامن عشر بعد تغييرات جذرية في تكوينها الاجتماعي. وما تبعها كان انحداراً تدريجياً للدولة الإيرانية خسرت من خلاله جغرافيا واسعة والسيادة الاقتصادية في مسار استمر حتى القرن العشرين.
بنتيجة سيطرة الأوروبيين على الممرات الجنوبية لطريق الحرير على إيران، خرجت إيران من النظام التجاري الرأسمالي العالمي الحديث التكوين. هي لم تكن جزءاً من المركز الرأسمالي التجاري الأوروبي ولم تكن طرفاً آسيوياً، لأنها لعبت دور الطرفين فاشترت المنتجات الآسيوية من الأوروبيين وباعتهم منتجاتها، وحُرمت من أي فرصة لتكوين تراكم رأسمالي يسمح لها بمنافسة المركز الغربي.

العثمانيون: من إمبراطورية إلى طرف في إمبراطورية
إيران لم تكن في غرب آسيا المتضرر الوحيد من تبعات سيطرة الأوروبيين على الممرات الجنوبية لطريق الحرير. فكما يشرح رودولف ماتهي في «سياسات التجارة في إيران الصفوية»، فإن العلاقة بين الاقتصادين الصفوي والعثماني كانت علاقة عضوية ووثيقة. وكلّ حروبهما التي خيضت بعناوين صراعات توسع امبراطوري والصراع الديني، تمحورت أيضاً حول السيطرة على طرق التجارة بين المحيط الهندي والبحر المتوسط، أي الممرّات الجنوبية لطريق الحرير. لذا لا يمكن عزل الإمبراطورية العثمانية (ومن ضمنها البلاد العربية من العراق حتى الجزائر) عن تبعات ما حصل في إيران بسبب السيطرة الأوروبية على الممرات البحرية الآسيوية.
وكما الدولة الصفوية، اتبعت الإمبراطورية العثمانية سياسة مالية إمبراطورية. أي إن مالية الدولة مركزية، حيث يُجمع كل الذهب والفضة في خزينة الدولة قبل أن يعاد توزيعهما. ويلفت خليل انالشيك، في «تاريخ اقتصادي واجتماعي للإمبراطورية العثمانية» إلى أن العثمانيين حصلوا على الذهب والفضة من مصدرين: الاستثمار في مناجم الذهب والفضة في صربيا والبوسنة، وعبر التجارة الدولية. وفي القرن السادس عشر وبدايات القرن السابع عشر، أهم ما كان قد صدّرته الدولة العثمانية إلى الأوروبيين هو الحرير الإيراني والتوابل والملبوسات الهندية. وازداد اعتماد واردات الخزينة على هذه التجارة بعد سقوط المماليك وسيطرة العثمانيين على تجارة البحر الأحمر والخليج (القادم من إيران)، حيث كانت حلب مركز التجارة.
كذلك يشير ريشات كاسابا، في كتابه «الإمبراطورية العثمانية والاقتصاد العالمي»، إلى أن التوسّع المطّرد للإمبراطورية العثمانية في القرن السادس عشر، خلق ضغطاً على الخزينة العثمانية على المدى الطويل. لكن هذا لم يكن السبب الرئيس للسياق الانحداري العام للاقتصاد العثماني منذ نهايات القرن السادس عشر. فهذا المسار كان يشهد تقلّبات تتزامن مع التحوّلات الأوروبية ذات التأثيرات الطويلة الأمد. لكن الانقلاب التاريخي العثماني الأهمّ كان مع التحوّل النهائي لمركز ثقل التجارة الأوروبية من البحر المتوسط إلى المحيط الأطلسي في نهايات القرن السادس عشر. فأصبح الشمال الغربي لأوروبا، مركز الاقتصاد العالمي الرأسمالي الناشئ.
وفي نهايات القرن السادس عشر وبدايات القرن السابع عشر، شهدت الإمبراطورية العثمانية تضخّماً وارتفاعاً كبيرين في أسعار السلع، بالإضافة إلى نزف الخزينة التي فقدت جزءاً مهماً من مدخولها بسبب سيطرة الأوروبيين على تجارة التوابل والحرير وتحويل طرق تجارتها من المتوسط إلى الأطلسي.
هذان العاملان مطابقان لما حصل في إيران في الفترة نفسها، ونتائجهما المباشرة كانت متطابقة تقريباً؛ تغيّرت تركيبة طبقة التجار، وسيطر عليها المواطنون من غير المسلمين، وتغيّرت البنى العمّالية والعلاقات بين الصناعيين والفلاحين والدولة، كما يقول كاسابا. فبسبب العجز المستمر في الخزينة، وسّع العثمانيون رقعة نظام الإقطاع، الذي أفقد الدولة تدريجياً قدرتها على الإشراف على الزراعة التي كانت الأكبر والأهم في في الاقتصاد الإمبراطوري. وابتداءً من القرن السابع عشر، أصبحت الحكومة العثمانية أقل قدرة على التحكم بالإنتاج في الصناعات الحضرية أيضاً بسبب عدم قدرتها على توفير الاستقرار النقدي، ونزوح الفلاحين الفقراء إلى المدن، وبسبب الإرهاق الاقتصادي الناجم عن الحروب.
ما تعيشه اليوم شعوب ودول غرب آسيا جاء نتيجة سياق طويل يمتدّ على ستة قرون من الحرمان، من مراكمة رؤوس الأموال مقابل تحويلها إلى نظام اقتصادي رأسمالي عالمي موحّد مركزه الغرب


المفارقة أن النتائج الطويلة الأمد كانت مختلفة عمّا حصل في إيران. فالدولة العثمانية دُمجت بالنظام التجاري العالمي الحديث التكوين. ويضيف كاسابا، أن هذا الدمج اكتمل في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، عندما تغيرت العلاقات التجارية بين الإمبراطورية العثمانية وأوروبا. فتحوّلت التجارة العثمانية-الأوروبية إلى تصدير مجموعة متجانسة من المحاصيل النقدية التي كانت مطلوبة بشدة في أوروبا، والتي كان يُزرع معظمها في الولايات الغربية للدولة العثمانية وتُصدّر من هناك. والمستفيد الرئيس من هذه التجارة لم يعد البيروقراطيون بل هم التجار غير المسلمين في هذه المناطق وممولوهم وشركاؤهم في إسطنبول. وهذا أدّى إلى اندماج هذه المناطق أكثر من غيرها في النظام التجاري العالمي الجديد، وحرم المركز العثماني من إيرادات كان يعتمد عليها في السابق. فلم تعد توجد أموال لإعادة توزيعها على باقي ولايات الامبراطورية. وفي ثلاثينيات القرن التاسع عشر، قامت بريطانيا العظمى بدمج الأراضي العثمانية في إمبراطوريتها بشكل غير رسمي، وأصبحت الضامن لوحدة الدولة العثمانية. بينما بدأت الأطراف الغربية للدولة بالتفكّك. وأصبحت الإمبراطورية العثمانية بعدها طرفاً يغذّي المركز الأوروبي في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، في سياق رسم شكل وعلاقات شعوب المنطقة إلى اليوم.

أكثر من أرقام
من المغري البحث عن نقاط أو أحداث منفردة في التاريخ لنحمّلها مسؤولية ما آلت إليه الأمور اليوم، لكن التاريخ عبارة عن سياقات طويلة مبنية على مجموعة تراكمات بفترات زمنية متفاوتة. في حالة دول غرب آسيا، فإن ما تعيشه شعوبها اليوم هو نتيجة سياق طويل ممتدّ على ستة قرون من حرمان شعوبها ودولها من مراكمة رؤوس الأموال مقابل تحويلها إلى نظام اقتصادي رأسمالي عالمي موحّد مركزه الغرب. هذا النظام تأسّس بسبب سيطرة الغرب على طرق التجارة العابرة للقارات، لذا أي مسعى لخلق طريق تجارة عالمي بديل والانخراط فيه هو عبارة عن أكثر من أرقام في اتفاقيات، بل هو بارقة أمل بعكس سياق التاريخ وكسر أحادية النظام الذي جنّدنا لخدمته في الأطراف.