هزّت كارثة 4 آب مدينة بيروت والمشهد السياسي في لبنان، فاستقالة حكومة رئيس مجلس الوزراء حسّان دياب التي تلت الانفجار أسفرت عن إعادة تنظيم عملية توزيع السلطة السياسية. تشكّل إعادة تنظيم السلطة هذه سحب ما تبقى من دعم سياسي لخطة التعافي المالي التي صاغتها الحكومة المنتهية ولايتها ومجموعة الاستشارات المالية لازارد Lazard. فقد انسحب أعضاء فريق المستشارين الماليين الذين كانوا يعدّون الخطة، الواحد تلو الآخر، نتيجةً لما تعرضوا له من ضغط سياسي مارسته النخب الطائفية ومجلس النواب وجمعية المصارف اللبنانية.

لا تواجه هذه النخب والقطاع المصرفي حالياً سوى مقاومة سياسية محلية بسيطة للتصدي للأفكار التي تطرحها من أجل حلّ الأزمة المالية. فباستقالة حكومة دياب ومستشاريها، استقال آخر المدافعين عن المطلبين الأساسيين اللذين صيغت على أساسهما خطة التعافي المالي:
- أولاً، مساهمة منصفة من المستفيدين من السياسات المالية التي اعتُمِدَت في المراحل السابقة.
- ثانياً، تجنّب خصخصة أصول الدولة التي ستفاقم عدم المساواة.
هذان المطلبان معرّضان للخطر أكثر من أي وقت مضى، ما سيؤدي إلى إطالة أمد الأزمة على حساب المجتمع ككل. فبعد أشهر من الجدل بشأن الخطة التي شكّلت نقطة انطلاق للمفاوضات مع صندوق النقد الدولي، لم يعُد في وسع أي طرف إلا المجتمع الدولي الضغط لتكون الخطة نقطة انطلاق للتعافي.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

لقد استرعى انفجار بيروت انتباه القادة في جميع أنحاء العالم إلى حالة الاستياء السائدة في لبنان. فسارع دبلوماسيون ووزراء ورؤساء دول لزيارة مرفأ المدينة والمسؤولين اللبنانيين، وقدّم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خطته الإصلاحية مصحوبة بتهديدات صريحة بفرض عقوبات على النخب السياسية في حال استمرار التقاعس عن العمل.
في الواقع، لبنان موعود بمليارات الدولارات من المساعدات والتحويلات المالية للتخفيف من الآثار المدمرة للانفجار التي تقدّر بنحو 4 مليارات دولار من الدمار المادي و3.2 مليارات دولار من الخسائر في النشاط الاقتصادي. إلا أنه في إطار الاقتصاد السياسي المعقّد في لبنان، قد تخدم هذه المساعدات النخب السياسية لا المواطنين. وتجنباً لقيام هذه النخب باستغلال الكارثة التي حلّت ببيروت وسكانها، يجب أن يقترن تقديم المساعدات الدولية الهادفة إلى إعادة إعمار البنية التحتية العامة بشرط وجود برنامج موثوق به من صندوق النقد الدولي، ينطوي على خطة للتعافي الاقتصادي والمالي تحمي الناس من إطالة غير مبررة للأزمة.

مواجهة سياسية بين رؤى متنافسة
يستلزم تقييم المخاطر التي ينطوي عليها الدعم المالي الدولي تحليلاً للدوافع التي تُسيِّر ذوي المصالح والجهات السياسية في الساحة المحلية. وفي ما يتعلق بخطة التعافي، يغرق لبنان في مواجهة سياسية بين مجموعتين من ذوي المصالح تتبنّيان مسارين مختلفين اختلافاً جذرياً؛ فالتعافي هو رفع القيود المفروضة على حسابات رأس المال من خلال استعادة الودائع، واعتماد نموذج للنموّ الاقتصادي المستدام. لذا، إن السؤال المحوري لهذه المواجهة هو: كيف تُمَوَّل وتُوَزَّع أعباء الخسائر المتراكمة؟
أتت هذه الأطراف برؤيتين متنافستين، ففي الرؤية الأولى، تبنّى المستشارون الحكوميون رؤية استندت إلى توجيهات Lazard ثم اكتسبت طابعاً رسمياً في خطة التعافي المالي التي صدرت عن الحكومة المنتهية ولايتها.
وتنطلق هذه الخطة من مبدأين متمايزين عن الخطط الأخرى:
- أولاً، تُقرّ بالحاجة الملحة الى التمويل الخارجي للحدّ من التضخّم وضمان استيراد السلع الأساسية وتخفيف القيود على حسابات صغار المودعين لتيسير النشاط الاقتصادي والتخفيف من حدّة التوتر الاجتماعي.
- ثانياً، في محاولة لتوزيع الأعباء بشكل منصف بين مختلف الأطراف المعنية مثل كبار وصغار المودعين وغير المودعين، تطالب الخطّة بمساهمة أصحاب الأسهم في المصارف وكبار المودعين في تمويل الخسائر. وتحديداً، أن تُستَخدَم الأسهم المصرفية (الرساميل) لتغطية الخسائر في موازنات المصارف. ثم يخضع 2% من أصحاب الودائع الكبرى (الذين استفادوا بشكل غير منصف من السياسات المالية) لعملية «إنقاذ داخلي» يتمثّل أحد أشكالها بتحويل قسري لودائعهم إلى أسهم مصرفية ما سيؤدي إلى تخفيف الطلب الكلّي على الأوراق النقدية بالدولار، وإلى رفع القيود المفروضة على الودائع الصغيرة والحدّ من التضخم.
وفي المقابل، تصدّى ذوو المصالح النافذون لخطة التعافي المالي، فقدّمت جمعية المصارف اللبنانية رؤية بديلة لمعالجة الخسائر وضغطت لكي يعتمدها صنّاع القرار المحليون والدوليون. وفي محاولة للتخفيف من خسائر القطاع المصرفي، دعت إلى تغطيتها عبر خصخصة أصول الدولة مثل احتياطيات الذهب والشركات المملوكة من الدولة مثل طيران الشرق الأوسط، أي أنه سيتم تجديد الودائع المحجوزة من خلال عائدات الأصول المخصخصة التي ستُضخ في «صندوق فسخ الدين». وإذا لم تُنتِج هذه الأصول ما يكفي من العائدات لتغطية الخسائر، تُصادر عندئذٍ لمصلحة المودعين.
لقد أدركت جمعية المصارف أن أفضل طريقة لعرقلة خطة التعافي المالي هي في طلب دعم البرلمان الذي شكّل عبر لجنة المال والموازنة «لجنة لتقصي الحقائق» تضمّ أعضاء من أبرز الأحزاب السياسية (إبراهيم كنعان [التيار الوطني الحر / رئيساً]، ونيكولا نحاس [حركة العزم بقيادة نجيب ميقاتي]، وياسين جابر [حركة أمل]، وعلي حسن خليل [حركة أمل] وسمير الجسر (تيار المستقبل) وعلي فياض (حزب الله) وإيدي أبي اللمع (القوات اللبنانية) وميشال معوض (حركة الاستقلال) وجهاد الصمد (تيار الكرامة) وفيصل الصايغ (الحزب التقدمي الاشتراكي).
عملت هذه اللجنة على تحديد «القيمة الحقيقية» لخسائر مصرف لبنان والقطاع المصرفي، من خلال تغيير طريقة احتسابها؛ فأعيد تقييم خسائر الديون المستحقة بعد عام 2027 بسعر الصرف الرسمي البالغ 1515 ليرة لبنانية للدولار الأميركي عوضاً عن 3500 ليرة لبنانية للديون المستحقة قبل ذلك التاريخ، في ظل ترقّب مشكوك فيه لاستعادة الليرة اللبنانية قيمتها مع مرور الوقت. ثم خُفّض عدد وقيمة القروض الحكومية المتعثرة.
تشكل الخطّة حالة من الممكن أن تكون الأولى من نوعها عالمياً، حيث يُضعف فيها البرلمان الموقف التفاوضي لحكومته من خلال اقتراح خفض أقل للدين الحكومي (60% في نسخة مبكرة من خطة البرلمان مقابل 75% في خطة الحكومة).
فبهذه الطريقة، تحدّد خطة البرلمان «القيمة الحقيقية للخسائر» بنحو 33 مليار دولار فقط، ما من شأنه أن يحول من دون تعثّر المصارف فعلياً، إذ تحافظ على بعض من رساميلها. وأدى الخلاف العلني بين مجلس النواب وجمعية المصارف اللبنانية ومناصري خطة التعافي المالي، حول الأرقام والخسائر، إلى إعاقة اعتماد برنامج سريع لصندوق النقد الدولي، علماً بأن معظم الإجراءات الإصلاحية الواردة في الخطة تتطلب موافقة البرلمان، لذا لا يرجح أن تُقَرّ في إطار التركيبة السياسية الحالية للسلطة.
لكن الأهمّ هو أن الضرورة الملحة لاعتماد برنامج مع صندوق النقد الدولي قد تغيّرت. ففي حين لم تكن أي «حكومة صديقة» مستعدة لتقديم المساعدة، أدّى تدفق المساعدات الأجنبية بعد وقوع الانفجار إلى تغيير حسابات النخب السياسية. وتبيّن هذا التغيير من خلال تعبير الرئيس ميشال عون عن نظرة النخب لموقف لبنان تجاه الجهات المانحة الدولية بقوله: «الانفجار كسر الحصار [العزلة السياسية] عن لبنان». ومن الفادح أن يتمّ التقليل من شأن المطالبات المشروعة لملايين اللبنانيين بالحوكمة والإصلاحات العادلة والفعّالة، إلا أنه يبدو أن القبول بأي برنامج إصلاحي ليس مدرجاً على جدول أعمال النخب اللبنانية.

لماذا تُعارض النخب السياسية خطة التعافي المالي؟
من وجهة نظر النخب السياسية، قد يبدو رفض خطة التعافي المالي ضمن برنامج صندوق النقد الدولي منطقياً للوهلة الأولى. ولكن، إذا كان من شأن الخطة أن تقوّض شرعية وسلطة هذه النخب، فقد تكون كلفة استمرار الجمود في نهاية المطاف أعلى من كلفة التنازلات في سبيل الإصلاح.
في المقام الأول، ستدور الخطّة حول القطاع المصرفي الذي كان لفترة طويلة إحدى أكثر الأدوات فعّالية في إعادة التوزيع على أساس الزبائنية ودمج النخبة، فمن بين المصارف العشرين الكبرى في لبنان، تضمّ مجالس إدارة 18 مصرفاً، منها سياسياً واحداً أو صديقاً مقرباً أو قريباً لأحد السياسيين على الأقل. ومن خلال شراء ديون الحكومة بأسعار فائدة مبالغ فيها، زوّدت المصارف السياسيين بالأموال لتمويل شبكات المحسوبية عبر عقود الشراء أو عبر التوظيف في المؤسسات الحكومية. وسدّد الفاتورة دافعو الضرائب العاديون من خلال أسعار الفائدة المرتفعة على القروض التي زاحمت الاستثمار الخاص وزادت من ارتفاع الدين العام. واكتسبت هذه الآليات أهمية كبرى بالنسبة إلى النخب لدرجة أنها أصبحت خارج الاشتباك والجمود السياسيين اللذين عادة ما يعرقلان النشاط التشريعي والتنظيمي. فعلى سبيل المثال، واصلت الحكومات إصدار القوانين والمراسيم والقرارات المتعلقة بالمؤسسات المالية والمصارف والمالية العامة، فيما شهدت جميع المجالات الأخرى تراجعاً كبيراً خلال سنوات الشلل السياسي بين عامي 2013 و2016.
خطة الإنقاذ المالي تعرّض هذه الآليات للخطر من خلال اشتراط تعديل المعايير المحاسبية الخاصة بالمصارف. فمثلاً، سيتعيّن تقييم الأصول المصرفية، ولا سيما الدين الحكومي، بالقيمة السوقية لا بالقيمة الاسمية من أجل خفض قيمة الخسائر التي تكبّدتها سندات الخزينة المتعثرة. وبهذه الطريقة، ستعكس الموازنة العمومية الخاصة بالمصارف القيمة الحالية لتلك الأصول بدلاً من السعر الأصلي المدفوع. كذلك تطالب بتخفيف تفاوت قيمة العملة عن طريق تعويم الليرة اللبنانية مقابل الدولار والتخلّص من ربطها به. وستفوق الالتزامات المعاد تقييمها وفقاً لسعر الصرف الجديد ما يقابلها من أصول بشكل فادح.
وفي هذه المرحلة، سيضطر العديد من المصارف إلى شطب الرساميل لتغطية الخسائر وإعلان الإفلاس. وسيتعرض القطاع بأكمله للضغوط من أجل إعادة الهيكلة، وستُجرى تعيينات جديدة في مجالس إدارة المصارف وفي جمعية المصارف على الأرجح. وسيكون ضرورياً تعزيز الإشراف على المصارف ما سيتيح فرصة حقيقية للتغيير. وسيبقى أمام المصارف خيار إعادة الرسملة من خلال عائدات بيع الأصول الخارجية، مثل الفروع الدولية المربحة، أو نقل الملكية إلى المودعين. وسيترافق هذا الأمر مع عملية إنقاذ داخلية من قبل كبار المودعين الذين سيضطرون في نهاية المطاف إلى تغطية الخسائر المتبقية - مساهمة أصحاب الودائع التي تتجاوز 500 ألف دولار على سبيل المثال، الذين استفادوا بشكل غير منصف من السياسات المالية السابقة. ومن شأن ذلك أن يعرّض أعضاء مجلس الإدارة وكبار المساهمين في المصارف، بمن فيهم من سياسيين، للملاحقة القانونية.
ومن شأن إجراءات التعديل المالي أن تقوّض الآليات التي تعتمدها النخب السياسية في إعادة التوزيع على أساس الزبائنية. فعلى سبيل المثال، ستؤدي إجراءات التقشف في الإدارة العامة إلى تجميد التوظيف في القطاع العام، في حين أن أنظمة الأجور والمعاشات ستؤثر سلباً على جاذبية وفعّالية استخدام مؤسسات الدولة الرسمية كأدوات لممارسة المحسوبية. والمثال الآخر هو إصلاح عملية الإشراف على المشتريات العامة وتنظيمها، ما سيحول من دون تمكّن النخب السياسية من شراء الناخبين من خلال عقود أشغال البناء العامة المضخّمة.
هذه أبرز الإصلاحات التي قد تنطوي عليها خطة التعافي المالي وأي برنامج لصندوق النقد الدولي. والتحسينات في الامتثال الضريبي، ورفع الضرائب على الأرباح والثروة والدخل المرتفع، فضلاً عن تعزيز مؤسسات الرقابة، مثل ديوان المحاسبة والتفتيش المركزي، قد تثبت فعّاليتها في كبح الفساد وإعادة توزيع الأموال العامة على أساس الزبائنية. في الواقع، رغم جميع المخاطر والعيوب التي قد تشوب برنامج صندوق النقد الدولي القائم على خطة التعافي المالي، يمكن لهذا البرنامج أن يحدّ من وصول النخبة السياسية إلى أموال الدولة ومواردها.

ارتفاع كلفة الحُكم
كلفة رفض الخطة، رغم الاهتمام الدولي المتجدد، باهظة وغامضة النتائج. أما البديل الذي اقترحته اللجنة النيابية وجمعية المصارف اللبنانية فهو في أفضل الأحوال غير مستدام وسيؤدي إلى اشتداد حدّة الأزمة. ورغم ما تحمله الخطة من تهديدات للنخب السياسية، فالنية وراء الرغبة الواضحة في قبول هذه الكلفة ليست واضحة المعالم.
ببساطة، لن تنجح عمليات الخصخصة. فمن غير المرجّح أن تؤدي تقديرات القيمة الإجمالية لموجودات الدولة، البالغة 40 مليار دولار والتي يُستشهد بها كثيراً، إلى تدفق كبير لاستثمارات أجنبية موازية. فالخصخصة في أوقات الأزمات تفتقر إلى الفعّالية، ولا سيما أن المستثمرين يستغلون أوضاع الحكومات غير المستقرة. والنتيجة في العادة هي بيع الموجودات بسعر دون القيمة الحقيقية، وما يفاقم هذا الوضع هو أن مؤسسات المشتريات العامة اللبنانية معروفة بفسادها وبغياب الرقابة عليها.
كما أن توليد الإيرادات الناتجة عن الخصخصة يستغرق وقتاً طويلاً. أما المبيعات فتحتاج إلى استدراج العروض وتقديم العطاءات فضلاً عن مناقشتها في مؤسسات سياسية تعمل ببطء شديد. حتى الإيرادات المتأتية من العمليات التي تجريها الشركات الحكومية والتي تديرها صناديق مخصصة لها، مثل الاتصالات، تستغرق سنوات عديدة قبل تجميع المبالغ الكافية لتجديد الودائع. فإلى جانب حرمان الدولة من الأموال التي يجب استثمارها في الخدمات وعدم المساواة الناجم عنه، لا يملك الاقتصاد اللبناني المتعثر والشعب الجائع ترف الوقت. وسيبقى مصرف لبنان المموّل الرئيسي للحكومة عن طريق الرسوم على صكوك العملة. وسيؤدي التضخّم إلى خفض قيمة ما تبقّى من الودائع الأصغر ما يسبّب في خفض قيمة المدخرات بالليرة اللبنانية مع إطالة أمد القيود على جميع الودائع، لا الودائع الكبيرة فقط.
إن أنصاف الحلول مستحيلة في هذه المرحلة. فقد أصبحت الأزمات عميقة لدرجة أن عدم حلّ المشكلات الهيكلية الكامنة وراءها لن يعود بالفائدة على أي طرف، بما في ذلك النخب السياسية. وفي نهاية المطاف، ستؤدي القيود المفروضة على الحسابات وتدابير التقشف المعوِّقة إلى تفكّك الآليات السائدة التي لا تزال تربط الناخبين بالنخب السياسية.
الرواية الشائعة لخطة جمعية المصارف والبرلمان هي حماية المودعين وحفظ الثروات الخاصة من أيدي الحكومة الجشعة. لكن الواقع هو أن خطتهما تسعى الى الإمعان في تعرية غير المودعين من أملاكهم لمصلحة كبار المودعين، أي أفراد المجتمع الذين استفادوا بشكل غير منصف من السياسات المالية في السابق. وبذلك ستواصل هذه الخطط تأجيجَ الاستياء وتفاقم عدم المساواة في أحد المجتمعات الأكثر معاناةً من هذه الآفة على كوكب الأرض.
لكن مع تسجيل عدم المساواة أرقاماً قياسية جديدة، ومع زيادة الاستقطاب، وتآكل الطبقة الوسطى، وتراجع الشعور بالرضا عن الحياة، قد تتحوّل الاضطرابات الاجتماعية في النهاية إلى عنف طائفي لا تُعرَف عقباه. وفي غياب أي طريقة لاستعادة شبكات المحسوبية التي منحت النخبة السياسية شرعيتها في الماضي، ستبقى سلطة النخب مفوّضة بغض النظر عن ذلك وتضطر للحفاظ على ولاء ناخبيها من خلال دبّ الذعر في قلوبهم. وقد لا يترك هذا المسار أي وسيلة لبقائها في السلطة سوى الهروب إلى الأمام باتجاه مزيد من الاستقطاب والعنف، وكلفة هذا الهروب ستكون أكثر دماراً من كلفة التنازل والقبول بالإصلاحات.

البديل: استخدام موجودات الشعب لشراء الوقت
يبدو أنّ خيار التنازل عن السلطة – عبر قبول برنامج صادر عن صندوق النقد الدولي أو السماح بتشكيل حكومة مستقلة تتمتع بصلاحيات واسعة - غير مطروح حالياً، شأنه شأن الهروب الى الأمام نحو المواجهة المفتوحة. فمع مسارعة جميع الأطراف الى استرجاع روح المواجهة الطائفية التي بدأت بالتحريض عليها في أوائل حزيران، تبدو النخب حذرة في توظيف الاستقطاب السياسي لتعزيز أهدافها في هذه المرحلة.
وبذلك، ما تمليه اللحظة هو ما عوّدنا عليه ساسة لبنان: شراء الوقت، واستغلال عملية تحوّل الأنظار إلى كارثة بيروت، إذ سيستمر إضفاء الطابع الأمني على المجتمع، وسيتواصل قمع الاحتجاجات في الأشهر المقبلة. فمع إعطاء الزعماء الأولوية للأمن كشرط مسبق للتقدم السياسي، أصبح استخدام القوة وانتهاك حرية التعبير من الإجراءات المنهجية التي تندرج ضمن مجموعة أدوات الأجهزة الأمنية. وإعلان حالة الطوارئ في بيروت وتمديدها بعد الانفجار ومنح الصلاحيات للجيش لضمان أمن المدينة هي آخر الإجراءات ضمن سلسلة طويلة.
كذلك، في ظلّ تراجع القدرة الشرائية الذي يؤدي إلى خفض كلفة ولاء الدوائر الانتخابية، بدأت الشبكات الزبائنية بالتعويض عن خسارة آليات المحسوبية التي تقودها الدولة والاستعاضة عنها بآليات محسوبية خاصة. وقد غيّر مقدمو الخدمات الطائفيون استراتيجيتهم ببساطة من توفير فرص العمل إلى توفير الكراتين الغذائية.
على المدى المتوسط، ستؤدي الهجرة الجماعية إلى تغذية الآليات نفسها التي أبقت مخطط بونزي على قيد الحياة حتى العام الماضي. وفيما ستسعى الطبقة الوسطى المتعلمة للحصول على فرص العمل في الخارج لدعم أقاربها في الوطن، سيتراجع الاستهلاك المحلي وقد تصبح التحويلات جنباً إلى جنب مع المساعدات الخاصة والعامة، مرة أخرى، العمود الفقري للنموذج الاقتصادي اللبناني. وسيؤدي ذلك إلى تشتّت الجزء الأكبر من معارضي النخب الحزبية، وستتسبّب الهجرة بإفراغ لبنان من أهم موجوداته وأكثرها قيمة: شعب لبنان وأفكاره وروح المبادرة الفردية.

لا تنتظروا الإصلاح، انتظروا التسوية
عندما تكون كلفة الانتظار، باعتبارها الفرصة البديلة، مخيفةً وعندما تتعاظم كلفة الحكم لدرجة لا يمكن التنبّؤ بها، ما الفائدة من شراء الوقت؟
لا تركّز المعركة السياسية الحالية على إيجاد حلّ للتحديات التقنية المتعلقة بكيفية توزيع مكاسب وخسائر الإصلاح. فباستقالة فريق المستشارين الماليين الذين صاغوا خطة التعافي المالي يظهر أن المشكلة لا تكمن داخل النظام، إذ إن الحلول التقنية متوفرة وكذلك الأشخاص المدعوون إلى تنفيذها. المشكلة هي النظام.
من خلال شراء الوقت، راهنت النخب السياسية على فرص الضغط دولياً للحصول على الدعم السياسي والمالي. وتُعَدّ مبادرة البطريرك الماروني إلى الالتزام بحياد لبنان في وجه نزاعات الجوار، بدعم من الجهات الفاعلة الدولية والأطراف السياسية المحلية، مثالاً حديثاً وبارزاً على هذه الجهود. فقد أثارت تصريحاته جدلاً حوّل انتباه الرأي العام عن الحاجة إلى حلول فورية لتدهور مستوى العيش وربَطَ مصير البلاد الاقتصادي بعوامل جيوسياسية. وأثبتت البيئة الجيوسياسية المتغيرة في أعقاب الانفجار أن هذه الرهانات صائبة.
وبالنسبة إلى النخب السياسية، سيفوق مردود هذا التحول في التسوية السياسية للمنطقة مردود أي تطورات سياسية محلية. فمع إغراق تجار الصرافة بأموال المانحين وبتحويلات المغتربين لتجديد موارد المصارف، ومع مشاريع البنية التحتية المتوقعة التي تعيد إحياء شبكات المحسوبية، قد يؤدي تزايد الاهتمام الدولي والمساعدات الخارجية إلى درء ما تبقّى من ضغط لتطبيق الإصلاح.

التستّر وراء الكارثة
في غضون ذلك، يدفع المواطنون اللبنانيون الثمن مرة أخرى. فمع تشكيل حكومة جديدة، ستستمر النخب السياسية في محاولة إنقاذ 2% من الأثرياء من خلال الأصول التي يملكها اللبنانيون كافة. أما الجهود المبذولة لتجنب الخصخصة والمطالبة بمساهمة من كبار المودعين، كما ورد في خطة التعافي المالي، فقد فشلت في جذب الدعم السياسي والشعبي اللازم في صفوف النخب الحزبية. وسوف تتحول الأموال الريعية المتراكمة خلال سنوات النهب وبطريقة سحرية إلى أصول تملكها الدولة فيما سيعجز معظم المودعين عن الوصول إلى مدّخراتهم لسنوات عديدة.
أما النخبة السياسية التي تستفيد من قطاع مصرفي لا يرحم، فستنقذ نفسها على حساب كل من المجتمع والاقتصاد، وكذلك على حساب قدرة أي حكومة على الإصلاح. وفي غياب الإصلاحات، حتى المساعدة المالية، من دون برنامج صندوق النقد الدولي، لن تؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة. فتوفير الأموال من دون إصلاح هو أشبه بملء مصفاة بالمياه.
الرواية الشائعة لخطة جمعية المصارف والبرلمان هي حماية المودعين وحفظ الثروات الخاصة من أيدي الحكومة الجشعة، لكن الواقع هو أن خطتهما تسعى الى الإمعان في تعرية غير المودعين من أملاكهم لمصلحة كبار المودعين


ويجب على الجهات المانحة والجهات الراعية صاحبة النوايا الحسنة أن تضع هذه المخاطر في اعتبارها لدى بذل أي جهود رامية الى تصميم برامج دعم جديدة أو مراجعة البرامج القائمة. وفي هذا السياق، يجب على الجهات المانحة أن تدعم بقوة المبادئ التي تنطوي عليها خطة التعافي المالي من أجل تجنب تبديد أموالها الآتية من دافعي الضرائب وعدم إطالة أمد الوعكة التي يعاني منها لبنان عن غير قصد. والضغط من أجل الإصلاح ينبع إلى حد كبير من حاجة النخب السياسية إلى تحرير الودائع المصرفية، سواء ودائعها أو ودائع أنصارها. ومع إبقاء هذه الفكرة في الأذهان، يجب تطبيق المبادئ التالية كشرط للدعم المالي:
- يجب أن تتم عمليات الإغاثة الفورية من خلال مقدّمي خدمات مستقلين فقط، وليس من خلال المنظمات الحزبية.
- لا يجوز تنفيذ أي مشاريع خاصة بالبنية التحتية العامة ما لم تقدم النخب السياسية التزامات صادقة بأن خطتَي الخصخصة الصادرتين عن جمعية المصارف اللبنانية والبرلمان غير مطروحتين، وذلك لتجنّب تحويل الممتلكات العامة الممولة من المانحين إلى جيوب النخب.
- يجب ربط أي برنامج دعم مشروط ببرنامج موثوق به مع صندوق النقد الدولي.
- لا ينبغي أن تمرّ أموال برامج الدعم لمنح قروض إعادة بناء الممتلكات الخاصة عبر المصارف التجارية التي لها علاقات سياسية، بل عبر آليات تمويل مستقلة.
- نظراً إلى الفساد المستشري في أبرز مؤسسات البنية التحتية، وتحديداً مجلس الإنماء والإعمار، لا بدّ من أن تقوم مؤسسات مستقلة بتصميم مشاريع البنية التحتية العامة وتنفيذها.
لا يجوز للنخب السياسية أن تتستّر وراء الكارثة. ويجب على المجتمع المدني النابض ووسائل الإعلام المحلية في لبنان أن تستمرّ في التدقيق عن كثب في الصفقة الكبرى التي تُحاك للبلاد. ويجب على المجتمع الدولي أن يعيد النظر في تواطئه بإعادة إرساء النظام السائد والتوقف عن دعم الأحزاب التي تمسك بها النخبة السياسية.

* المدير التنفيذي في المركز اللبناني للدراسات
** باحث رئيسي في المركز اللبناني للدراسات
*** باحث في المركز اللبناني للدراسات

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا